الدور الأمريكي في الصحافة الاستقصائية:
مهما كانت التحقيقات البدائية في العالم مختلفة النسب، إلا أنه يمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية تعد رائدة الصحافة الاستقصائية، فهي من أسس لظهورها على الرغم من أنها ليست من اخترعها، وذلك وسط تباين وجهات نظر الباحثين في تاريخ انطلاق هذا الفن حتى أن بعضهم ربطه بعام 1690 عندما كشفت صحيفة "الأحداث العامة" تعرض الجنود الفرنسيين للتعذيب الوحشي على أيدي القبائل الهندية الحمراء المتحالفة مع الجيش البريطاني في الأراضي الأمريكية.
عموماً يعاد ظهور الصحافة الاستقصائية Investigative Journalism إلى بداية تطور مفهوم الصحافة ودورها في المجتمع واتجاهها إلى الإبراز والتركيز والتحري عن قضايا معينة تحدث في المجتمع، ولاسيما في جوانب الانحراف والفساد ونتيجة لذلك سُمي محرروها المنقبين عن "الفساد muckrakers"، كمجموعة من الصحفيين الذين قادوا حملات صحفية مهمة ضد الفساد وتحديداً عام 1901 حين أدى التوسع الصناعي السريع إلى الكثير من أنواع الظلم، وكانت الاحتكارات موضع قلق عاماً، ورأى فيها بعض المراقبين تحالفاً غير سديد بين التجارة والسياسة واعتمد هؤلاء في حركتهم الصحفية على نشر التحقيقات الصحفية الكاشفة المبنية على وثائق رسمية وخاضعة لمراقبة الخبراء، وبرزت حركة "المنقبين عن الفساد" كقوة مهمة عام 1906، ثم بلغت قمة النجاح عام 1911، ثم تبددت عام 1912، فقد ملها الجمهور لكثرة الضغوط المالية على بعض الصحف، كما بدأ إصلاح بعض المساوئ التي تم كشفها، وبخاصة أن ثمة تجاوزات عدة خلال مراحل مختلفة شابت عمل الاستقصائيين، ولاسيما بين الحربين العالميتين، والتي شهدت بروز ما يسمى "بالمبتزين" الذي يستغلون الأخطاء لمص دماء مرتكبيها ما زاد من الحاجة إلى ربط التقصي بالأخلاقيات والممارسات الاستقصائية بمواثيق شرف المهنة.
إذا بدأت عملية التحري وإعداد التحقيقات الصحفية بداية القرن العشرين بفضل الجهود التي بذلها "المكراكرز"، ولذا يعد العديد من الكتب مثل كتاب الغابة لـ "إبتون سنكلير" الذي كشف فيه عن الوسائل غير الصحية لتجهيز وتغليف اللحوم وصناعتها في شيكاغو، أساس كل التحريات لإعداد التحقيقات الصحفية، وما ينتج عنها، فعلى إثره صدر قانون الطعام والغذاء الذي ينظم هذه الصناعة، وجوهر هذا العمل هو البحث فيما تقوم به كل من الحكومة وقطاع الأعمال في جميع قطاعاته ونقاط التقائهما، فالتحريات والتحقيقات التي تمت فيما عرف باسم "ووترغيت" وما أدت إليه من استقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون تعد العلامة الفاصلة في إعداد التحقيقات الصحفية ففي هذه التحقيقات أكثر من مجرد تاريخ، ذلك أن دراسة ما كتبه "سنكلير وإدوارد وهيرش" وغيرهم يضع خريطة طريق، وعلامات هادية لصحافة اليوم والمستقبل.
من جهته يعد الأدب الأمريكي في مجال الصحافة الاستقصائية نموذجاً للصحافة الاستقصائية في جميع أنحاء العالم، ومعه برزت أسماء مثل إرنست همنغواي، وهناك من يرى أن الصحافة الاستقصائية دخلت عصرها الحقيقي مع بداية السنوات الأولى من القرن العشرين بفعل قوتين شكلتا الحافز الرئيسي: الأولى تتمثل في زيادة الانعزال عن السلطة العامة في المجتمع الأمريكي في تلك المرحلة خصوصاً من الطبقة الوسطى المتعلمة، وأدت الثورة الصناعية إلى مضاعفة تأثير ونفوذ هذه الطبقة على الحكومة والاقتصاد في الوقت نفسه.
أما القوة الثانية فتمثلت في (وصول المهاجرين إلى المدن الأمريكية)، فيما يذهب البعض إلى القول إن سوابق الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة الأمريكية ترجع إلى السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر على الرغم من أن بدايات الصحافة الاستقصائية الحديثة ترجع إلى مطلع القرن العشرين.
وعليه يمكن التأريخ للحالة الاستقصائية بربطها بصحافة التنقيب عن الفساد بين أعوام (1902-1914) بينما هناك من يربطها بالحركة التقدمية السياسية، وسيطرة الطبقة الوسطى على الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من الدول، كما شهدت لمعاناً.