كان المصري القديم يُقدِّس القوةَ بوجه عام — وذلك قبل عبادة الآلهة — ثم تلا ذلك أنْ عبدَ الإنسان ما مثَّل هذه القوة، لا سيما من حيوانات البيئة، ولم يعبد الحيوان لذاته، وإنما لروحٍ سامية تكمُن فيه (1). ولقد جاءت إشاراتُ تقديس التمساح منذ عصرِ ما قبل وبداية الأسرات، متمثِّلة فيما عُثر عليه من نقوش ربطته بمعبودات عدة (2)؛ فقدَّس التمساح رهبةً منه، ورغبةً في اتقاء شرِّه، وجعل له رمزًا قدسيًّا مرتبطًا بأحد الآلهة، ألا وهو كما ذكر آنفًا «سوبك» الإله التمساح، الذي تقرَّبوا إليه بالقربان، وأقاموا له المعابد — في العصور التاريخية — تكريمًا له، وكانوا يعتقدون أنَّ التمساح يستطيع بقوَّته أن يطرد عنهم الأرواح الشريرة (3)، ⋆ وفي نفس الوقت ارتبط التمساح بالإله ست، ولربما كان الربط ما بين ست والتمساح راجعًا إلى أنَّ التماسيح لها طبيعةٌ مزدوجة؛ فهي حيواناتٌ برمائية، تحيا على الأرض، وبالماء. وفي ذلك إشارةٌ ضمنية إلى أنَّ الشرَّ يوجد في شطري العالم؛ الأرضِ والماءِ، وهو يرمز من ناحية أخرى للطبيعة الإنسانية المزدوجة، حيث خُلق الإله الأول من الماء، ثم خَلق من نفسه الآلهةَ والناس أجمعين، وهذه نظرية فلسفية يحاول بها Cooper تفسيرَ أسباب تقديس التمساح (4).
هذا بخلاف ارتباطه بالشمس؛ إذ يأخذ إله الشمس شكلَ التمساح في الساعة الأولى من الصباح بعد ولادته من العالم الآخر وصعوده إلى الأفق الشرقي، وذلك تبيَّن من خلال تفسير العلاقة التي تربط إله الشمس بالتمساح في بعض فقرات نصوص الأهرام والتي يتضح فيها كيف أنَّ ولادةَ إله الشمس من المياه الأزلية تكون في صورة التمساح (5)، ولقد اعتُبر التمساح أيضًا أحدَ رموز الحماية في العالم الآخر؛ فهو يقوم بحماية جثة إله الشمس بل وحماية الآلهة الأخرى.
فالتمساح من الحيوانات التي رأى المصريون القدماء فيها جانبَ خير وجانبَ شر، فوجودها بكثرة في النيل، وقد حمى البلاد من أي اعتداءات عن طريق النهر (جانب الخير)، أما جانب الشر فهو من الحيوانات المفترسة التي تقضي على مَن يقترب منها وتفترسه.
........................................
(1) Moren Z, S., Egyptian religion, London 1973, p. 16.
(2) Saied, A. M., Op. Cit., p. 217.
(3) ⋆ ظلَّ الاعتقاد بقدرة التمساح على طرد الأرواح الشريرة سائدًا حتى الآن، ويتمثَّل ذلك في مومياوات التماسيح التي تُرى معلَّقة على أبواب بعض المنازل والحوانيت تيمنًا بها، انظر: وليم نظير، «العادات المصرية بين الأمس واليوم»، القاهرة 1967م، ص41.
(4) Cooper, J., An illustrated Encyclopedia of traditional symbols, London, 1978, p. 44; McDonald, A., “Tall tails the Seth animal reconsidered” in: McDonald, A., current research in Egyptology, Oxford, 2000, p. 75.
(5) خالد أنور عبد ربه عبد الغني، مرجع سابق، ص 119، 249.