0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

أساس المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي

المؤلف:  مريم باسم قاسم حميد

المصدر:  القانون واجب التطبيق والمحكمة المختصة في منازعات الذكاء الاصطناعي

الجزء والصفحة:  ص 92-103

2026-10-10

36

+

-

20

تعرف المسؤولية التقصيرية بأنها الإخلال بالتزام قانوني واحد لا يتغير وهو الالتزام بعدم الأضرار بالغير (1)، وتتحقق هذه المسؤولية بتوافر أركانها الثلاثة وهي الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية بينهما، وتعد هذه أركان المسؤولية عن الفعل الضار ويمكن تطبيقها على الشخص المسؤول عن أنظمة الذكاء الاصطناعي. (2)
ازدادت أهمية الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة في الوقت الحالي، الأمر الذي انعكس على تزايد الأبحاث القانونية لمعرفة آثاره ، لذلك يُعدّ موضوع المسؤولية التقصيرية من المواضيع التي تعنى بالبحث، كون أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى إحداث أضرار مادية ومعنوية، مثال ذلك، ما حدث في ولاية أريزونا من وفاة امرأة نتيجة لاصطدامها بمركبة ذاتية القيادة تابعة لشركة اوبر (3) .
أما الضرر المعنوي فقد يحدث كما لو استخدم الذكاء الاصطناعي للمساس بخصوصية الفرد كنشر صورة له أو إفشاء بياناته الشخصية من دون إذنه، الأمر الذي يترتب عليه إلحاق ضرر معنوياً بالفرد، فمن هنا تبرز الحاجة لدراسة أساس المسؤولية التقصيرية المترتبة على استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، لضمان الاستخدام الأمثل لهذه التقنيات (4) .
وكما تحدثنا مسبقاً، فإنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تتمتع بالشخصية القانونية، ومن ثم لا يمكن عدها مسؤولة عن تعويض المتضررين عن الأضرار التي تسببت بها، كونها تفتقر إلى الأهلية اللازمة لاكتساب الحقوق، وعدم امتلاكها لذمة مالية مستقلة يمكن التنفيذ عليها، فهي لا تعد شخصاً قانونياً خاضعاً لولاية القضاء، فلا يمكن إصدار حكم عليها من أجل التعويض عن الأضرار التي تسببت بها، بناءاً على ذلك، فإنّ تعويض المضرور في قواعد المسؤولية التقصيرية سيرتكز على مساءلة شخص طبيعي أو اعتباري مرتبط بهذه الأنظمة ، كما إنّ هذه المسؤولية تستند إلى توافر ركن الخطأ، على كونه أحد أركان المسؤولية التقصيرية، وعلى الرغم مما تتمتع به هذه الأنظمة من تقنيات حديثة معقدة، إلا أن الأساس التقليدي للمسؤولية لا يزال يعتمد على ربط الضرر بخطأ منسوب لشخص أو جهة لها صلة بالنظام. (5)
تتضمن ، أنظمة الذكاء الاصطناعي عدداً من الجهات الفاعلة، فقد يؤدي هذا التعدد إلى تعقيد مهمة الخبير القانوني، لتعيين الشخص المسؤول عن الضرر الذي يلحق بالضحايا، نتيجة استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي (6) . لذلك فإنّ التعويض عن الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، يُعدّ من المسائل القانونية المعقدة، إذ غالباً ما تشمل ثلاثة أطراف تقع على عاتقهم المسؤولية، وهم :
1) المطور و المصنع : يتحمل المطور أو المصنع ( أي الشركة التي تعمل على تصميم أو تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المسؤولية عن وجود أي عيب أو خلل في النظام يؤدي إلى الحاق ضرر بالغير، وعادة ما تقع مسؤولية المطور أو المصنع في إطار (مسؤولية المنتج)، ومن ثمّ يمكن محاسبة المطورين عن العيوب الموجودة في كود النظام أو في التصميم، والتي تؤدي إلى حدوث ضرر للغير.
2) المستخدم أو المشغل : يتحمل الفرد أو المؤسسة، التي تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لغرض معين مسؤولية التعويض، لاسيما في الحالات التي يتم فيها استخدام تلك الأنظمة بشكل غير مناسب أو غير صحيح، فقد يؤدي هذا الاستخدام إلى وقوع أضرار تلحق بالغير، بالتالي يتحمل هذه الأضرار من اساء استخدام تلك الأنظمة (7) .
3) المالك أو مدير نظام الذكاء الاصطناعي: إذا قامت جهة أو شركة بتشغيل نظام الذكاء الاصطناعي، فقد تتحمل تلك الجهة أو الشركة مسؤولية التعويض عن الأضرار التي تتسبب بها تلك الأنظمة، كما يجب على المالك أو المدير الالتزام بضمان الأداء السليم لهذا النظام. مما تقدم، تعتمد مسؤولية هذه الأطراف في التعويض، اعتماداً على طبيعة الضرر وطريقة استخدام نظام الذكاء الاصطناعي إلى الآن لا يوجد تنظيم قانوني دولي بشأن هذه المسؤولية (8).
لذلك فإن أساس المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء، يمكن تقسيمها إلى قواعد المسؤولية التقصيرية التقليدية وقواعد المسؤولية التقصيرية الحديثة عليه سنقتصر على البحث في قواعد المسؤولية التقصيرية التقليدية على أساسين هما أساس مسؤولية حارس الشيء، وأساس مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، وعلى النحو الآتي:
اولاً: تكييف المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي على أساس مسؤولية حارس الأشياء :
وفقاً لهذا التكييف، يمكن عد المسؤولية التقصيرية للذكاء الاصطناعي تقوم على أساس المسؤولية عن فعل الشيء (9)، إذ إنه بالإمكان عد أنظمة الذكاء الاصطناعي أشياء، تقع تحت تصرف شخص قد يكون هذا الشخص المبرمج أو المصنع أو المستخدم، يمكن عد هذا الشخص الذي تقع تحت تصرفه هذه الأشياء، حارساً للشيء (10) . يشترط لقيام هذه المسؤولية وجود شيء الحق ضرراً بالغير، مع وجود حارس لهذا الشيء سواء كان مالكه أم غير مالكه أي الشخص الذي له سلطة في رقابته واستعماله وتسييره (11). وفقاً لذلك، يمكن عد الذكاء الاصطناعي وحدة وظيفية تدار وتستخدم وتراقب، الأمر الذي يجعل المسؤولية عن أضراره تقع على عاتق الجهة أو الشخص الذي يتحكم به أو يشغله، وهذا الشخص أو الجهة تُعدّ حارساً"، إلا أن السؤال الذي يطرح من هو حارس الذكاء الاصطناعي؟، توجد احتمالات عدة للإجابة عن هذا السؤال إلا أنّه يمكن اختصارها بأن كل شخص قد يتحمل المسؤولية بحسب دوره في استخدام أو تشغيل أو تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، فقد يكون الحارس هو المبرمج أو المطور أو المستخدم (12) .
إلا أن هنالك بعض الصعوبات التي تحيط بتلك التقنية، يجعل من الصعب تأسيس المسؤولية عن الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، على أساس مسؤولية حارس الشيء، وفقاً لما يأتي سنبين أهم هذه الصعوبات:
1) إذ يرى جانب من الفقه أنّ خاصية التعلم الذاتي لتقنية الذكاء الاصطناعي وعدم القدرة على التحكم فيها من الأشخاص سواء من حيث الإيقاف أو التشغيل، يجعل الإنسان لا يعلم ماذا يحصل داخل النظام الذكي، ومن ثم لا يمكنه التنبؤ بالأفعال الضارة لهذه التقنية(13).
2) إن هذا الأساس يشترط انطباق وصف الشيء على أنظمة الذكاء الاصطناعي، فالشيء كل ماهو مادي وغير حي فيما عدا البناء، سواء أكان هذا الشيء ميكانيكياً أم غير ميكانيكي، لكن أن قرار البرلمان الأوروبي عام 2017 ، رفض اعتبار الروبوت شيئاً(14).
3) إن من شروط هذه المسؤولية، أن يصدر فعل إيجابي من الشيء أو الآلة حتى تنشأ العلاقة السببية، أي يجب أن يكون هناك مصدر للضرر، إلا أنه في بعض الحالات يكون الفعل الصادر من الذكاء الاصطناعي غير مادي، مثال ذلك عند إبرام عقد ذكي بفعل خوارزمية، في هذه الحالة لا ينشأ اتصال مادي بين فعل تقنية الذكاء الاصطناعي والفعل الصادر عنها (15).
ثانياً: تكييف المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي على أساس مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه :
إن الاستخدام المتزايد لأنظمة الذكاء الاصطناعي، ولاسيما الروبوتات المستخدمة في المراكز الطبية والمستشفيات، أدى إلى وجود بعض الإشكاليات المتعلقة بتحديد الشخص المسؤول عن الأضرار التي قد تتسبب بها تلك الأنظمة، يشترط لقيام مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه توفر ثلاثة شروط (16)، أولاً : قيام علاقة تبعية، وثانياً صدور خطأ من التابع، وثالثاً: صدور الفعل الضار من التابع حال تأدية الوظيفة أو بسببها، فلو صدر خطأ من تلك الأنظمة، من سيكون المسؤول عن تعويض المتضرر من هذا الخطأ؟ (17)
في سياق الروبوتات الطبية تستخدم العديد من المستشفيات في إجراء العمليات روبوتات طبية، وخاصة في الدول المتقدمة، في حال تسبب الروبوت بخطأ أدى إلى الحاق ضرر بالمريض، من حيث المبدأ يتحمل الطبيب المسؤولية عن التعويض، كونه من ادخل البرنامج إلى الروبوت، هذا في حال كون الروبوت تابعاً للطبيب، أما في الحالات التي يكون بها الروبوت مستقلاً لا يتبع احداً، بسبب خاصية الاستقلال التي يتمتع بها، فمن يتحمل المسؤولية في هذه الحالة؟ (18) للإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول إنّ التابع إما يكون شخصاً طبيعياً أو شخصاً اعتبارياً، وكما تحدثنا سابقاً فأن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تتمتع بالشخصية القانونية (19) . فحتى وإن أرادت المستشفى التأمين عليه، فلن تقبل شركات التأمين ذلك، بسبب انعدام الأهلية القانونية، التي تُعد إحدى أركان عقد التأمين، فيعد عقد التأمين باطلاً إذا اختل أحد أركانه (20) .من خلال ما تقدم يتبين أن هناك جملة من الصعوبات التي تجعل من الصعب تطبيق قواعد مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه على الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وسنبين هذه الصعوبات على النحو الآتي:
1) إن عد أنظمة الذكاء الاصطناعي في مركز التابع، يُعد من المسائل المعقدة، وذلك لعدم تمتعه بالشخصية القانونية، الأمر الذي يفضي إلى عدم تمتعها بذمة مالية مستقلة، ليتم الرجوع عليها واستيفاء التعويض منها (21) .
2) إن خاصية الاستقلال الوظيفي التي تتمتع بها تلك الأنظمة، تجعلها غير خاضعة لإشراف وتوجيه من الإنسان، الأمر الذي يهدر فكرة التبعية ومن ثم يجعل هذه المسؤولية بمفهومها التقليدي المادي لا تتناسب مع أنظمة الذكاء الاصطناعي (22).
3) وجود فوارق بين المتبوع والمتمثل بالعامل البشري أو الشخص الطبيعي، وبين التابع المتمثل بأنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بالاعتراف القانوني، إذ إنّ تلك الأنظمة لا يمكن مساءلتها من دون الرجوع على صاحبها. (23)
مما تقدم، نجد أنّه من الصعب تكييف المسؤولية التقصيرية عن أنظمة الذكاء الاصطناعي في إطار القواعد التقليدية، بسبب ما تتمتع به تلك الأنظمة من القدرة على التفاعل واتخاذ القرارات باستقلالية، الأمر الذي يقتضي البحث عن تكييف هذه المسؤولية في ظل القواعد الحديثة، إذ سنبين مدى ملاءمة قواعد مسؤولية المنتج على الأضرار التي تسببها أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومن ثم مدى ملاءمة قواعد المسؤولية الموضوعية عن الأضرار التي تتسبب بها تلك الأنظمة، وعلى النحو الآتي:
أولاً: تكييف المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي على أساس مسؤولية المنتج
إن نظام مسؤولية المنتج يُعدّ من الأنظمة الحديثة نسبياً (24) ، يشترط لقيام هذه المسؤولية أن نكون بصدد منتج، وأن يكون المنتج معيباً"، ويكون المنتج معيباً عندما لا يوفر الأمان الذي يحق للشخص أن يتوقعه، مع مراعاة جميع الظروف المحيطة (25) .
كذلك يشترط اثبات العلاقة السببية بين الضرر والعيب وإن لم يكن العيب ناتجاً عن خطأ لأن المسؤولية عن المنتجات لن تتطلب وجود خطأ، فعند تسبب أنظمة الذكاء الاصطناعي بضرر للغير، يشترط لتحقق هذه المسؤولية وجود علاقة سببية بين العيب في تلك الأنظمة والضرر (26) .
فقد نصت المادة (4) من التوجيه الأوربي 85/347/EEC على أنه : يلتزم المضرور بأثبات الضرر والعيب والعلاقة السببية بينهما" (27) .
وفي السياق نفسه نص القانون المدني الفرنسي في المادة 1245-8 على أنه : "يجب على المدعي إثبات الضرر، والعيب، والعلاقة السببية بين العيب والضرر" (28) .
مثال على ذلك، لو تسبب روبوت طبي مدعوم بالذكاء الاصطناعي بألحاق ضرر للغير، وفقاً لنظام المسؤولية عن المنتجات المعيبة، فمن يكون الشخص المسؤول عن التعويض، استناداً لاحكام هذه المسؤولية، قد يكون الطبيب أو الشخص المقدم للرعاية الصحية هو المسؤول كونه المستخدم للمنتج، كما يمكن أن يكون المصمم أو المنتج للروبوت الطبي هو الشخص المسؤول (29) .
إن تكييف المسؤولية عن أضرار الذكاء الاصطناعي على أساس المسؤولية عن المنتجات المعيبة، يؤدي إلى وجود جملة من الصعوبات، سنبينها على النحو الآتي:
1) إذا كان بالإمكان تطبيق أحكام هذه المسؤولية عن الأضرار التي يتسبب بها الروبوت غير المستقل، بسبب وجود عيوب في تصنيعه، فإنها تصبح غير ممكنة التطبيق على الروبوتات الذكية، خاصة وان كان الضرر الذي تسبب به لا يرجع إلى حدوث إشكالية في تصنيعه، فضلاً عن عدم إمكانية وصف الروبوتات الذكية "بالمنتج" (30) .
2) عندما تتعطل الأصول الرقمية مثل NFTS، أو الخدمات الافتراضية وتسبب ضرراً، فإن القواعد الحالية لمسؤولية المنتج لا توفر سوى القليل من التوجيه خاصة عندما يكون الشخص المسؤول غير مسؤول أو غير محدد قانوناً (31) .
3) صعوبة اكتشاف العيوب في أنظمة الذكاء الاصطناعي (32) ، بسبب الطبيعة المتطورة لتلك الأنظمة، التي قد تكون مدعاة للمنتجين للتخلص من هذه المسؤولية، وتزداد فرصة الإفلات من تعويض المتضررين إذا قام المنتجون بأعداد دليل استخدام مفصل، الأمر الذي يدفعهم إلى التمسك بالإعفاء من هذه المسؤولية متخذين من الإعلام المسبق ذريعة لهذا الإعفاء (33) .
ثانياً: تكييف المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي على أساس المسؤولية الموضوعية
أمام عجز النظريات السابقة عن جبر الأضرار التي تلحقها أنظمة الذكاء الاصطناعي بالغير، برزت الحاجة للبحث عن نظام أكثر عدالة للمسؤولية المدنية، فقد اتجه فقهاء القانون إلى تبني المسؤولية الموضوعية المبنية على الضرر من دون "خطأ"، وقد سميت هذه المسؤولية بتسميات منها مسؤولية تحمل التبعة والمسؤولية المطلقة، والمسؤولية الصارمة (34) .
وتعرف المسؤولية الموضوعية : "بأنّها المسؤولية التي تقوم على إلزام الشخص المسؤول بالتعويض بمجرد قيامه بنشاط خطر، ومن دون الحاجة إلى اثبات الخطأ، فيكفي لتحققها اثبات العلاقة السببية بين الضرر والنشاط الخطر" (35) .
إن الأضرار التي تقوم عليها المسؤولية الموضوعية يشترط أن تكون ناشئة عن أنشطة تتصف بالخطورة نشأت هذه المسؤولية بسبب زيادة المخاطر وتنوعها بعد انتشار الآلة وظهور محطات الطاقة الذرية وغيرها من الأنشطة التي تنطوي على مستوى عال من الخطورة، أما من حيث تنظيمها قانوناً ، فتعد فرنسا وألمانيا أول من نظم أحكامها في قوانينهما، أما النظم الانجلوسكسونية كالولايات المتحدة وانكلترا، فتكون أحكام هذه المسؤولية من تنظيم القضاء، أما من حيث الأساس الذي تقوم عليه هذه المسؤولية، فنجد أن فقهاء القانون وإن اتفقوا على مضمونها، إلا أنهم اختلفوا في الأساس الذي تقوم عليه، فمنهم من ذهب إلى إقامتها على أساس قاعدة الخطر المستحدث، ومنهم من أقامها على قاعدة الغنم بالغرم، ومنهم من أستند إلى قواعد العدالة (36) .
نظراً لما تقدم، تُعدّ المسؤولية الموضوعية الحل الأمثل بوصفها أساساً للمسؤولية عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، على الرغم من رأي الفقه الأمريكي بانعدام سوابق قضائية فيما يتعلق بالمسؤولية من دون خطأ، إلا أن الاخذ بها يشجع مزودي الخدمات على اتخاذ إجراءات وقائية للحد من وقوع المخاطر أو تجنب حدوثها (37) .
مما سبق، يتبين لنا صعوبة خضوع الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي لقواعد مسؤولية حارس الأشياء، وكذلك مسؤولية المتبوع عن اعمال ،تابعه، وحتى المسؤولية عن المنتجات المعيبة، إلا أن المسؤولية الموضوعية تُعدّ الحل الأمثل، عندما يصعب على المضرور اثبات الخطأ أو إثبات العيب، خاصة وان أنظمة الذكاء الاصطناعي تتمتع بمستوى عال من الحداثة والتعقيد، فإن اعتمادها بوصفها أساساً للتعويض عن الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي ينطوي على جملة من المبررات (38)، ومن هذه المبررات:
1) يُعد الأساس الأمثل في توفير الحماية القانونية الكافية للمتضررين، بحيث لم يتمكن الشخص المسؤول عن التعويض بدفع المسؤولية محتجاً بالتزامه بالتعليمات والانظمة والقوانين أو التزامه بالتراخيص والموافقات والإجراءات الأصولية (39) .
2) إنها تغطي الضرر الصادر من كيان معين، بغض النظر عن طبيعته سواء كان مصدره إنساناً أو حيواناً أو شيئاً ما، لذلك فإنّ النظرية الموضوعية تكفل التعويض عن الضرر الناتج عن أنظمة الذكاء الاصطناعي (40) .
3) أقر البرلمان الأوروبي بإمكانية العمل بقواعد المسؤولية الموضوعية في مجالات الأضرار الناتجة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، فقد جاء في حيثيات القرار رقم (INL2014/2020) الصادر عن البرلمان الأوروبي في 20 أغسطس سنة 2020 ، بشأن التوصيات الموجهة إلى اللجنة الخاصة بنظام المسؤولية المدنية للذكاء الاصطناعي : أن النظام القانوني لأي دولة عضو يمكن تعديله، بحيث يتضمن قواعد مسؤولية يخضع لها بعض الفاعلين أو تشديدها بالنسبة لأنشطة معينة، بحيث يمكن تحميل شخص ما المسؤولية حتى في حال عدم صدور خطأ من جانبه، إذ إن العديد من قوانين المسؤولية التقصيرية تخضع المدعى عليه لقواعد المسؤولية الموضوعية، إذا تسبب في خطر للجمهور، مثل المركبات والأنشطة الخطرة، أو في حال وجود خطر لا يمكن التحكم فيه، مثل الحيوانات ، وأدى إلى وقوع ضرر (41) .
أما ما يخص نظرية النائب الإنساني، والتي تعد اتجاهاً حديثاً للمسؤولية المدنية عن الأضرار التي تلحقها الروبوتات بالغير، ابتكر المشرع الأوربي بموجب القانون المدني للروبوتات لعام 2017 تلك النظرية، وقد جاءت هذه النظرية نظراً للتقدم التكنلوجي للروبوتات وما تتمتع به من استقلالية، بموجب هذه النظرية يعتبر الإنسان نائباً نتيجة لنقل المسؤولية من الذكاء الاصطناعي إلى الانسان، فيسأل الانسان عند وجود خطأ في الإدارة يؤدي إلى انحراف الروبوت عن الأعمال التي يقوم بها في أثناء التشغيل، أما إذا كان الروبوت في حالة سكون فإنه يخضع لمسؤولية الأشياء، إن المشرع الأوربي جعل المسؤولية عن النائب الإنساني قائمة على أساس الخطأ الثابت، كما ينبغي الإشارة إلى كون هذه النيابة مجرد افتراض قانوني، لا يوجد أساس تأصيلي لها بالقواعد العامة، وقد ايد جانب من الفقه القانوني هذه النظرية (42).
نرى وبعد عرض تكييف المسؤولية التقليدية على الأسس القديمة والحديثة، بأن نظام المسؤولية الموضوعية هو الأكثر ملاءمة لطبيعة أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكونه يحقق توازناً بين حماية المضرور وتشجيع الابتكار.
بعد تحديد الأساس القانوني لتلك المسؤولية، تظهر بعض التحديات المرتبطة بالأضرار الناجمة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهي المسؤولية العابرة للحدود، كون هذه الأنظمة تستخدم ويجري تطويرها في دول مختلفة، إن اختلاف القوانين بين تلك الدول، يجعل تحديد القانون واجب التطبيق على تلك المنازعات من المسائل المعقدة، ويبرز هذا التعقيد على وجه الخصوص عندما يكون الضرر في دولة ما، بينما تصميم وتطوير النظام أو تشغيله يقع في دولة أخرى، مثال ذلك، إذا تم تصميم نظام ذكاء اصطناعي خاص للمركبات ذاتية القيادة في احدى الدول، وتم تشغيله في دولة أخرى، وتسبب في حادث في دولة ثالثة، الأمر الذي يؤدي إلى طرح أسئلة عن القانون واجب التطبيق على الضرر الناتج عن الحادث ... (43).
______________
1- عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الالتزام بوجه عام -مصادر الالتزام (العقد، العمل غير مشروع )، الإثراء بلا سبب القانون بدون رقم الطبعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ نشر، ص 748
2- د. ماجد محمد ماجد الدخيل، المسؤولية المدنية عن أخطاء تقنيات الذكاء الاصطناعي، مجلة كلية الشريعة والقانون العدد 28، الجزء الثالث 2024، ص 405-406.
3- Jan De Bruyne and Wannes Ooms, Tort Liability and Artificial Intelligence: Some Challenges and (Regulatory) Responses, in Artificial Intelligence and the Law, ed. Matt Hervey and Matthew Lavy (Cambridge: Cambridge University Press), 2023, p. 158.
4- Murtada Abdalla Kheiri, Nizar Qashta, and Dorgham Issa Aljaradat, "Legal Protection of Digital Data in the Age of Artificial Intelligence," Letters in High Energy Physics. 2024, p.474.
5- British Columbia Law Institute, Report on Artificial Intelligence and Civil Liability, prepared by the Members of the Artificial Intelligence and Civil Liability Project Committee, BCLI Report no. 96, 2024, p.25.
6- Nour El Kaakour, Op. Cit., p.37.
7- Dr. Fikret Erkan, Op. Cit., p.310.
8- Ibid., p.311.
9- وورد النص على مسؤولية حارس الأشياء القانون المدني العراقي وذلك من خلال نص المادة 231، فقد جاء فيها: كل من كان تحت تصرفه الآت ميكانيكية، أو أشياء أخرى تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضررها يكون مسؤولاً عما تحدثه من ضرر مالم يثبت انه اتخذ الحيطة الكافية لمنع وقوع هذا الضرر ، هذا مع عدم الإخلال بما يرد في ذلك من احكام خاصة.
10- د. العرفي بن الفقيه بن عبدالله حدود المسؤولية التقصيرية عن أفعال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مجلة العلوم القانونية المجلد 12 ، العدد ،2، 2024، ص 235.
11- د. هدى سعدون لفته، خصوصية المسؤولية المدنية الناتجة عن أضرار تقنيات النظم الذكية، مجلة الشرق الأوسط للدراسات القانونية والفقهية المجلد 4 العدد 1، 2024، ص 218
12- بساس محمد وسويقي حوريه، نظام المسؤولية المدنية عن أضرار الذكاء الاصطناعي في القانون الجزائري، مجلة الفكر القانوني والسياسي، المجلد 9 العدد 1، 2025، ص 33.
13- فيلالي حمرة وبن ناصر وهيبة عرض حال المسؤولية التقصيرية على أساس الخطأ وفي فعل الأشياء للذكاء الاصطناعي في القانون الجزائي، مجلة القانون العام الجزائري والمقارن بدون مجلد عدد خاص، 2025، ص 135 .
14- أ.د. محمود إبراهيم فياض وإبراهيم خالد يحيى إشكاليات تنظيم المسؤولية التقصيرية للروبوت التكيفي دراسة تحليلية، مجلة العلوم القانونية، المجلد 39، العدد 1، 2024، ص 6.
15- حمدادو لمياء، الذكاء الاصطناعي نموذج عن التحديات المعاصرة للمسؤولية التقصيرية)، المجلة الجزائرية للقانون والعدالة، المجلد 10 ، العدد 1، 2024، ص 141.
16- وقد ورد تنظيم مسؤولية المتبوع عن اعمال تابعه في القانون المدني العراقي، فقد نصت المادة 219/1 على أن: " 1 - الحكومة والبلديات والمؤسسات الأخرى التي تقوم بخدمة عامة وكل شخص يستغل أحد المؤسسات الصناعية او التجارية، مسؤولون عن الضرر الذي يحدثه مستخدموهم اذاكان الضرر ناشئا عن تعد وقع منهم اثناء قيامهم بخدماتهم" .
17- سارة محمد داغر، المسؤولية المدنية عن أضرار الروبوت (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير، كلية القانون-جامعة میسان، 2023، ص 38.
18- ا.م.د. کاظم خضير عباس، المسؤولية عن الأضرار التي يحدثها الانسان الآلي مجلة المعهد، [بدون مجلد]، العدد ، 2024، ص 224.
19- د. هدى سعدون لفتة المصدر السابق، ص 216
20- م.د. اظم خضير عباس، المسؤولية عن الأضرار التي يحدثها الانسان الآلي مجلة المعهد، [بدون مجلد]، العدد ، 2024، ص 225.
21- شداز امال عبير المسؤولية المدنية عن الأضرار الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية - جامعة غرداية، 2024، ص 30.
22- رانية نادر غايب القاضي، المسؤولية المدنية عن أضرار الروبوتات ذات الذكاء الاصطناعي (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير، كلية الحقوق - جامعة الشرق الأوسط، 2023، ص 67.
23- فرياد شكر حسين النظام القانوني للمسؤولية عن حوادث المركبات الذكية مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 13 ، العدد 50، 2024، ص 419.
24- إذ لم يوجد سابقاً تنظيم قانوني للأضرار التي تنشأ بسبب وجود منتج معيب، فقد نظم أحكامها التوجيه الأوروبي الصادر في 25 يوليو عام ،1985، ثم تبعه المشرع الفرنسي، إذ أدخل نظام المسؤولية عن المنتجات المعيبة في النظام الداخلي عند صدور قانون 19 مايو عام 1998 ، فقد نظمت المواد من 1245-21 إلى 1245-18 من القانون المدني الفرنسي إحكام هذه المسؤولية.
- See: Charlotte Troi, Le droit à l'épreuve de l'intelligence artificielle (Mémoire de master, Université de La Réunion, Master Droit du patrimoine), 2017, p.45.
25-Jan De Bryne and Wannes Ooms, Op. Cit., p.168.
26- مصعب ثائر عبد الستار، المسؤولية التقصيرية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مجلة العلوم القانونية والسياسية، المجلد 10، العدد ،2، 2021، ص 399.
27- Council Directive 85/374/EEC of 25 July 1985 on liability for defective products, art. 4, "The injured party bears the burden of proving the damage, the defect, and the causal Link between them Available at: https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A31985L0374.
28- Code civil français, art. 1245-8, "Le demandeur doit prouver le dommage, le défaut et le lien de causalité entre le défaut et le dommage".
29- Alexy Hamoui, Medical Civil Liability in the Face of Artificial Intelligence (Master's thesis, Université Paris II Panthéon-Assas), 2020, p.28.
30- أ.د. محمود إبراهيم فياض وإبراهيم خالد يحيى إشكاليات تنظيم المسؤولية التقصيرية للروبوت التكيفي دراسة تحليلية، مجلة العلوم القانونية، المجلد 39، العدد 1، 2024 ، ص 7.
31- Ana Mercedes López Rodríguez, Consumer Protection in Blockchain-Based Metaverses: A Comparative Study of Cross-Border Legal Gaps and Platform Governance, Frontiers in Blockchain 8, 2025, p.2.
32- إذ يصعب اثبات وجود عيوب في التعليمات البرمجية، يُعدّ ذلك أمراً معقداً على العكس ما هو عليه في السلع المادية، بسبب البيئة الديناميكية التي تعمل بها هذه البرمجيات، مما يجعل العلاقة السببية بين الضرر والعيب مسألة تقنية دقيقة وغير مؤكدة.
See: Ana Mercedes López Rodríguez, Consumer Protection in Blockchain-Based Metaverses: A Comparative Study of Cross-Border Legal Gaps and Platform Governance , Op. Cit., p.6.
33- Charlottw TROI, Op. Cit., p.49.
34- عبد الرحمن أحمد الحارثي وعلي محمد محمد الدروبي، تأرجح الضرر الناشئ عن الذكاء الاصطناعي بين المسؤوليتين الشخصية والموضوعية مجلة جامعة الشارقة للعلوم القانونية، المجلد 22 ، العدد 1، 2025، ص 413.
35- د. هشام بن مسفر بن عبد الله البشر، نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي والقانون الدولي (دراسة مقارنة)، مجلة الجامعة العراقية، المجلد 62 ، العدد 1 ، 2023، ص 431 .
36- أيمن مصطفى أحمد البقلي وطارق جمعة السيد راشد، نحو نظام قانوني للمسؤولية المدنية الناجمة عن حوادث المركبات ذاتية القيادة (أساس المسؤولية والتأمين منها)، مجلة البحوث الفقهية والقانونية بدون مجلد)، العدد 41، 2022، ص 856-859
37- م إخلاص مخلص إبراهيم .و د زياد طارق جاسم الذكاء الاصطناعي - جدلية الاقتراض القانوني وصحة التصرفات، ضمن وقائع المؤتمر الدولي السادس للمسائل القانونية (2021 ILIC)، 2021، ص 178
38- أيمن مصطفى أحمد البقلي وطارق جمعة السيد راشد، نحو نظام قانوني للمسؤولية المدنية الناجمة عن حوادث المركبات ذاتية القيادة (أساس المسؤولية والتأمين منها)، مجلة البحوث الفقهية والقانونية بدون مجلد)، العدد 41، 2022 ص 861.
39- م.د. عمار عبد الحسين علي شاه مقال مراجعة البحث الموسوم تأرجح الضرر الناشئ عن الذكاء الاصطناعي بين المسؤوليتين الشخصية والموضوعية (دراسة تحليلية نقدية)، مجلة آشور للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 22، العدد 1، 2025، ص 0750
40- أ.د. محمود إبراهيم فياض وإبراهيم خالد يحيى إشكاليات تنظيم المسؤولية التقصيرية للروبوت التكيفي دراسة تحليلية، مجلة العلوم القانونية، المجلد 39، العدد 1، 2024 ، ص31.
41-European Parliament, Resolution of 20 October 2020 on a civil liability regime for artificial intelligence (2020), para. C: whereas the legal system of a Member State can adjust its liability rules for certain actors or can make them stricter for certain activities; whereas strict liability means that a party can be held liable despite the absence of fault; whereas in many national tort laws, the defendant is held strictly liable if a risk which that defendant has created for the public, such as in the form of cars or hazardous activities, or a risk which he cannot control, like animals, results in harm or damage being caused, Available at: https://www.europarl.europa.eu/doceo/document/TA-9-2020-0276_EN.html.
42- د. منى نعيم جعاز الشياعي، الذكاء الاصطناعي كذات قانونية التوجه المعاصر للمسؤولية عن أضرار الذكاء الاصطناعي، الطبعة الأولى مصر : المركز العربي للنشر والتوزيع، 2026، ص 125-132.
43- Fatemeh Kiani and Alireza Shafiee, Global Harmonization of AI Regulation: Addressing Cross-Border Challenges in Ethical Standards, Accountability, and Liability, Legal Studies in Digital Age 1, no. 1, 2022, p.22.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد