[اتّفق الإلهيون على كونه تعالى متصفا بصفات الكمال والجمال ، من العلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات الذاتيّة ، ولكنهم اختلفوا في كيفية إجرائها عليه سبحانه على أقوال نظرية المعتزلة حيث] إنّ كيفية إجراء صفاته سبحانه على ذاته أوجد هوّة سحيقة بين المعتزلة والأشاعرة فمشايخ الاعتزال ـ لأجل حفظ توحيده سبحانه وتنزيهه عن التركيب من الذات والصفات ـ ذهبوا إلى أنّ ملاك إجراء هذه الصفات هو الذات وليست هناك أية واقعية للصفات سوى ذاته.
توضيحه : إنّ حقيقة نظرية المعتزلة هي نظرية نيابة الذات عن الصفات من دون أن يكون هناك صفة وذلك لأنهم رأوا أنّ الأمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورين :
أولهما : إنّا لو قلنا بأنّ له سبحانه صفات كالعلم ، وجب الاعتراف بأنّ هناك ذاتا وصفة ، لأنّ واقعية الصّفة هي مغايرتها للموصوف ، ولا يمكن أن يكون هنا صفة ولا تكون غير الموصوف ، فعندئذ يلزم التركّب فيه سبحانه من ذات وصفة ، وهو محال.
وثانيهما ـ إنّ نفي العلم والقدرة وسائر الصفات الكمالية عنه سبحانه يستلزم النقص في ذاته أولا ، ويكذّبه إتقان آثاره وأفعاله ثانيا.
فالمخلص والمفرّ من هذين المحذورين ، انتخاب نظرية النيابة ، وهي أن نقول بنيابة الذات مناب الصفات ، وإن لم يكن هناك واقعية للصفات وراء الذات.
هذا هو المشهور عن المعتزلة وممن صرح به منهم عبّاد بن سليمان قال : «هو عالم ، قادر ، حي ، ولا أثبت له علما ، ولا قدرة ولا حياة ولا أثبت سمعا ولا أثبت بصرا ، وأقول هو عالم لا بعلم ، وقادر لا بقدرة ، وحيّ لا بحياة ، وسميع لا بسمع ، وكذلك سائر ما يسمّى من الأسماء التي يسمّى بها» (1).
يلاحظ عليه ـ أولا : إنّه لم يتحقق أنّ ما ذكر من قضية النيابة رأي جميع المعتزلة بل إن هناك جماعة منهم يذهبون إلى ما هو المختار عند الإمامية من عينية صفاته مع ذاته بمعنى أنّ الذّات هي نفس العلم والقدرة والحياة لا أنها خالية عن الصفات تنوب منابها (2).
وثانيا : إنّ المعتزلة يتصورون أنّ حقيقة الصفة ترجع إلى أمر زائد على الذات ، ولا يتصور كون الشيء وصفا مع كونه نفس الذات وعينها وما ذلك إلا لملاحظة الصفة في الموجودات الإمكانية فالعلم في الإنسان وصف وهو غير الذات ، كما أنّ القدرة كذلك ، فاتخذوه ضابطة كلية حتى في مقام الذات الإلهية ، فجعلوا كون الشيء وصفا ملازما للزيادة وعارضا على الذات ، فوقعوا في محذور خاص وهو أنّ إثبات الصفات يستلزم تركب الذات من ذات ووصف أولا ، وخلو الذات عن الكمال ثانيا ، كما تقدم في كلامهم ، ولأجل رفع هذين المحذورين ذهبوا إلى نفي الصفات وقيام الذات منابها.
ولكنهم لو وقفوا على أنّ ما اتخذوه ضابطة (كون الصفة غير الذات) ليس ضابطة كلية وإنما يختص ببعض الموجودات الإمكانية ، لوقفوا على أنّ من الممكن أن تبلغ الذات في الكمال والجمال مرتبة عالية تكون نفس العلم والانكشاف ونفس القدرة والحياة ، ولم يدل دليل على أنّ الصفة في جميع المراتب عرض قائم بالذات بل لهذه الأوصاف عرض عريض ومراتب متفاوتة. ففي مرتبة يكون العلم عرضا ، كما في علمنا بالأشياء الخارجية ، وفي مرتبة يكون جوهرا كما في علمنا بأنفسنا ، وفي مرتبة يكون واجبا نفس الذات كما سيوافيك بيانه ، وعدم إطلاق الصفة على مثل هذا العلم لغة ، لا يضرنا لأن الحقائق لا تقتنص عن طريق اللّغة. ولو كان الداعي إلى القول بالنيابة هو التحفظ على التوحيد وبساطة الذات ، فالتوحيد ليس رهن القول بها فقط ، بل هو كما يحصل بها ، يحصل بالقول الآخر الذي يتضمن عينية الصفات والذات ، مع الاعتراف بواقعية الصفة فيها وبذلك يتميز عن القول بالنيابة.
______________
(1) مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 225.
(2) قد جمع الأستاذ دام حفظه كلمات المعتزلة في هذا المقام في محاضراته القيمة في الملل والنحل ، ج 2 الفصل السادس عند البحث عن كون علمه زائدا على الذات أو لا.