نشأة نظرية المجتمع الجماهيرى:
مع بداية القرن العشرين، كانت صورة المجتمع الجديدة هي أنه يتغير من نظام اجتماعى تقليدى مستقر يرتبط فيه الناس ارتباطاً وثيقاً، إلى مجتمع يتميز بتعقيد أكبر حيث ينعزل فيه الأفراد اجتماعيا عن بعضهم البعض، وكان من الواضح لمعظم دارسى النظام الاجتماعي، أن العالم الغربي يشهد زيادة في حجم التمايز والفردية، وانخفاضا في الدرجة التى يستطيع المجتمع السيطرة فيها بشكل فعال على أفراده من خلال الوسائل غير الرسمية، وتحولا متزايدا للفرد عن التكيف القوى مع المجتمع ككل، وزيادة العلاقات الجزئية والاجتماعية التعاقدية، وزيادة كبيرة فى العزلة النفسية للفرد.
وكان يقال: إن هذه التحولات الاجتماعية العامة تؤدى إلى ظهور المجتمع الجماهيرى Mass Society، غير أن فكرة المجتمع الجماهيرى لا تعنd المجتمع الضخم Massive حيث تعنى هذه العبارة المجتمع كثير العدد، ففي العالم مجتمعات ضخمة مثل الهند ولكنها لا تزال تقليدية في تنظيمها، في حين أن المجتمع الجماهيرى يشير إلى العلاقة القائمة بين الأفراد والنظام الاجتماعي المتعلق به، والذى يغلب عليه السمات التالية:
1- يتسم الأفراد في المجتمع الجماهيرى بالعزلة النفسية عن الآخرين.
2- يسود انعدام المشاعر الشخصية عند التفاعل مع الآخرين.
3- يتحرر الأفراد نسبيا من الالتزامات الاجتماعية العامة.
وتشير كلمة " "جماهير" Mass إلى مجموعة كبيرة من الناس تأتى من جميع مجالات الحياة ومن مختلف الطبقات الاجتماعية، وتضم هذه الجماهير أفرادا يختلفون فى مراكزهم ومهنهم وثقافاتهم وثرواتهم، ويكون كل فرد من أفراد هذا الجمهور مجهول الهوية ولا يتفاعل مع الآخرين، ولا يتبادل معهم المشورة أو الخبرة ويواجه أفراد الجمهور عادة قضايا مثيرة للاهتمام، ولكنهم يجدون صعوبة فى فهمها، ذلك لأنهم يواجهون تلك القضايا كذرات منفصلة، وكيان غير متماسك، لا تستطيع وحداته الاتصال ببعضها البعض إلا بطرق محدودة، فيضطرون إلى أن يعملوا منفصلين كأفراد، لهذا يحتمل أن يشعروا بعدم اليقين، ويتخبطون في سلوكهم.
والجماهير ليست تنظيماُ اجتماعياُ، أو عادات أو تقاليد، أو طقوساً، أو قواعد، أو مشاعر، وليس لها بناء للأدوار التى تحدد من يشغلونها، وليس لها قيادة. وسلوك الجماهير سلوك تلقائى لأنه لا يقوم على أساس قواعد وتوقعات موضوعة سلفا ولأن أفراد الجمهور لا يتعاملون مع بعضهم، نجد أنهم يستجيبون إلى الأمور التي تحظى بانتباههم على أساس الدوافع التي تثيرها تلك الأمور، ويعمل هؤلاء الأفراد على إشباع احتياجاتهم الخاصة كأفراد. وإذا حدث أن تم تنظيم السلوك الفردي في شكل حركة اجتماعية أو سياسية، فإن ذلك السلوك لا يصبح جماهيريا، ولكن! يصبح ذا طبيعة اجتماعية.
وقد ازداد حجم السلوك الجماهيرى وأهميته فى ظروف الحياة الحضرية والصناعية الحديثة، هذه الظروف جعلت إنسان العصر الحديث في المجتمعات الجماهيرية يشعر بالوحدة والضياع والقلق، وجعلته يلجأ إلى وسائل الاتصال الجماهيرية كبديل للجماعات والأهل والعشيرة التى كان يشعر في إطارها بالاطمئنان والراحة، وكأدوات تعاونه على التخلص من مشاعر التوتر والقلق التي يشعر بها باستمرار.
لهذا؛ فقد ادعى البعض أن وسائل الإعلام تحولت في العصر الحديث إلى مخدر أو مسكن للجماهير، وأنها حلت محل العلاقات الشخصية المجزية والصحية، التى كانت موجودة فى مجتمعات الأهل والعشيرة، ولهذا السبب قال دى يد رايسمان: "إن الشعب الأمريكي زحام - كل فرد فيه وحيد".
وكتلخيص لما سبق أوجز "ليونارد بروم" و"فيليب سيلزنيك" فكرة المجتمع الجماهيري بعد عرضهما للنظام الاجتماعي في المجتمعات الغربية في الفقرة التالية:
" يتكون المجتمع الحديث من الجماهير، بمعنى أنه قد ظهر جمهور عريض من الأفراد المنعزلين الذين يعتمدون على بعضهم البعض في كل الوسائل المتخصصة، وإن كانت تنقصهم قيمة أو هدف أساســـي يـوحد بينهم. وقد أدى ضعف الروابط التقليدية وتنامى العقلانية، وتقسيم العمل، إلى وجود مجتمعات تتكون من أفراد مرتبطين ببعض ارتباطاً طفيفاً، وبهذا تعنى كلمة جماهير Mass معنى أقرب إلى كلمة "تجمع " Aggregate منها إلى معنى مجموعة اجتماعية مرتبطة ارتباطاً شديداً.