

الأدب


الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر


النقد

النقد الحديث

النقد القديم


البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
حريز بن عكاشة
المؤلف:
أحمد بن محمد المقري التلمساني
المصدر:
نفح الطِّيب من غصن الأندلس الرّطيب
الجزء والصفحة:
مج3، ص:558-561
21-1-2023
1777
حريز بن عكاشة
ومن غريب ما يحكى من قوة أهل الأندلس وشجاعتهم : أن الأمير حريز بن عكاشة(1) من ذرية عكاشة بن محصن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بساحة أذفونش ملك ملوك الروم ، فبدأهم بخراب ضياعها وقطع الشجر ، فكتب إليه حريز : ليس من أخلاق القدير ، الفساد والتدمير ، فإن قدرت على البلاد أفسدت ملكك ، ولو كان الملك في عشرة أمثال عددي لم ينزل لي بساحة ، ولا تمكن منها براحة ، فلما وصلته الرسالة عف ، وأمر بالكف ، وبعث الملك يرغبه في الاجتماع به ، فاستر هنه في نفسه عدة من ملوك
558
الروم ، فأجاب إلى ما ارتهن ، ولما صاروا بالمدينة البيضاء – وهي قلعة رباح غربي طليطلة ـ خرج حريز لابسا لأمة حربه يرمق الروم منه شخصا أوتي بسطة في الجسم والبسالة يتعجبون من آلات حربه ، ويتحدثون بشجاعة قلبه ولما وصل فسطاط الملك تلقته الملوك بالرحب والسعة ، ولما أراد التزول عن فرسه ركز رمحه، فأبصر الملك منه هيئة تشهد له بما عنه حدث ، وهيبة يجزع للقائها الشجاع ويكترث ، فدعاه إلى البراز عظيم أبطالهم ، فقال له الملك : يا حريز أريد أن أنظر إلى مبارزتك هذا البطل ، فقال له حريز : المبارز لا يبارز إلا أكفاءه ، وإن لي بينة على صدق قولي أن ليس لي فيهم كفء ، هذا رمحي قد ركزته ، فمن ركب واقتلعه بارزته ، كان واحداً أو عشرة ، فركب عظيمهم فلم يهز الرمح من مكانه حين رامه ، ثم فعل ذلك مراراً ، فقال له الملك : أرني يا حريز كيف تقلعه ، فركب وأشار بيده واقتلعه ، فعجب القوم ، ووصله الملك وأكرمه ، انتهى .
وكان حريز هذا شاعراً ، ولما اجتاز به كاتب ابن ذي النون الوزير أبو المطرف ابن المثنى كتب إليه (2):
يا فريدا دون ثان وهلالاً في العيان
عدم الراح فصارت مثل دهن البلسان
فجاوبه حريز ، وهو يومئذ أمير قلعته:
يا فريداً لا يجارى بين أبناء الزمان
جاء من شعرك روض جاده صوب البيان
فبعثناها سلافا كسجاياك الحسان
559
وكان لحريز كاتب يقال له عبد الحميد بن لاطون فيه تغفل شديد ، فأمره أن يكتب إلى المأمون بن ذي النون في شأن حصن دخله النصارى ، فكتب وقد بلغني أن الحصن الفلاني دخله النصارى إن شاء الله تعالى فهذه الواقعة التي ذكرها الله تعالى في القرآن ، بل هي الحادثة الشاهدة بأشراط الزمان ، فإنا لله على هذه المصيبة التي هدت قواعد المسلمين ، وأبقت في قلوبهم حسرة إلى يوم الدين ، فلما وصل الكتاب للمأمون ضحك حتى وقع للأرض ، وكتب لابن عكاشة جوابه ، وفيه وقد عهدناك منتقياً لأمورك ، نقاداً لصغيرك وكبيرك ، فكيف جاز عليك أمر هذا الكاتب الأبله الجلف ، وأسندت إليه الكتب عنك دون أن تطلع عليه ، وقد علمت أن عنوان الرجل كتابه ، ورائد عقله خطابه وما أدري من أي شيء يتعجب منه هل من تعليقه إن شاء الله تعالى بالماضي ؟ أم من حسن تفسيره للقرآن ووضعه مواضعه ؟ أم من تورعه عن تأويله إلا بتوقيف من سماع عن إمام ؟ أم من تهويله لما طرأ على متن يخاطبه ؟ أم من علمه بشأن هذا الحصن الذي لو أنه القسطنطينية العظمى ما زاد عن عظمه وهوله شيئاً ؟ ولو أن حقيراً يخفى عن علم الله تعالى لخفي . عنه هذا الحصن ، ناهيك من صخرة حيث لا ماء ولا مرعى ، منقطع عن بلاد الإسلام خارج عن سلك النظام ، لا يعبره إلا لص فاجر ، أو قاطع طريق غير متظاهر ، حراسه لا يتجاوزون الخمسين ، ولا يرون خبز البر عندهم إلا في بعض السنين ، باعه أحدهم بعشرين ديناراً ، ولعمري إنه لم يغبن في بيعه ولا ربح أرباب ابتياعه وأراح من الشين بنسبته والنظر في خداعه ، فليت شعري ما الذي عظمه في عين هذا الجاهل ، حتى خطب في أمره بما لم يخطب به في حرب وائل .
فلما وقف حريز على الكتاب كتب لا بن ذي النون جواباً منه : وإن المذكور ممن له حرمة قديمة ، تغنيه عن أن يمت بسواها، وخدمة محمود أولاها وأخراها ، ولسنا ممن اتسعت مملكته ، وعظمت حضرته ، فنحتاج إلى انتقاء الكتاب ، والتحفظ في الخطاب ، وإنما نحن أحلاس' ثغور ، وكتاب كتائب
560
لا سطور ، وإن كان الكاتب المذكور لا يحسن فيما يلقيه على القلم ، فإنه يحسن كيف يصنع في مواطن الكرم ، وله الوفاء الذي تحدث به فلان وفلان ، بل سارت بشأنه في أقصى البلاد الركبان ، وليس ذلك يقدح عندنا فيه ، بل زاده لكونه دالا على صحة الباطن والسذاجة في الإكرام والتنويه ، انتهى.
ولهذا الكاتب شعر يسقط فيه سقوط الأغبياء ، وقد يتنبه فيه تنبه الأذكياء ، فمنه قوله من قصيدة يمدح حريزاً المذكور مطلعها:
يذكرني بهم العنبر وظلم ثنايـاهم سكر
إلى أن قال:
ولولا معاليك يا ذا الندى لما كان في الأرض من يشعر
فلا تنكرن زحامـا على ذراك وفي كفك الكوثر
ومشى في موكبه وهم في سفر ، وكان في فصل المطر والطين ، فجعل فرسه في ذنب فرس ابن عكاشة ، فلما أثارت يدا فرسه طيناً جاء في عنق أميره ففطن لذلك الأمير ، فقال له: يا أبا محمد ، تقدم ، فقال : معاذ الله أن أسيء الأدب بالتقدم على أميري ، فقال فإن كان كذلك فتأخر مع الخيل فقال مثلي لا يزال عن ركابك في مثل هذه المواضع ، فقال له : فقد والله أهلكتني بما ترمي يدا فرسك علي من الطين ، فقال أعز الله الأمير ، يعذرني ، فو الله ما علمت أن يد فرسي تصل إلى عنقك ، فضحك ابن عكاشة حتى كاد يسقط عن مركوبه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- قد مر شيء عنه ص: 358 وانظر الحلة ٢ : ١٧٦ – ۱۷۹.
2- مرت هذه الحكاية ص : ٣٠٨ وانظر الحلة ٢ : ١٧٩ والمطمح: 30.
الاكثر قراءة في العصر الاندلسي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)