0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

قواعد الإسناد التقليدية في منازعات الذكاء الاصطناعي

المؤلف:  مريم باسم قاسم حميد

المصدر:  القانون واجب التطبيق والمحكمة المختصة في منازعات الذكاء الاصطناعي

الجزء والصفحة:  ص 103-113

2026-10-10

33

+

-

20

من الصعوبات التي يواجهها القاضي المعروض عليه النزاع، هو تحديد القانون واجب التطبيق، وتحديداً عندما تكون عناصر الحدث موزعة بين عدة دول، كما لو حدث الفعل الضار في دولة ما، وتحقق الضرر في دولة أخرى، فأي قانون يُطبق هل هو قانون مكان وقوع الفعل الضار أو قانون مكان تحقق الضرر ؟ (1) .
للإجابة عن هذا السؤال، سنبين موقف القانون العراقي والقوانين المقارنة، من القانون واجب التطبيق على المنازعات الناشئة عن المسؤولية التقصيرية (2) ، نصت المادة (27/1) من القانون المدني العراقي على أنّه : (1 - الالتزامات غير التعاقدية يسري عليها قانون الدولة التي حدثت فيها الواقعة المنشئة للالتزام) (3).
أما في القانون المدني المصري، فنصت المادة (21) على أنه : ( يسري على الالتزامات غير التعاقدية قانون البلد الذي وقع فيه الفعل المنشأ للالتزام) (4) .
من خلال ما تقدم نجد أنّ القانون المدني العراقي والقانون المدني المصري، أخذا بضابط قانون مكان وقوع الفعل الضار، عند تحديد القانون واجب التطبيق على الالتزامات غير العقدية (5) .
مما تقدم، يتضح لنا موقف المشرع العراقي والمصري بشأن القانون واجب التطبيق على المسؤولية التقصيرية في إطار الأفعال البشرية التقليدية، أما في مجال الذكاء الاصطناعي، نجد غياب قواعد خاصة بتنازع القوانين لمثل هذه المنازعات، الأمر الذي يؤدي إلى خضوع الدعاوى الناشئة عن الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي للقواعد العامة بشأن تنازع القوانين في إطار المسؤولية التقصيرية، إذ لا توجد قواعد دولية موحدة يُعتمد عليها في هذا الشأن، لذلك يعتمد تحديد القانون واجب التطبيق على طبيعة الدعوى أو العلاقات القانونية، إلى جانب الظروف المحيطة بها، فبالنسبة إلى منازعات الذكاء الاصطناعي الناشئة عن المسؤولية التقصيرية، فإن تحديد القانون واجب التطبيق عليها، ينبغي إخضاعه لقواعد الإسناد التقليدية الخاصة بالمسؤولية التقصيرية (6).
لذلك فإن مسألة تحديد القانون واجب التطبيق على منازعات الذكاء الاصطناعي الناشئة عن المسؤولية التقصيرية، يُعدّ من القضايا المعقدة، لاسيما بسبب الطبيعة العابرة للحدود لتلك
الأنظمة، على سبيل المثال، لنفرض أحد الشركات تعمل على تشغيل نظام ذكي، وظيفته فرز السيرة الذاتية، فقد يتحيز هذا النظام لاختيار الموظفين على أساس الخصائص الجنسية أو العرقية، لنفرض أن المتضررين من هذا النظام يقيمون في دول تعتمد على معايير المسؤولية الصارمة لبرمجيات فرز السيرة الذاتية، في حين تكون الشركة خاضعة لقانون يتسم بالتساهل بشأن معايير المسؤولية لتلك الأنظمة، في مثل هذه الحالة يطرح سؤال، أي قانون سيتم تطبيقه للفصل في النزاع؟، للإجابة عن هذا السؤال ينبغي البحث في ضوابط تنازع القوانين التقليدية، لتحديد القانون واجب التطبيق عندما يرتبط النزاع، بنظام قانوني لأكثر من دولة (7) .
وعليه سنبين مدى ملاءمة هذه الضوابط، في تحديد القانون واجب التطبيق على منازعات الذكاء الاصطناعي الناشئة عن المسؤولية التقصيرية، وعلى النحو الآتي:
أولاً: قانون الإرادة
بموجب هذا الضابط، يرى جانب من الفقه وجوب الاعتماد على إرادة الأطراف، لتحديد القانون واجب التطبيق في المنازعات غير العقدية إلى جانب اعتماده كضابط اسناد أساسي في المنازعات العقدية، ويرجع الفقه في الاعتماد على هذا الضابط على أساس أن دور الإرادة لا يُعد حكراً كضابط اسناد في المسائل العقدية، وقد انتقد البعض هذا التوجه لأنه يقوم على أساس خاطئ، إذ إنّ الإرادة لم تتحرك إبتداء لتحريك العلاقة، فكيف يُعتمد عليها في تحديد القانون واجب التطبيق على أفعال حصلت من دون إرادة أطرافها؟ ، ويرد على هذا الانتقاد مبررات عدة منها، إن إرادة الأطراف وإن لم تدخل في تحريك العلاقة، إلا إنّه يجب احترام هذه الإرادة متى ما اتجهت إلى اتفاق على تطبيق قانون دولة ما، لأنه يُعد القانون الأكثر ملاءمة في تحقيق التوازن بين المراكز القانونية للأطراف والأكثر حماية لمصالحهم (8). أما بالنسبة إلى الدول التي أخذت بقانون الإرادة بوصفه ضابط اسناد في المسائل غير العقدية، نجد القانون الدولي السويسري نص في المادة (132) على انه : (يمكن للأطراف بعد وقوع الفعل الضار في أي لحظة الاتفاق على تطبيق قانون القاضي)، إنّ اختيار الأطراف للقانون في هذا النص ما هو إلا إعمال لقانون الإرادة، وإن كان قيد هذا الاختيار بقانون القاضي وأن يكون هذا الاختيار بعد وقوع الفعل الضار وليس قبله (9) .
أما في مجال الذكاء الاصطناعي، ولتطبيق هذا الضابط نفترض على سبيل المثال، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي هي موضوع العلاقة التعاقدية وكان هناك ضرر ناتج عن ( آلة ذكية)، كما لو كانت هناك علاقة عقدية بين شركة تعمل على تصنيع (آلة ذكية ) مع شخص طبيعي أو شركة أخرى، في هذه الحالة يُطبق قانون الإرادة في حال وجود أضرار ناشئة عن العقد، حتى وان تسببت هذه الآلة في ضرر للغير فيُرجع إلى قانون الإرادة المتفق عليه في العقد لتحديد القانون واجب التطبيق، ففي العلاقات غير التعاقدية نجد أنّ قانون الإرادة له دور من خلال اختيار المضرور لقانون مكان وقوع الفعل الضار أو قانون مكان تحقق الفعل الضار، وفقاً لما تقتضيه مصلحته، طالما هذا القانون غير مخالف للنظام العام والآداب العامة (10) .
ثانياً: قانون مكان وقوع الفعل الضار
يُعد من أبرز الضوابط لتحديد القانون واجب التطبيق في منازعات المسؤولية التقصيرية ، يستند هذا الضابط إلى مبدأ الحقوق المكتسبة، يفترض هذا المبدأ أنّ الحق في التعويض عن ضرر أجنبي، ينشأ وفقاً لقانون الدولة التي وقع فيها الفعل الضار، وقد اعتمد هذا الضابط في العديد من الدول (11) .
نجد أن القانون المدني العراقي نصّ في المادة (27/1) على أنه : (1- الالتزامات غير التعاقدية يسري عليها قانون الدولة التي حدثت فيها الواقعة المنشأة للالتزام).
أما في ، مصر، فقد نصت المادة (21) من القانون المدني المصري، على أنه :( يسري على الالتزامات غير التعاقدية قانون البلد الذي وقع فيه الفعل المنشأ للالتزام
من خلال ما تقدم نجد أن كلا من المشرع العراقي والمشرع المصري، أخذوا بضابط مكان وقوع الفعل الضار في الالتزامات غير العقدية، إلا أنهم قد اشترطوا لتطبيقه، أن يكون الفعل غير مشروع أيضاً بموجب قانون دولة قاضي النزاع، وهذا ما أخذ به المشرع العراقي، إذ اشترط في المادة (2/27) على أنّه : ( 2- لا تسري احكام الفقرة السابقة فيما يتعلق بالالتزامات الناشئة من العمل غير المشروع على الوقائع التي تحدث في الخارج وتكون مشروعة في العراق وان عدت غير مشروعة في البلد الذي وقعت فيه، كذلك أخذ به المشرع المصري، وذلك من خلال ما نصت عليه المادة (21)، من القانون المدني المصري، إذ نصت على أنّه : .... ومع ذلك لا تسري احكام هذا القانون إذا كان الفعل غير مشروع في البلد الذي وقع فيه وكذلك مشروع في مصر ) (12)
أما بالنسبة إلى الدول الأجنبية منها الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استمرت بالعمل بهذا الضابط لسنوات طويلة، إلى أن تمت الصياغة الثانية لمبادئ تنازع القوانين عام. 1972، إذ تم تعديل بعض أحكامه (13) .
ويظهر تطبيق هذا الضابط في قضية
George Monro Ltd v American Cyanamid &Chemical Corp،1944
إذ تبنت محكمة الاستئناف الإنكليزية هذا الضابط لتحديد القانون واجب التطبيق، إذ عدّت أنّ الفعل الضار قد حدث في الدولة التي تم فيها التصنيع المسبب للضرر، وليس في الدولة التي تحقق فيها الضرر، وتؤكد هذه القضية على عد مكان وقوع الفعل الضار ضابط إسناد، لتحديد القانون واجب التطبيق على المسؤولية التقصيرية في القضايا العابرة للحدود (14).
أما بالنسبة إلى منازعات الذكاء الاصطناعي، لنفرض على سبيل المثال، لو تسببت مركبة ذاتية القيادة بحادث واسفر هذا الحادث عن أضرار لحقت ،بالغير، فوفقاً لاتفاقية لاهاي بشأن القانون المطبق على حوادث المرور 1971 ، يمكن عد قانون مكان وقوع الفعل الضار معياراً لتحديد القانون واجب التطبيق على هذا النزاع، فيمكن لأحكام هذه الاتفاقية أن تغطي مسألة تنازع القوانين في الحوادث التي تتسبب بها المركبات ذاتية القيادة (15) .
لقد زادت أهمية هذا الضابط في مجال منازعات الذكاء الاصطناعي، بسبب الطبيعة العابرة للحدود لتلك الأنظمة، فهو يعد الضابط الذي يعتمد كأصل عام، إلا أنّ الأضرار الناتجة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى تباين بين مكان ارتكاب الفعل المسبب للضرر، والمكان الذي تحقق فيه هذا الضرر ، في هذه الحالة قد يعتمد قانون مكان تحقق الضرر، كونه الأكثر صلة بالأثر الضار (16) .
كما قد تثير الأضرار الناتجة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، إشكالية أخرى تتمثل بالتأمين من المسؤولية، خاصة عند استخدام هذه الأنظمة في أنشطة قد تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ أنّ عبء المسؤولية عن تلك الأضرار تقع على عاتق المشغل أو المالك أو المستخدم، فقد يعمل هؤلاء على إبرام عقود تأمين لتغطية المخاطر التي تحدثها تلك الأنظمة، وقد ظهرت بعض المقترحات المتعلقة بإنشاء صندوق تأميني خاص لتعويض المتضررين بسبب الأضرار التي تلحقها بهم تلك الأنظمة، فقي هذه الحالة يمكن للمضرور إقامة دعوى مباشرة على شركة التأمين، متى كان الضرر جرت تغطيته تأميناً، إذ يُفهم من ذلك أن قانون مكان وقوع الفعل الضار لا يقتصر فقط على تحديد القانون واجب التطبيق على الأضرار التي تلحقها أنظمة الذكاء الاصطناعي بالغير، بل يسهم في تحديد نطاق الحماية التأمينية الممنوحة للمضرور ، لاسيما في المنازعات العابرة للحدود (17) .
ومن الإشكالات التي تواجه تطبيق قانون مكان وقوع الفعل الضار، عندما هي يقع الضرر في مكان لا يخضع لسيادة دولة معينة، كالأضرار التي تحدث على ظهر السفينة أو في الطائرات (18) . لو حدث ضرر ناشئ عن سفينة ذاتية القيادة في أعالي البحار من خلال تصادم سفينتين، فأي قانون يمكن تطبيقه في هذه الحالة؟ ، ونتيجة عدم وجود تنظيم قانوني خاص لمثل هذه الوقائع الناتجة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، يمكن الرجوع إلى القواعد التقليدية الخاصة بهذه المسألة، في الواقع نجد قليلاً من الدول التي تناولت في تشريعاتها القانون واجب التطبيق على تصادم السفن الواقعة في أعالي البحار، إذ إنّ هذه القوانين قد أخضعت مثل هكذا حوادث إلى تطبيق قانون العلم، ومن هذه : المادة (12) من القانون البحري الإيطالي، والمادة (189) من القانون البلغاري، والمادة (10/2) من القانون البحري البولوني ، والمادة (674/2) من القانون البحري البرتغالي، كما ظهرت بعض الاتجاهات الفقهية التي نادت بفكرة الأخذ بقواعد الاختصاص القضائي، أي اخضاع الفعل الضار لقانون قاضي النزاع، في حين نادى البعض الآخر إلى فكرة الأخذ بقانون العلم، هذا يعني أنه في مثل هذه الحالات يكون من الصعب تطبيق قانون مكان وقوع الفعل الضار (19).
ومن التعقيدات التي تواجه قاعدة تطبيق قانون مكان وقوع الفعل الضار، هو أن الأضرار الناشئة عن الحوسبة السحابية والتي تُعدّ الأساس في عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ يُعد تحديد مكان وقوع الفعل الضار في ظل البيئة الرقمية من أبرز التحديات وذلك بسبب الطبيعة العابرة للحدود، فضلاً عن المعالجات الرقمية التي تتم عبر منصات متعددة، فلو حدث تعد على الحقوق الرقمية عبر الحوسبة السحابية، ففي هذه الحالة يكون الضرر قد تحقق في دول عدة (20).
يتضح مما تقدم، أن تطبيق هذا الضابط على منازعات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى نتائج غير مرضية، لاسيما في ظل الصعوبات التي تواجهه عند تطبيقه على تلك المنازعات، الأمر الذي يقتضي بنا بالبحث عن قواعد أكثر ملاءمة لهذه التقنيات.
ثالثاً: قانون مكان تحقق الضرر
ذهب جانب من الفقه إلى تبني معيار قانون مكان تحقق الضرر كضابط اسناد عند تحديد القانون واجب التطبيق على منازعات المسؤولية التقصيرية، إذ إنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تنشأ من دون تحقق الضرر، إلا أنه يمكن أن تتحقق في حال غياب الخطأ، كذلك إن تطبيق هذه القاعدة ينسجم مع الهدف الأساسي لهذه المسؤولية، وهو ضمان حصول المضرور على تعويض عادل، فضلاً عما يتمتع به هذا الضابط من مرونة تسمح للقاضي بتحديد القانون واجب التطبيق بسهولة (21) .
ومن الدول التي أخذت بهذه القاعدة كمعياراً لتحديد القانون واجب التطبيق على المسؤولية التقصيرية، هي ألمانيا، إذ نجد تطبيق هذا الضابط من قبل القضاء عند فصله في نزاع متعلق بالمسؤولية عن أنشطة دعاية عبر شبكة الإنترنت، إذ قررت محكمة دوسلدروف أن المحاكم الألمانية هي صاحبة الاختصاص، فقد قامت بقياس هذه القضية على أساس اختصاصها في المنازعات التي تنشأ عن الدعاية في الصحف الأجنبية التي توزع أو تكتب في المانيا (22).
كذلك أخذت سويسرا بهذه القاعدة من خلال نص المادة (133) من القانون الدولي الخاص السويسري (PILA)، إذ يؤخذ بهذه القاعدة عندما لا يكون مرتكب الفعل الضار والمضرور مقيمين في الدولة نفسها ، وعندما يتعذر تطبيق قانون مكان وقوع الفعل الضار وتحصل هذه الحالة عندما يكون الضرر قد وقع بين طرفين مقيمين في دولتين مختلفتين، إذ لا تطبق قاعدة مكان تحقق الضرر إلا إذا كان مرتكب الفعل الضار يتوقع حدوث نتيجة فعله هناك (23) .
كذلك نصت اتفاقية لاهاي 1973 بشأن المسؤولية عن المنتجات على قاعدة مكان تحقق الضرر، إلا أنه من غير الواضح تماماً فيما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تشملها احكام هذه الاتفاقية أم لا، وعلى الرغم من ذلك فإن إدراجها في ضمن هذه الاتفاقية قد يتماشى وروح الاتفاقية لأن أحكامها تطبق على المسؤولية الناشئة عن جميع المنتجات التي تم تصنيعها أو تغييرها بأي شكل من الأشكال بفعل الانسان، وتنص المادة (5) من هذه الاتفاقية على أنه : (يطبق قانون دولة الإقامة المعتادة للشخص الذي لحق به ضرر مباشرة، شرط أن يتطابق هذا المكان مع المكان الرئيسي لـ أ- مكان عمل الشخص المدعى عليه بالمسؤولية، أو بالمكان الذي حصل فيه الشخص المتضرر مباشرة على المنتج)، كذلك تنص المادة (4) من الاتفاقية نفسها على أنه : (يطبق قانون مكان وقوع الضرر أ- إذا كانت تلك الدولة أيضاً مكان الإقامة المعتادة للشخص المتضرر مباشرة او، بالمقر الرئيسي لعمل الشخص المدعى عليه بالمسؤولية، أو ج-المكان الذي حصل فيه الشخص المتضرر على المنتج) (24) لا تثير غالبية هذه العوامل أثر عند تطبيقها على القضايا المتعلقة بأنظمة الذكاء الاصطناعي، إلا إنّه قد يواجه تطبيق هذه الاتفاقية بعض التحديات، وذلك متى ما كانت الأضرار التي تتسبب بها تلك الأنظمة افتراضية، إذ يصعب تحديد المكان الجغرافي للضرر الافتراضي (25). لذلك فعند تطبيق هذا الضابط في القضايا العابرة للحدود لأنظمة الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي ذلك إلى ظهور العديد من التحديات كون أنظمة الذكاء الاصطناعي غير مرتبطة بمكان معين، إذ إنها تعمل عبر خوارزميات موزعة في دول عدة ، مثال ذلك، كما لو تسبب نظام التحكم الآلي في المركبات ذاتية القيادة، باتخاذ قرار خاطئ في ألمانيا تسبب بحادث على الحدود الفرنسية، السؤال الذي يطرح بهذا الصدد، هل بالإمكان عد الضرر قد تحقق في المانيا ، كون الخطأ البرمجي تم في المانيا، أو في فرنسا، بوصفه المكان الذي تم فيه التصادم؟، هذا السؤال يبين التحدي الذي يواجه معيار مكان تحقق الضرر ، إذ إنّ الأضرار الناتجة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي يصعب ربطها بمكان جغرافي محدد (26) . إن التعقيد في تحديد موقع الضرر في مثل هذه المنازعات يرجع إلى العناصر المرتبطة بالواقعة ابتداء من موقع مزود الخدمة ومروراً بموقع الخوادم التي تخزن عليها البيانات، انتهاء بالولايات القضائية التي جرى وصول البيانات فيها، إذ إن هذه العناصر جميعها قد يكون لها صلة عند تحديد مكان تحقق الضرر (27) .
واستناداً لهذه التعقيدات التي قد تثار عند تحديد مكان تحقق الضرر، ينبغي البحث عن قاعدة أكثر ملاءمة لتحديد القانون واجب التطبيق على الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، في القضايا العابرة للحدود.
رابعاً: تطبيق قانون قاضي النزاع
ذهب جانب من الفقه إلى القول بإخضاع الالتزامات غير العقدية لقانون القاضي المقامة أمامه الدعوى، حتى وإن كان الفعل المنشأ للالتزام (الخطأ أو الضرر ) ، قد وقع في دولة أجنبية، غيردولة قاضي النزاع (28). وقد استند أصحاب هذا الاتجاه إلى مبررات عديدة منها تلافي الصعوبات الناشئة عن تطبيق قانون مكان وقوع الفعل الضار، وقانون مكان تحقق الضرر ، فضلاً عن أن قواعد المسؤولية التقصيرية تعد من النظام العام، إذ إنّها تُعدّ من قواعد البوليس والأمن الوطني في دولة القاضي، فالأفعال التي يرتكبها الغير والتي تنطوي على ضرر تُعدّ نوعاً من السلوك الإجرامي، وهذا كله يتفق مع الأخذ بهذا الضابط. (29)
إلا إنّه على الرغم من هذه المبررات، فهناك انتقادات تعترض تطبيق قانون قاضي النزاع على الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي للغير، إذ رفض البعض العمل بقانون قاضيالنزاع في منازعات المسؤولية التقصيرية، إلا إنه لا يعني تجاهل هذا الضابط تماماً، إذ يمكن الأخذ به من خلال التطبيق الجامع لقانون مكان وقوع الفعل الضار وقانون القاضي، وذلك متى ما استلزمت مقتضيات حماية المضرور ذلك، وبما لا يتعارض مع النظام العام (30) .
مما تقدم، بعد عرض ضوابط الإسناد التقليدية لتحديد القانون واجب التطبيق على المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، يتضح لنا على الرغم من أهمية هذه الضوابط إلا أن تطبيقها على منازعات الذكاء الاصطناعي يكون محدود ،الفاعلية، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج غير عادلة، وذلك بسبب الطبيعة العابرة للحدود لتلك الأنظمة إضافة إلى عدم ارتباطها بموقع جغرافي محدد، لذلك ينبغي تطوير قواعد الإسناد التقليدية الخاصة بالمسؤولية التقصيرية لجعلها تتلاءم مع طبيعة البيئة الرقمية لتلك الأنظمة.
لذلك ينبغي الانتقال إلى دراسة الإطار الأوروبي الخاص بالمسؤولية غير العقدية (لائحة روما الثانية)، من أجل مواجهة صعوبات هذه الأنظمة العابرة للحدود، ومعالجة الفراغ القانوني، لتحقيق العدالة والتوازن بين حماية المتضررين وتشجيع الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي (31).

____________
1- هشام بولسينة القانون واجب التطبيق عند تعدد عناصر الحدث، المجلة الاكاديمية للبحوث القانونية والسياسية، المجلد 1، العدد 4 2018، ص 252.
2- د. جابر إبراهيم الراوي، احكام تنازع القوانين في القانون العراقي بدون رقم الطبعة، نسخة خاصة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 1980، ص 124.
3- القانون المدني العراقي، رقم 40، لسنة 1951 المعدل.
4- القانون المدني المصري، رقم 131، لسنة 1948.
5- واعتمدت غالبية الدول هذا الضابط بشأن تحديد القانون الواجب التطبيق على المسؤولية غير العقدية، إذ نصت كل من الأردن والكويت وليبيا والجزائر والمغرب والإمارات العربية، في قوانينها على هذا الضابط عند تنازع القوانين بشأن الالتزامات غير التعاقدية.
ينظر : د. إبراهيم احمد محمد الرواشدة التعويض في المسؤولية التقصيرية وخضوعه لقانون الدولة التي حدث فيها الفعل المنشأ للالتزام، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون بدون مجلد، العدد 23، 2021، ص 246.
6- Kirsten Henckel, Issues of Conflicting Laws - A Closer Look at the EU's Approach to Artificial Intelligence, Netherlands International Private Law Review (NIPR), 2023, no. 2, p.220.
7- Michiel Poesen, Regulating Artificial Intelligence (AI) in the European Union (EU): Exploring the Role of Private International Law, in Recht in beweging - 29ste VRG- Alumnidag 2022, ed. Gompel & Savinac (Brussels: VRG Alumni), 2022, p.2.
8- د. أميد صباح عثمان، القانون الواجب التطبيق في الالتزامات غير التعاقدية (دراسة تحليلية مقارنة)، [بدون رقم الطبعة، مصر : دار الكتب القانونية ودار شتات للنشر، 2011، ص 113-114.
9- Bundesgesetz über das Internationale Privatrecht [Federal Act on Private International Law, PILA], SR 291, art. 132: "Die Parteien können jederzeit nach Eintritt des Schadens vereinbaren, dass das Recht des Forums Anwendung findet."
10- أ.م.د. رغد عبد الأمير مضلوم القانون الواجب التطبيق على المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مجلة المعهد بدون مجلد، العدد 16، 2024، ص 149-150.
11- Mark Addey, Conflict of Laws: Choice of Law Theories in Tort (SSRN Scholarly Paper No. 4574112), 2023, p.p.8-9.
12- د. عبد الرسول عبد الرضا الأسدي، القانون الدولي الخاص بدون رقم الطبعة بيروت: دار السنهوري، 2021 ص 350.
13- Mark Addey, Op. Cit., p.9.
14- Ibid.
15- تحدد اتفاقية لاهاي القانون واجب التطبيق على المسؤولية غير العقدية الناجمة عن حوادث المرور، ولا تطبق هذه الاتفاقية على مصنعي المركبات، كما يطبق قانون الدولة التي جرى فيها تسجيل المركبة إذا وقع حادث تشارك فيه مركبة واحدة فقط، وتضم هذه الاتفاقية ثلاث عشرة دولة عضواً فيها منها، النمسا، بلجيكا، كرواتيا، جمهورية التشيك، فرنسا، لاتيفا ليتوانيا لوكسمبورغ، هولندا، بولندا، سلوفاكيا إسبانيا، إضافة إلى ذلك تطبق هذه الاتفاقية على الدول التي خلفت جمهورية يوغسلافيا الاتحادية الاشتراكية السابقة، وكذلك سويسرا ، المغرب، بيلاروسيا، وأوكرانيا .
-See: Kirsten Henckel, Op. Cit., p.255.
16- Cemil Güner, Applicable Law to the Non-Contractual Liability Arising from the Damage Caused by Artificial Intelligence, Uyuşmazlık Mahkemesi Dergisi 8, no. 15, 2020, p.250.
17- Ibid., p.p. 251-252.
18- عبد الحميد محمود حسن السامرائي، تنازع القوانين في المسؤولية التقصيرية أطروحة دكتوراه، كلية القانون جامعة بغداد، 1990، ص 158. . وسامي بديع منصور الوسيط في القانون الدولي الخاص، الطبعة الأولى، بيروت دار العلوم العربية 1994، ص 449.
19- أ.د. جمال بن عصمان تحديد القانون الواجب التطبيق على المسؤولية التقصيرية الناتجة عن التصادم البحري في القانون الجزائري والمقارن مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، المجلد 9، العدد 33 2021، ص ص 576 -577
20- د. أحمد عمر يوسف، القانون واجب التطبيق على الحوسبة السحابية مجلة القانون والتكنلوجيا، المجلد 3، العدد 2، 2023، ص 348.
21- مصطفى عطية إبراهيم التميمي، القانون واجب التطبيق على منازعات عنوان الموقع الالكتروني، مجلة الحقوق، (بدون مجلد) العدد 49، 2025، ص 816.
22- د. إبراهيم احمد محمد الرواشدة التعويض في المسؤولية التقصيرية وخضوعه لقانون الدولة التي حدث فيها الفعل المنشأ للالتزام، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون بدون مجلد، العدد 23، 2021، ص 251.
23- Bundesgesetz über das Internationale Privatrecht (IPRG), Art. 133, Obligationenrecht, Eidgenassische Gesetzessammlung, 18. Dezember 1987, revidiert 2023 : ,,1. Wenn der Schädiger und der Geschädigte nicht in demselben Staat ihren gewöhnlichen Aufenthalt haben, gilt das Recht des Staates, in dem die schädigende Handlung begangen wurde. 2. Hat sich der Schaden in einem anderen Staat verwirklicht, so findet das Recht dieses Staates Anwendung, wenn der Schädiger vorhersehen konnte, dass der Schaden dort eintreten würde.
3. Haben Schädiger und Geschädigter zum Zeitpunkt der schädigenden Handlung ihren gewöhnlichen Aufenthalt im selben Staat, so findet das Recht dieses Staates Anwendung.
4. Ansprüche nach ausländischem Recht dürfen nicht geltend gemacht werden, soweit sie über die notwendige Entschädigung hinausgehen oder gegen völkerrechtlich verbindliche Verträge der Schweiz verstoßen.".
24- Hague Conference on Private International Law, "Convention on the Law Applicable to Products Liability," , concluded October 2, 1973, entered into force October 1, 1977, Art.4-5:
Article 4. The applicable law shall be the internal law of the State of the place of injury, if that State is also -
a) the place of the habitual residence of the person directly suffering damage,
b) the principal place of business of the person claimed to be liable,
c) the place where the product was acquired by the person directly suffering damage Article 5.Notwithstanding the provisions of Article 4, the applicable law shall be the internal law of the State of the habitual residence of the person directly suffering damage, if that State is also
a) the principal place of business of the person claimed to be liable,
b) the place where the product was acquired by the person directly suffering damage. Available at: https://www.hcch.net/en/instruments/conventions/full-text/?cid=91.
25- Kirsten Henckel, Op. Cit., p.225.
26- هدى عبد الزهرة باش الاعرجي القانون واجب التطبيق في نزاعات المسؤولية التقصيرية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، رسالة ماجستير، كلية القانون - جامعة القادسية، 2025، ص 130.
27- د. أحمد عمر يوسف، القانون واجب التطبيق على الحوسبة السحابية مجلة القانون والتكنلوجيا، المجلد 3، العدد 2، 2023 ، ص 350
28- د. أحمد أبو المجد محمد السيد عفيفي، القانون الواجب التطبيق على على البيانات الشخصية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد 11 ، العدد 1، 2025، ص 1289.
29- المصدر نفسه، ص 1289
30- د. أحمد أبو المجد محمد السيد عفيفي، القانون الواجب التطبيق على على البيانات الشخصية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد 11 ، العدد 1، 2025 ، ص 1290.
31- Michiel Poesen, Op. Cit., p.13. (3)Daria Lunca, Towards a Coherent EU Civil Liability Regime for AI-Caused Harm, European Journal of Law and Public Administration, vol. 12, no. 1, 2025, p.34

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد