[إختلفت نظرية المتكلمين في تفسير الصفات الخبرية إلى أقوال منها] التفويض.
وقد ذهب جمع من الأشاعرة وغيرهم إلى إجراء هذه الصفات على الله سبحانه مع تفويض المراد منها إليه.
قال الشهرستاني: «إن جماعة كثيرة من السلف يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك ، إلّا أنهم يقولون إنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه ، مثل قوله : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) ، ومثل قوله : (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ). ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات ، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له ، وذلك قد أثبتناه» (1).
وإليه جنح الرازي وقال: «هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد الله منها شيء غير ظواهرها ، كما يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها» (2).
تحليل نظرية التفويض: إنّ التفويض شعار من لا يريد أن يقتحم الأبحاث الخطيرة ، ويرى أنه يكفيه في النجاة قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «بني الإسلام على. خمس : شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» (3).
ولأنه يرى أنّ التفويض أسلم من الإثبات الذي ربما ينتهي به إمّا إلى التشبيه والتجسيم الباطلين أو إلى التعقيد والإبهام اللّذين لا يجتمعان مع سمة سهولة العقيدة.
ولكنّ أهل الإثبات ـ أعني أصحاب النظريتين السابقتين ـ عابوا على نظرية التفويض بأنّ غاية تلك النظرية مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها. فإنّ الإيمان بالألفاظ وتفويض معانيها إلى الله سبحانه بمنزلة القول بأنّ الله تعالى خاطبنا عبثا ، لأنه خاطبنا بما لا نفهم ، والله يقول : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (4).
أقول : إنّ لأهل التفويض عذرا واضحا في هذا المجال ، فإنهم يتصورن أنّ الآيات المشتملة على الصفات الخبرية ، من الآيات المتشابهة ، وقد نهى سبحانه عن ابتغاء تأويلها وأمر عباده بالإيمان بها. فقال سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) (5). فلا عتب عليهم إذا أعرضوا عن تفسيرها وفوضوا معانيها إليه سبحانه. نعم ، الإشكال في عدم كون هذه الآيات من الآيات المتشابهة ، فإنّ المفاد فيها غير متشابه إذا أمعن فيها الإنسان المتجرد عن كل رأي سابق ، كما سيوافيك بيانه.
والعجب أنّ ما عابوا به أصحاب التفويض وارد عليهم أيضا ، فإنّ إثبات الصفات الخبرية بمعانيها الحرفية التي تتبادر عند إيرادها مفردة ، مع حفظ التنزيه ، تجعلها ألفاظا بلا معان واضحة. لأنّ الكيفية المتبادرة من هذه الصفات هي المقومة لمعانيها فإثبات مفاهيمها الحرفية مع سلب كيفيّاتها أشبه بإثبات الشيء في عين سلبه. فعندئذ تنقلب الآيات البيّنات الدّالة على أشرف المعاني وأجلّها إلى آيات غير مفهومة ولا معقولة. وكأنّ الله تعالى خاطبهم وهم أميون لا يعلمون من الكتاب إلّا أماني.
______________
(1) الملل والنحل ، ح 1 ، ص 92 ـ 93 بتخليص.
(2) أساس التقديس ، ص 223.
(3) صحيح البخاري ، ج 1 ، كتاب الإيمان ، ص 7.
(4) سورة إبراهيم : الآية 4. الفتوحات المكية ، ج 4 ، ص 928. وتبعه ابن تيمية في هذا النقد كما نقله في علاقة الإثبات والتفويض ، ص 60.
(5) سورة آل عمران : الآية 7.