(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247].
خلاصة التفسير: لما طلب الملأ من بني اسرائيل ما طلبوا من نبيهم قال لهم: إن الله قد انتخب طالوت لقيادتكم وتحسبا مما كان يتوقعه من عصيانهم المحتمل أخبرهم بأن بعث طالوت قد تم من قبل الله تعالى.
وفي مقابل ذلك اعترض الملأ من بني اسرائيل وأشرافهم على انتخاب طالوت منطلقين من تكبرهم وغرورهم وتفكيرهم الخاطئ القاضي بإنكار النسخ في التشريع والبداء في التكوين وقد أجابهم نبيهم أولا بأن الذي انتخب طالوت هو الله العالم بالأسرار وثانيا بأن معيار أفضلية الافراد للقيادة هو تخصصهم العلمي في حقل ادارة الحرب والمقدرة البدنية العليا وثالثا بأن الله يمنح سلطته الى من يرى بناء على حكمته بأن الصلاح في منحه إياها ورابعا بأن قدرة الله تتسع لكل الميادين لأنه عليم بكل الاشياء.
تفسير المفردات: طالوت: هناك نظريتان حول مفردة (طالوت):
1. إن طالوت اسم علم أجنبي[1] عبري مثل داود وجالوت فهي غير قابلة للصرف.
2. إن طالوت لغة عربية من (الطول) أو (الطول)[2] بمعنى الفضل والرحمة وأصلها (طولوت) مثل رهبوت ورحموت حيث قلبت (الواو) المتحركة وما قبلها مفتوح ألفا ومنعها من الصرف هو بسبب علميتها وشبه عجميتها لأن وزن طالوت ليس من تركيبات اللغة العربية[3] وإذا كان أصل كلمة طالوت عربيا فسيكون (الطول) بفتح الطاء أكثر مناسبة من (الطول) بضم الطاء كما يمكن أن يكون الجمع بين الجهتين محتملا.
وقد تم تعيين طالوت من قبل النبي إشموئيل[4]، بناء على طلب بني إسرائيل لمنصب الملوكية وقيادة الحكومة والمجتمع وقد كان رجلا حاذقا عالما قويا قاوم ملك فلسطين جالوت وقاتله وهزمه وأنقذ بني إسرائيل من ظلمه وعدوانه.
زاد: (الزيادة) هي أن ينضم الى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر وهي تكون مذمومة حينا ومحمودة حينا آخر والريادة في علم وجسم طالوت التي أدت الى أفضليته على أهل زمانه هي من النوع الثاني[5].
اصطفاه: (الاصطفاء) من جذر (الصفو) و(الصفاء) بمعنى الخلوص من الكدورة. والاصطفاء الذي هو بمعنى الانتخاب المتعاطف لصفاء وخلوص شيء ما[6]، يستعمل أحياناً مع حرف (على) ويكون بمعنى الترجيح لا الانتخاب بما فيه ضرر (المنتخب عليهم) مثل انتخاب الأنبياء الإلهيين عليهم السلام على الناس: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33] و(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) [البقرة: 247] لأن وجود وانتخاب المصطفين الإلهيين يكون دائماً مصدراً للخيرات والبركات على العالمين. إذن، فلا يمكن أن نفسر معنى (على) في هذه الموارد بالضرر.
أما إذا كانت مفردة (الاصطفاء) مستخدمة مع حرف (اللام)، فهي تشير إلى أن الهدف من الانتخاب - سواء كان الدين أم الفرد هو المنتخب ـ هو نفع وكمال (المنتخب لهم)، مثل انتخاب الدين للناس (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ) [البقرة: 132] لأن انتخاب الدين هو لكمال الإنسان وفي غضون ذلك يكون الدين الإسلامي الذي هو الدين الواحد لجميع الأنبياء راجحاً على جميع أديان المتنبئين والشرائع والمناهج المنسوخة: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [التوبة: 33] فيكون الذي ينتخب لكمال الناس راجحاً على غيره، وتكون جملة (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 247] راجعة في الحقيقة إلى قضية إن الله اصطفاه لكم أي إن الشخص الذي ينال ترجيح الله للقيادة، يكون انتخابه في صالح كمال الأمة، لا في ضررها.
[1] مفردات ألفاظ القرآن ص533 ط ول
[4] إشموئيل لا يقابلها (إسماعيل) بالعربية كما ورد في مجمع البيان (مجمع البيان ج1-2 ص410) لأن إسماعيل يقابلها في العبرية (يشمع ايل) (آلاء الرحمن ج1ص411-412)
[5] مفردات ألفاظ القرآن ص385-386 زاد
[6] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 6، ص299، ص ف و.