الجَمل
يُعد الجمل من الحيوانات التي لم يُعثر لها على دفناتٍ إلا في القليل النادر، وإن ثبت وجوده في مصر منذ العصر الحجري الحديث (1)، ⋆ وكان الجمل من الحيوانات ذات القدرة على اجتياز الصحراوات، ولا بد وأنَّ المصري القديم كان قد لاحظه وأُعجب بقدرته على ذلك، فهو وسيلةُ انتقال قوية مثابرة، رغِب المصري القديم في أن يكون معه، ويصحبه في العالم الآخر (2). ⋆ هذا، ويعتقد كلٌّ من Chlide وEmer أنه ربما كان الجمل من بين الحيوانات التي استُؤنست في مصر خلال عصر الأسرتين الأولى والثانية (3).
وتأكَّد ذلك من خلال العثور على بقايا عظمية لجملٍ في المقبرة رقم 720 Hs بحلوان، التي تُؤرَّخ بعصر (قبيل وبداية الأسرات)؛ إذ عُثر على بقايا عظمية لعنق وضلوع حيوانية بدراستها تبيَّن أنها لجمل، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُعثر فيها على دفنةٍ لجمل، وإن كان هذا لا ينفي معرفةَ الجمل قبل تلك الفترة كما ذكر (4).
وقد يكون العثور على تلك الدفنة، ما يؤكِّد التفسيرَ السابق بشأن الرغبة في أن يكون الجمل بالمقبرة كوسيلة انتقال ينتفع بها صاحب المقبرة في العالم الآخر (5).
الأرنب
عُرف الأرنب Lepus aegyptus في مصر القديمة منذ أقدمِ العصور؛ إذ عُثر على بقاياه العظمية على طول وادي النيل وحدوده منذ نهاية عصر البلايستوسين (6).
ولقد عُثر على بقايا دفنة نادرة لأرنب كانت جمجمته مفقودة، وذلك في المقبرة رقم 7597 بجبَّانة نجع الدير، كان الأرنب قد أُلحق بدفنة آدمية بالمقبرة (7). ولم يتم وضْع تفسير لتلك الدفنة، ولا لغرضٍ من وراء دفن هذا الحيوان، وإن كان من المرجَّح اعتباره قربانًا حيوانيًّا للمتوفَّى.
هذا، وقد اعتُبر الأرنب في مصر القديمة رمزًا لإله العالم السفلي (8)، فلقد كان من صفات الأرنب أنه يحفر جحورًا طويلة عميقة يختبئ ويلد وينام فيها، ولعل سكناه في الجحور كانت تذكِّر المصري القديم بالعالم السفلي الذي كان يعتقد أنه طريق الجنة ومقر أوزيريس إله الموتى،55 وربما قدَّسه المصري القديم لِما له من قدرة إنجابية وتناسلية.
وقد ورد عن العديد من الكتَّاب الكلاسيكيين وجودُ عبادة للأرنب في مصر القديمة، حيث لاحظ المصريون سرعةَ هذا الحيوان، ويقظته في توقُّع الخطر، ولأنه ينام وعيناه مفتوحتان، لفت انتباه المصري القديم، ولهذا كان يُعبِّر الأرنب في الهيروغليفية عن كلمة «يفتح» أو عن «الفتح» وحمَل لقب Wnw بمعنى القافز، المساوي للأرنب الذي يقفز في الصباح مع طلوع الشمس (9).
الأسماك
لعِبت الأسماك في الحضارة المصرية القديمة أدوارًا متفاوتة، تتسم بالوضوح أحيانًا، وبالغموض أحيانًا أخرى، وكثيرًا ما عُثر على بقاياها ليس فقط في المواقع السكنية وإنما أيضًا ضمن المتاع الجنائزي في المقابر الآدمية، وكانت الأسماك تُعَدُّ غذاءً رئيسيًّا للمصري القديم، لا سيما للطبقات العامة والبسيطة من المجتمع (10). ويرى Dunnigan بشأن الأسماك أنها كانت مصدرًا للطعام، وبالتالي رمزًا للحياة، وفي تقديمها للمتوفَّى استمرار وضمان للحياة في العالم الآخر، لا سيما لسلوكها المتَّبع عندما تضع صغارها في فمها عند الشعور بالخطر، وإخراجها لهم بانتهاء أو زوال الخطر، فهي رمزٌ للبعث، ومن ثمَّ ربطت ما بين الموت والحياة واستمرارية البقاء (11).
ولقد عرف المصري القديم تقديسَ (12) ⋆ الأسماكِ منذ عصورِ ما قبل التاريخ؛ حيث عُثر على بقاياها في العديد من دفنات هليوبوليس، التي تُؤرَّخ بعصر نقادة II (13). ⋆
السلاحف
هي من الحيوانات التي عاشت على شواطئ النيل منذ آلاف السنين، ولم تكن تؤكل في مصر، ولقد ثبَت وجودها في مصر منذ العصر الحجري الحديث؛ ففي الموقع رقم E29GA بالفيوم عُثر على واحدةٍ من السلاحف (14). بينما عُثر لها على دفنات نادرة؛ ففي المقبرة رقم 264H2 بحلوان عُثر على دفنة لسلحفاة برية كانت بحالة سيئة من الحفظ، ولم تتبيَّن حالة الحيوان إلا من خلال الصدف الذي كان يغطي الظهر، فجاءت الدفنة أشبهَ بالعمل الفني أكثرَ من كونها دفنة حيوانية كاملة (15)، وعُثر على دفنةٍ أخرى لسلحفاة في مقبرة تُؤرَّخ بعصر الأسرة الثانية بتل بسطة (16). بينما عُثر في جبَّانة نجع الدير على عظامٍ لسلحفاة كانت قد أُلحِقت بالمصطبة رقم 518، وهي مصطبة خاصة بالأسرة الثانية، عُثر فيها على دفنة آدمية كان قد أُلحق بها بعض الدفنات الحيوانية التي كان من بينها دفنة لسلحفاة (17).
وكانت للسلاحف ارتباطاتها الدينية؛ إذ كانت من الحيوانات المقدَّسة التي عُرفت منذ العصر المبكِّر، وظهرت على صلايات عصرِ ما قبل وبداية الأسرات (18)، واعتبرها المصريون القدماء أحدَ آلهة الحفظ في المقابر (19).
الطيور
قدَّس المصري القديم أنواعًا من الطيور، وجعل لها رمزيتها العقائدية والدينية (20). وكان من بين أهم هذه الطيور:
الصقر
كان الصقر من أهم الطيور التي قدَّسها المصري القديم؛ إذ كان رمزًا للإله حورس في العصور التاريخية (21)، ولربما كانت عبادة الصقر حورس قد تركَّزت في منطقة هيراكونبوليس (22)⋆ في عصرِ ما قبل وبداية بداية الأسرات، واستمرَّت تلك العبادة المحلية طَوال العصور التاريخية (23). ولقد عُثر للصقر على دفناتٍ في كلٍّ من حلوان وسقارة تُؤرَّخ بعصر الأسرة الأولى؛ ففي المقبرة رقم 668H5 بحلوان عُثر على دفنة لطائر تبيَّن من دراسته بأنه صقر، كان قد دُفن في تابوت خشبي صغير، وبالقرب منه عُثر على دفنة لكلب (24). الشكل رقم 1 والشكل رقم 2.
وعن تفسير هذه الدفنة، فقد رأى البعض أنَّ لهذه الدفنة ارتباطًا بنشاطٍ صيديٍّ كان يقوم به صاحب المقبرة، فلربما كان صيادًا، أو كان يمارس الصيد في وقت فراغه، ولعل العثور على دفنة الكلب الملحقة بالصقر يؤكد ذلك، وإن صحَّ هذا التفسير لكان ذلك دليلًا على الرقي الاجتماعي لصاحب تلك الدفنة.
ورأى البعض الآخر أنَّ لهذه الدفنة ارتباطًا رمزيًّا بالإله حورس، الإله الصقر، لا سيما وأنه كان قد عُثر على دفنةٍ أخرى لصقر في مقبرة حماكا بسقارة، جاءت شبيهةً بدفنة الصقر التي عُثر عليها بحلوان، ويمكن اعتبار هاتين الدفنتين دليلًا على بدء تقديس الإله حورس منذ عصر بداية الأسرات (25).
الطيور المنزلية
أظهرت الاكتشافات الجنائزية التي ترجع لعصر الأسرة الثانية بسقارةَ ما كانت تتضمَّنه المقابر من طيور (الحمَام – الأوز – السُّمان – البط) (26)، ففي دفنةٍ فرعية ملحَقة بالمصطبة رقم 3035 بسقارة، عُثر على ثلاثةٍ من الطيور، كل طائر منها كان قد كُفِّن في قماش، ووُضِع في تابوتٍ خاص به، وأُلحق بكلٍّ منها إناء فخاري صغير (27).
وفي طرخان عُثر على الدفنة الفرعية رقم 2054 لبطة كانت ملحَقة بالمصطبة رقم 2050، كانت البطة قد وُضِعت في تابوت خشبي، وأُلحق بها اثنان من القدور الفخارية كنوع من المتاع الجنائزي (28)، وعُثر على شبيه تلك الدفنة أيضًا بأبيدوس؛ إذ في المقبرة رقم M13 عُثر على دفنةٍ لطائر تُؤرَّخ بعصر الأسرة الأولى (29) الشكل رقم 3.
هذا، ومن المعروف أنَّ البط كان من الطيور المنزلية المستأنسة، والتي فضَّلها المصري القديم، ولا شكَّ أنَّ دفنها معه دليلٌ على تلك الأفضلية، هذا بخلاف كونها رمزًا للأمومة والرعاية (30).
وقد عُثر على عظامٍ لطائر الأوز في المقبرة رقم 722 H5 بحلوان، وكان قد أُلحق به العديد من الأواني والقدور الفخارية والحجرية (31).
والأوز من الطيور التي كان لها رمزيتها الدينية في العصور التاريخية؛ إذ أظهرت النصوص المصرية القديمة ارتباطَ طائر الأوز — كطائر مقدَّس — بالإله آمون (32).
وهكذا، فكما لعِبت الطيور الجارحة — كالصقر — دورًا هامًّا في الديانة المصرية (33)، لعِبت الطيور المستأنَسة وغير الجارحة دورًا مماثلًا في العقيدة المصرية، وضَح ليس فقط من خلال العثور على دفناتٍ لها، وإنما أيضًا من خلالِ ما جاء في أعمال الفن المختلفة؛ إذ كانت الطيور بذلك بمثابة رموز دالة على آلهة الخصب والحب في العصور التاريخية ليس في مصر وحدَها وإنما في العديد من بلاد الشرق الأدنى القديم (34).
وهكذا تعدَّدت الدفنات الحيوانية، واختلفت دلائلها، واختلف الغرض منها، فبعضها كان له ارتباط بالقوة، وبعضها كان له ارتباط بالخصوبة، والبعض الآخر كان غامضَ الدلالة، إلا أنه يمكن القول بأنَّ المصري القديم كان قد شعر بوجود كل هذه الأنواع الحيوانية، وأحسَّ بتأثيراتها عليه، سواء كانت تأثيراتٍ ضارة أو نافعة، فما لبِث أن اختار بعض تلك الأنواع الحيوانية ليقدِّسها؛ إذ اعتقد أنها حوت شيئًا قويًّا وإلهيًّا في نفسِها، إلا أنَّ المصري لم يقدِّس هذا الحيوان في كل نماذجه، بل اختار نموذجًا واحدًا لهذا الغرض. ولم يقدِّس الحيوان لذاته بل إنَّ تقديسه للقوى الربانية الخفية التي تبيَّنها في دنياه، هي التي وجَّهته إلى إظهار الود نحو مخلوقاتها التي توهَّم فيها آياتٍ من قدرة أربابه.
ولم يكن تقديس المصري للحيوان مانعًا إياه من التقرب به للإله، كأضحية حيوانية في كثير من الأحيان، واعتُبرت تلك الأضاحي الحيوانية بمثابة هدية للإله، لاكتساب رضائه من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتُبرت تلك الحيوانات بمثابة قوة سحرية ينتفع بها المتوفَّى في عالمه الآخر (35).

شكل 1: الصندوق الخشبي الذي كان يحتوي على دفنة الصقر – بجبَّانة حلوان. Saad, Z., Op. Cit., pl. XLVIb.

شكل 2: الصندوق بعد الكشف عن الغطاء ويتضح به وجود الهيكل العظمي للصقر. Ibid., pl. XLVIc.

شكل 3: الدفنة رقم 2054 لبطة عُثر على هيكلها العظمي بتابوت خشبي. Petrie, W. M. F., Op. Cit., 1914, pl.17.
.................................................
(1) ⋆ ثبَت وجود الجمل في مصر منذ العصر الحجري الحديث من خلالِ ما عثر عليه يونكر في المعادي؛ إذ عُثر على رأس فخاري لجملٍ تُؤرَّخ بتلك الفترة، بينما وجدت كاتون طومسون في الفيوم حبلًا مصنوعًا من وبر الجمل يُؤرَّخ أيضًا بالعصر الحجري الحديث، وجاءت أدلةُ معرفة الجمل أيضًا من خلالِ ما تم العثور عليه من بقايا أثرية؛ فهناك تمثال ربما يمثِّل هيئةَ الجمل البارك عُثر عليه في أبو صير الملق، يرى شارف أنَّ صانعها قلَّد بها هيئةَ الجمل عن نموذج سوري، وهو من عصر نقادة II.
(2) ⋆ Ripinski, M., “The camel in Dynastic Egypt” in: JEA, vol. 71 1985, pp. 134–141.
(3) Child, V. G., What happened in history, London 1942, pp. 65-66; Emery, W. B., Archaic Egypt, Baltimore, 1961, p. 240.
(4) Saad, Z. Y., 1951, p. 38; Darby, W. J., Op. Cit., 254.
(5) ثبَت ذلك ليس فقط من خلال تلك الدفنة، وإنما أيضًا من خلال الأشكال والهيئات الفخارية للجمال التي عُثر عليها بمقابرِ عصرِ ما قبل وبداية الأسرات لا سيما الأسرتان الأولى والثانية: Ripinski, M., Op. Cit., p. 136.
(6) Gautier, A., Op. Cit., p. 50 ff; Osborn, D. J., Op. Cit., p. 43.
(7) Lythgoe, A. M., 1965, pp. 392-393.
(8) Osborn, D. J., Op. Cit., p. 45.
(9) وليم نظير، «الثروة الحيوانية»، ص112.
(10) هيام عبد الحافظ، «الحيوان المقدَّس – أماكن إعاشته»، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة 2003م، ص227.
(11) Brewer, P. J., and Friedman, R., F., Fish and fishing in ancient Egypt, Cairo, 1990, p. 12.
(12) Dunnigan, A., “Fish” in: Enc., of Rel., vol. 5, pp. 215–217; Dejong, A., “Amulets” in; Redford, B. D., (edit.) The ancient gods speak, a guide to Egyptian religion, Oxford, 2002, p. 12.
(13) ⋆ تشير اللقى الأثرية التي عُثر عليها إلى أنَّ تقديس الأسماك كان معروفًا منذ العصر المبكِّر؛ إذ دخل في تركيبة اسم الملك نعرمر متمثلًا في شكل السمكة: Waller, I. G., Fische, religiös, in: LÄ, vol. 2, col. 228.
(14) Said, A., Op. Cit., p. 21.
(15) Gautier, A., Op. Cit., p. 370.
(16) Saad, Z. Y., 1951, p. 108.
«لم يحدُث تطوُّر كبير للسلحفاة منذ وجودها حوالي 225 مليون سنة، أي في العصر الترياسي، وهي من عائلة الزواحف رتبة السلحفيات، والسلحفاة بدون أسنان، بطيئة الحركة غير عدوانية تتراوح أطوالها بين أقل من 10سم إلى 2م، وهي تتغذَّى على النباتات اللينة أو الحيوانات الصغيرة التي يمكن أن تصطادها، كما يمكن أن تصوم عن الطعام فتراتٍ طويلة» (لمياء الحديدي، «دراسة مقارنة بين النقوش الصخرية في مصر والنوبة السفلى ورسوم الفخار في المرحلة النقادية»، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 2000م).
(17) Habachi, L., Op. Cit., p. 34.
(18) Behrens, H., Op. Cit., p. 76.
(19) Habachi, L., Op. Cit., p. 34.
(20) وليم نظير، مرجع سابق، ص116.
(21) Drewer, D., Op. Cit., p. 453.
(22) روجيه ليشيترج، مرجع سابق، ص119–120.
(23) ⋆ ثبَت وجود حورس — نحن — منذ العصر العتيق، فهو الصقر الذي جاءت عبادته بوضوح بمنطقة هيراكونبوليس، ولربما يعكس ارتباط حورس بالملكية أهميةَ هيراكونبوليس كمركز ديني سياسي هام في عصرِ ما قبل الأسرات، ويعكس أيضًا ما كان يرمز إليه الصقر من رمزية دينية، وسياسية، فهو رمز السلطة العليا والملَكية.
(24) Wilkinson, T. A. H., Op. Cit., pp. 286-287.
(25) Saad, Z. Y., 1951, p. 37.
(26) Flores, D. V., Op. Cit., p. 62; Houlihan, P., Op. Cit., p. 48.
(27) Rosalind and Janssen, J., Op. Cit., p. 54; Behrens, H., Op. Cit., p. 80.
(28) Service des Antiquités, “Saqqarah-Nord,” vol. 14, 1939, p. 79.
(29) Petrie, W. M. F., Tarkhan II, p. 6.
(30) «شارك البط والإوز في العقائد الدينية في مصر القديمة؛ إذ كانا من أهم الطيور المفضَّلة لديهم، وكانا يُقدَّمان كأضحية أو قربان» انظر: Cecil, L. W., Birds notes from the Nile, London 1904, p. 19.
(31) Behrens, H., Op. Cit., p. 76.
أشرف زكريا، مرجع سابق، ص169.
(32) Saad, Z. Y., 1951, p. 39.
(33) Rosalind, and Janssen, J., Op. Cit., pp. 45-46.
(34) Kees, H., Ancient Egypt, London, 1961, p. 18.
(35) Waida, M., “Birds” in: Enc., of Rel., vol. 2, New York, 1987, p. 225.
(36) Samuel A. B. Mercer, “Sacrifice in ancient EGYPT” in: JSOR, vol. 7, 1923, pp. 49-50.