كانت المَعْز والكِباش من الحيوانات التي قدَّسها المصري القديم، لِما لها من منفعةٍ وخير، فارتبط تقديسها بأسبابٍ نفسية، واقتصادية واعتبرها المصري القديم تجسيدًا لرموز مقدَّسة، يتصل من خلالها بعالم الآلهة، دون تقديس كل أفراد النوع الحيواني، ودون تقديس النوع الحيواني لذاته (1).
فعنِ المَعْزِ … تعدَّدت الآراء حول تفسير الغرض من دفنات المَعْز التي عُثر عليها؛ فرأى البعض أنَّ المَعْز كانت من أول حيوانات الأضحية التي كان ينظر إليها المصري نظرةً خاصة، وكان يتقرَّب بها المتوفَّى للآلهة رغبةً في إرضائها (2).
ورأى البعض الآخر أنَّ المَعْز كانت رمزًا من رموز أعداء الإله، لا سيما وأنها قد ارتبطت في العقيدة المصرية في العصور التاريخية بالإله ست، وبالتالي كان التضحية بها فيها نوعٌ من إرضاء الإله (3). وهذا الرأي يتناقض مع ما كان عليه الوضع في دفنات المَعْز التي عُثر عليها، والتي جاءت مُبالغًا في حدِّ الاعتناء بها في كثير من الأحيان؛ إذ كُفِّنت وزُوِّدت بالعديد من الأواني الفخارية كنوع من المتاع الجنائزي، مما أدَّى بالبعض الآخر إلى الربط ما بين تلك الدفنات، وبين وجود نوع من الدلالة الطوطمية الخاصة، وبنوع من التقديس الرمزي لها (4). وتعتقد الدارسة أنَّ هذا هو أبعدُ التفسيرات إلى الصحة؛ إذ إنَّ الطوطمية لا تتناسب مع البيئة المصرية.
ولا شكَّ أنَّ تكرار ما عُثر عليه من دفنات لمَعْز، التزمت بالاتجاه الشرقي في الدفن، كان له مغزاه الديني، الذي قد يكون مرتبطًا بالشمس كما سبق وأن ذكرت، لا سيما وأن الشمس كانت في مصر القديمة من القوى الهامة التي كانت لها مكانتها في الفكر المصري القديم (5).
فكانت المَعْز بذلك — كما يرى Bonnet — من الحيوانات الإلهية المقدَّسة في مصر القديمة (6). ولعل تَكرارَ ما عُثر عليه من دفنات لها — وضَح بها الإرهاصاتُ الأولى للتحنيط — يؤكِّد على هذه الفكرة. ويؤكد Lurker أنَّ ما عُثر عليه من دفنات للمَعْز، إنما هو بمثابة نوع من الأضاحي الحيوانية المقدَّسة كانت تُقدَّم كقربان غذائي للآلهة وللموتى على حدٍّ سواء (7).
أما الكِباش … فقد حظيت بأهميةٍ وقداسة كبيرة في مصر القديمة، حيث أدرك المصري القديم ما لهذا الحيوان من مقدرةٍ فائقة، تمثَّلت في الخصوبة والتناسل؛ لذا ربط المصري القديم بينه وبين الخَلق والبعث، ولقد ظهر الكبشُ كحيوان مقدَّس منذ عصورِ ما قبل التاريخ (8).
ومن ثمَّ فقد عُثر له على بعض الدفنات في عصرِ ما قبل وبداية الأسرات، بينما زاد دوره الديني والعقائدي، وزاد الاهتمام بدفنه طَوال مختلف مراحل العصور التاريخية.
وعُرِف الكبش رمزًا للإله خنوم (9) ⋆ منذ عصر التأسيس، واعتبره المصري القديم واهبَ الحياة والخير للبشر، وكان أن عُثر على أول كبش محنَّط، يؤرَّخ بعصر الأسرة الأولى، مما يؤكِّد على اهتمام المصري القديم بالكباش منذ أقدم العصور (10).
ولربما كان دفنُ الكباش بمثابةِ تعبيرٍ عن الإعزاز لهذا الحيوان؛ فهو الوسيط ما بين الإنسان والإله، ومن خلاله يتم كسبُ رضا الإله واتِّقاء غضبه، وتقديمه يَعني انتقال القوة والحيوية التي بداخله، إلى الشخص الذي يُقدَّم إليه (11). ولقد كان هناك ارتباطٌ دائم بين شكل الكبش وبين مفهوم الروح؛ إذ كانت روح إله الشمس تظهر في شكل كبش، ولذا اتَّخذ إله الشمس شكلَ الكبش الذي يرمز إلى الروح (12).
ولا شكَّ أنَّ مثل تلك الدفنات الحيوانية أيًّا ما كان تفسيرها، إنما هي تخبرنا بلا نصٍّ كتابيٍّ، عن أمورٍ غابت عنا دلالتها، وتؤكِّد على الأهمية والمكانة التي اتخذتها تلك الأنواع الحيوانية في فترةٍ مبكِّرة من تاريخ الحضارة المصرية القديمة.
.................................................
(1) Bonnet, H., Op. Cit., p. 113.
(2) Frankfort, H., Ancient Egyptian religion, New York, 1961, p. 11.
(3) Lurker, M., The gods and symbols of ancient Egypt, London, 1980, p. 26.
يسر صديق أمين، «قرابين الأضاحي في نصوص ومناظر الدولة الحديثة والعصور المتأخرة في مصر القديمة»، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 1987م، ص31-32.
(4) Vandier, J., Op. Cit., p. 197; Walens, S., “Animals,” in: Enc., of Rel., vol. 1, p. 293.
(5) Rice, M., Op. Cit., p. 32.
(6) Bonnet, H., Op. Cit., p. 882.
(7) Lurker, M., Op. Cit., p. 26.
(8) إيناس بهي الدين، «المعبودات المصرية القديمة التي اتَّخذت هيئةَ الكبش منذ بداية العصور التاريخية وحتى نهاية الدولة الحديثة»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة 2002م، ص14-15. وعن الكباش وتقديسها في عصرِ ما قبل وبداية الأسرات انظر: Saied, A. M., Op. Cit., pp. 135–149.
(9) ⋆ خنوم: هو الإله الذَّكر الذي اتَّخذ هيئةَ الكبش، وامتدَّت جذورُ عبادته إلى عصر بداية الأسرات 3100ق.م.، وقد كان رمزًا للقوة والخصوبة: Wilkinson, R. H., The complete gods and goddesses of ancient Egypt, Cairo, 2003, p. 194.
(10) جورج بوزنر، «معجم الحضارة المصرية القديمة»، مترجَم، القاهرة، 1992م، ص42؛ Badawi, A. M., Der Gott Chnum, Inaugural-Dissertation zur erlangung der DoktorwÜrde, Berlin, 1937, pp. 5, 16-17.
(11) Altenmüller, H., “opfer,” in: LÄ, IV, 1982, cols. 579–584.
(12) خالد أنور عبد ربه عبد الغني، «إله الشمس وعلاقته بآلهة ومخلوقات العالم الآخر أثناء رحلته الليلية»، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 2005م، ص8، 15.