0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

المشكلة الجزائرية (في السياسة الخارجية العثمانية)

المؤلف:  أﻧﻴﻨﻞ أﻟﻜﺴﻨﺪرو ﻓﻨﺎدوﻟﻴﻨﺎ

المصدر:  الإمبراطورية العثمانية وعلاقاتها الدولية: في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر

الجزء والصفحة:  ص 151-161

2026-10-06

9

+

-

20

ذكرنا آنفًا أن مصطفى رشيد باشا، سفير تركيا لدى باريس، قد تم تكليفه ببدء المفاوضات مع حكومة فرنسا حول سحب قواتها من الجزائر. وكان الباب العالي يُعلق آماله على وعد بذلته فرنسا، وهو الوعد الذي ورد قبل ذلك في المذكرة التي سلمها له السفير الفرنسي في إسطنبول جيليمينو في عام 1830م على إثر احتلال فرنسا للجزائر.

ويحتفظ أرشيف الدولة المركزي في إسطنبول بتعليمات دبلوماسية (غير مُحدد بها المرسل إليه على وجه الدقة)، من الواضح أنها صدرت قبل تعيين مصطفى رشيد سفيرًا لدى فرنسا، جاء فيها: «حيث إن هناك نيات طيبة ثنائية (1) لتحرير الجزائر من أيدي الدول الغربية، فمن الضروري تعيين وإرسال شخص ما من دولتنا على وجه السرعة لبحث وسائل تحقيق هذا الهدف» (2) (الاستشهاد من المرجع 45، العدد 7، ص49، حاشية رقم 2).

من الملاحظ أن جميع التقارير الدبلوماسية ذكرت مصطفى رشيد باعتباره الشخصية الرسمية المكلفة بالاتصال بشأن الجزائر، (45، العدد 7، ص49). وهو ما يعني أنه تسلم — بطبيعة الحال — تعليمات شبيهة بالتي أوردناها سابقًا.

ولما كانت سنوات أربع قد مضت منذ احتلال فرنسا للجزائر، فإن الباب العالي كان يخشى أن ترفض فرنسا الدخول معه في مفاوضات بشأن هذه القضية. وقد أكد هذه المخاوف ما أعلنه سفير فرنسا في إسطنبول روسين عن عدم ارتياحه تجاه عزم الأتراك البدء في المفاوضات بشأن الجزائر (215، ص36).

لهذا السبب اتَّسمت مهمة السفير التركي بالسرية، وقام مصطفى رشيد بالتمهيد لهذه المهمة بشكل جاد، حتى يتسنى له أن يحصل على موافقة الحكومة الفرنسية على قبول مذكرة الحكومة التركية الرسمية بشأن المسألة الجزائرية. كان تسليم المذكرة يُمثل — من وجهة نظر الباب العالي وكما تدل على ذلك التقارير الدبلوماسية لمصطفى رشيد — الخطوة الأولى التي ينبغي أن تتلوها خطوات أخرى. لقد كان بنية حكومة السلطان أن تصر مستقبلًا على مطلبها بإعادة الجزائر إلى كيان الإمبراطورية، كما كانت تأمل أن تؤيدها كل من إنجلترا وروسيا والنمسا في هذا المطلب.

في مطلع عام 1833م قدم اللورد جراي، رئيس وزراء إنجلترا، وعدًا للسفير التركي نامق باشا (الذي كان قد وصل لطلب المساعدة من إنجلترا في مسألة انتفاضة محمد علي)، مفاده أن إنجلترا سوف تضع المسألة الجزائرية على جدول أعمالها بمجرد أن تنتهي من حل مشكلاتها السياسية الخارجية التي لا تحتمل التأجيل مع البرتغال وبلجيكا، وفي الوقت نفسه يكون الباب العالي قد اتخذ خطوات نحو إنهاء مشكلته مع مصر. وقد صرَّح السفير التركي أن رئيس وزراء إنجلترا قد أعلن خلال مباحثاته معه: «أن المشكلة الجزائرية سوف تؤدي في المستقبل إلى نشوب الحرب ضد فرنسا» (199، 247).

ويُشير المؤرخون الأتراك إلى أن مصطفى رشيد في الثلاثينيات قد بالغ بعض الشيء في تقديره لثقل إنجلترا في السياسة الدولية. فقد رأى أن جميع القضايا السياسية، بما فيها الخلافات التركية الفرنسية، لا تُحل إلا عن طريق هذه الدولة بشكل أساسي (48، ص83، 202، ص7). مع أنه لو تذكر أن لويس فيليب في بداية توليه الحكم رأى أن من الضروري وقف غزو الجزائر، الذي كان كارل العاشر قد بدأه لتوه، لتهدئة إنجلترا، وأن «الحكومة الفرنسية أعلنت صراحة في عام 1834م، بعد تغلبها على التأثير الإنجليزي عليها، عن رغبتها في إخضاع الجزائر بأكملها لسلطانها» (71، المجلد 1، ص366)، لكان من المحتمل أن تصبح حساباته بالنسبة لتلقي الدعم من إنجلترا في المسألة الجزائرية دون مبرر.

 

كان مصطفى رشيد يعوِّل أيضًا على التعاون الدبلوماسي مع النمسا، بعد أن تلقى وعدًا من البارون أوتينفيلس سكرتير مترنيخ، في مقابلة أجراها معه في فيينا في سبتمبر عام 1834م، بأن يقوم سفير النمسا في باريس بمساعدته، على الرغم من أن أوتينفيلس أكد له على المصاعب التي ستواجه الباب العالي في حل المشكلة الجزائرية (45، العدد 1، ص35).

 

تُوفِّر لنا تقارير مصطفى رشيد الأساس لنؤكد أن سفير روسيا في باريس بوتسو دي بورجو قد قدم له المساعدة في صورة مشورة.

 

ومن العوامل المؤثرة أيضًا، والتي دفعت الباب العالي لطرح المسألة الجزائرية في عام 1834م، العريضة التي رفعها حمدان أفندي السكرتير السابق لباي الجزائر، الذي خلعه الفرنسيون، للسلطان محمود الثاني في 18 يوليو عام 1833م، يشكو حمدان أفندي في عريضته مما يُقاسيه الشعب الجزائري منذ احتلال الفرنسيين للجزائر، ويطلب المساعدة ويقترح اتخاذ بعض الإجراءات التي تستهدف تحرير البلاد؛ ومن بينها: تعيين باشا تركي في الجزائر، قد يستطيع إنشاء ديوان من المواطنين أصحاب الشأن الرفيع، كما يقترح توحيد جهود باشاوات الجزائر وتونس وطرابلس، مما قد يسمح بتكوين جيش قوامه ما بين 40 إلى 50 ألف جندي، يقفون في مواجهة الفرنسيين (3). وقد كتب حمدان أفندي عريضته بعلم من باي مدينة قسنطينة (الجزائرية) الحاج أحمد، وأوصى بتعيين الأخير في منصب باشا تركيا في الجزائر. وجاء في العريضة أن أحمد بك قد جمع حوله بالفعل قوات عسكرية، أخذت أعمالها في إزعاج الجيش الفرنسي المحتل.

وكان لهذه العريضة أثر بالغ على محمود الثاني. فقد قرَّر السلطان الإسراع باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير الجزائر، لكنه رأى أن العمل بالطرق الدبلوماسية هو المتاح فقط في الوقت الحالي (201، 215، ص44-45). لم يكن السلطان راغبًا في قطع العلاقات الفرنسية التركية التي أصبحت ضرورية للوصول إلى حل ناجح لمشكلة أخرى أكثر أهمية بالنسبة له، ألا وهي الصراع التركي المصري. كان السلطان يُجهز قواته العسكرية بحمية بالغة للدخول في حرب ضد محمد علي. وكان يرى أنه ليس في مقدوره الدخول في حربين إحداهما ضد فرنسا والأخرى ضد الباشا المصري. وكان الباب العالي يأمل ألا تؤيد فرنسا محمد علي بأي قوات عسكرية في حالة دخول الأخير حربًا ضد السلطان.

 

فور وصوله إلى باريس؛ قام مصطفى رشيد بالاتصال بحمدان أفندي وشخص آخر من طرابلس يُدعى حسون الداغس؛ ليتسنى له الاستفادة من معرفتيهما بالوضع في الجزائر، وحتى يكون باستطاعته استخدام هذه المعرفة إبان مفاوضاته مع الحكومة الفرنسية (215، ص39).

 

كان حمدان أفندي ينتمي إلى طائفة العلماء، وكان رجلًا طاعنًا في السن. وقد جاء إلى باريس في مطلع شهر أكتوبر عام 1834م لعلمه بحضور السفير التركي كما اتضح. وفي باريس جرت اللقاءات بينه وبين مصطفى رشيد، لكنهما اتفقا على استمرار الاتصالات بينهما كتابة وألا يلتقيا إلا عند الضرورة القصوى تجنبًا لغضب السلطات الفرنسية (45، العدد 2، ص145–146).

 

بدأ مصطفى رشيد مفاوضاته مع الحكومة الفرنسية في ديسمبر عام 1834م، أي بعد وصوله إلى باريس بثلاثة أشهر. وطوال هذه الفترة كان مصطفى رشيد يستعد لها، وهو ما يُمكن الاستدلال عليه من خلال تقاريره الدبلوماسية أثناء تلك الفترة. أجرى مصطفى رشيد عددًا من المشاورات مع سفيري روسيا والنمسا، وتبادل الرسائل مع نامق باشا سفير تركيا لدى لندن. وفي منتصف شهر نوفمبر عام 1834م أبلغ مصطفى رشيد الباب العالي بالتحذير الذي تلقاه من نامق باشا، والذي يُفيد أن المباحثات بشأن الجزائر يُمكن أن تضر بالقضية المصرية، وأن لندن، كما أخبر بالمرستون السفير التركي لديها، لا يُمكنها أن تُقدم للباب العالي أي دعم في هذه المباحثات (45، العدد 6، ص436). على أن هذه المعلومات التي قدمها نامق باشا لم تثبط من عزم مصطفى رشيد (48، ص66). وبعد شهر واحد تغير المزاج في العاصمة الإنجليزية، وأبلغ نامق باشا مصطفى رشيد في باريس بتجدد الأمل في أن تقوم وزارة الدوق ويلنجتون، التي كانت قد حلت لتوها محل الحكومة الإنجليزية السابقة بتأييد الجانب التركي في مباحثاته مع فرنسا بشأن الجزائر (45، العدد 6، ص436). وحيث إنه قد سارت شائعات تقول إن ويلنجتون لن يستمر في السلطة أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر، فإن من الضروري عدم إضاعة الوقت (45، العدد 7، ص44-45).

 

وهناك سبب آخر يُفسر لنا عدم شروع مصطفى رشيد في الدخول في المفاوضات بشأن الجزائر فور وصوله إلى باريس. ففي ربيع عام 1834م، أعلن محمد علي والي مصر قناصل الدول الأوروبية عن عزمه إعلان الاستقلال، الأمر الذي كان من الممكن أن يؤدي حتمًا إلى دخول السلطان في حرب ضد محمد علي، وبالتالي تدخل الدول الأوروبية في الصراع التركي المصري. وقد طلبت حكومتا كل من إنجلترا وفرنسا من محمد علي التخلي عن عزمه، وتلقتا منه ردًّا في ديسمبر من العام المذكور. ولم تكن العلاقات مع مصر تسمح لمصطفى رشيد أن يبدأ مفاوضاته بشأن الجزائر قبل أن يعرف رد محمد علي.

 

تحاشى نامق باشا في خطابه المؤرخ 16 ديسمبر أي ذكر للتقلبات الأخيرة (45، العدد 7، ص44-45). لقد انتهت المشاورات التي أجراها السفير التركي مع سفيري روسيا والنمسا في باريس بأن أيد الأخيران في ديسمبر 1834م رأي مصطفى رشيد في أن الوقت قد حان لعقد المفاوضات (45، العدد 7، ص45-46). وكان مصطفى رشيد قد كتب قبل ذلك في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1834م إلى إسطنبول يخبرها بأن الصحف الفرنسية مليئة بالأخبار عن الإصلاحات التي تُجريها فرنسا في الجزائر، ولهذا فإن سكوت السفير التركي يُمكن أن يُفسَّر هنا بأنه موافقة ضمنية على الاحتلال وعلى ما تفعله الإدارة الفرنسية. وكان من رأي السفير أن من الضروري أن يعلن باسم حكومته عن القضية الجزائرية (48، ص66). وقد أشار سفيرا كل من روسيا والنمسا على مصطفى رشيد بأن يقوم بتسليم مذكرة رسمية إلى وزير خارجية فرنسا، فعندها ستضطر فرنسا إلى الرد عليها رسميًّا، وهو ما يُمكن أن يكون مفيدًا في المستقبل (45، العدد 7، ص46). وفي 16 ديسمبر عام 1834م كتب مصطفى رشيد يقول إن على صحيفة «تقويمي فيكاي» التي تصدر في إسطنبول أن تُعبِّر عن الاحتجاج الرسمي في حالة رفض فرنسا للمذكرة التركية (45، العدد 7، ص46).

 

حدد مصطفى رشيد موعد تسليم المذكرة مع افتتاح جلسات البرلمان الفرنسي التي كان من المفترض أن تُفتَتَح في ديسمبر، وكان يرى أن المذكرة سوف تدرس خلال انعقادها (45، العدد 1، ص41).

 

وخوفًا من رفض الجانب الفرنسي مناقشة مسألة إعادة الجزائر، أعد مصطفى رشيد مبكرًا احتجاجات مؤسسة على الأعراف الدبلوماسية التي تقضي بعدم جواز الرفض. إلى جانب ذلك أحضر مصطفى رشيد معه أدلة تؤكد أن فرنسا وعدت في عام 1830م بإعادة الجزائر إلى السلطان، كما أعد أيضًا تفسيرات لعدم تطرق الباب العالي على مدى الأعوام الأربعة المنصرمة لمناقشة مسألة الجزائر خلال اتصالات بفرنسا.

 

في نهاية العقد الثاني دخل مصطفى رشيد في مفاوضات تم الإعداد لها على نحوٍ جيد (48، ص72).

 

دارت المفاوضات مع وزير خارجية فرنسا الأدميرال دي ريني. وقد بدأ السفير التركي كلمته بالتأكيد على أن الهدف الرئيسي لنشاطه الدبلوماسي يتمثل في دعم العلاقات الودية المخلصة مع فرنسا، ونبَّه إلى أن الجانبين دأبا على تجنب الأعمال العدوانية دائمًا. وتحدث السفير قائلًا إن فرنسا قامت باحتلال الجزائر بسبب ما أبداه بايلر باي الجزائر في حينه من أعمال اتسمت بالرعونة، على أن الحكومة الفرنسية وعدت بإعادة الجزائر إلى مالكها الحقيقي، وهو السلطان. وأعرب السفير عن أمله في أن تصل المفاوضات الودية إلى حلول مرضية للطرفين في هذه القضية. كان مصطفى رشيد قد اعتزم تسليم دي ريني مذكرة حكومته، لكن الأخير — بعد شيء من الرؤية — أجاب بأنه ليس باستطاعته قبول هذه المذكرة؛ إذ إن الفرنسيين لن يتركوا الجزائر، ولهذا فإنه يرى أن من غير الممكن الاستجابة للسفير التركي.

 

نظر مصطفى رشيد إلى الجانب القانوني للعلاقات الدبلوماسية، وقال إن معنى تسليم المذكرة يكمن في تفسير أهداف ونيات الدولة، وإن قبولها لا يعني الموافقة على ما ورد بها. فإذا ما كانت هناك نقاط فيها تخرج عن حدود صلاحيات السفير، فإن من الممكن تأجيل المفاوضات بشأنها حتى يتم تسلم توضيحات حكومة السلطان. وأعلن مصطفى رشيد أنه لا توجد دولة واحدة ترفض قبول مذكرات السفراء والاستماع إليها، وأن هناك علاقات سلمية بين فرنسا والإمبراطورية العثمانية، وأن ادعاءات الباب العالي في الجزائر تستند إلى وعد رسمي بذلته فرنسا قبل ذلك.

 

وهنا اضطر دي ريني إلى شرح موقف فرنسا فقال إن بلاده ترى أن الجزائر لا تدخل في نطاق الإمبراطورية العثمانية، وإنما كانت دولة مستقلة يحكمها متمردون، وقد أرسلت فرنسا أسطولها وقواتها إلى هناك وأنفقت في ذلك أموالًا طائلة (4). وقد أجاب مصطفى رشيد أن الجزائر تنتمي للإمبراطورية العثمانية، وأن سكانها يُعدون رعايا للسلطان وهو ما يُمكن إثباته بحجج دامغة. وأعرب دي ريني عن دهشته لكون حكومة الإمبراطورية العثمانية ظلت على صمتها تجاه الجزائر وأن مصطفى رشيد لم يبدأ مفاوضاته بشأنها فور وصوله إلى باريس.

وقد نبَّه السفير التركي إلى أن الجنرال جيليمينو سفير فرنسا قد سلم الحكومة التركية مذكرة رسمية (5) بعد احتلال الجزائر، جاء فيها أن الجزائر سوف تعود إلى الإمبراطورية العثمانية. وأعلن مصطفى رشيد أن اضطرابات داخلية (6) وقعت في فرنسا بعد تسليم هذه المذكرة مباشرة، وأن الإمبراطورية العثمانية رأت أنه من غير اللائق أن تقوم الإمبراطورية بإزعاج دولة صديقة في هذه الظروف، وفضَّلت تأجيل الأمر بعض الوقت، ثم تلا ذلك تبادل المذكرات. وقد نبَّهت الإمبراطورية العثمانية، إبان الحوادث المؤسفة التي جرت بعد ذلك (يقصد بدء الصراع التركي المصري عام 1831م)، مندوبي السفارة الفرنسية بموضوع الجزائر، وقد أجابت فرنسا أن الجزائر سوف تعود. وصرَّح مصطفى رشيد قائلًا: «إن الهدف الرئيسي من نشاطي الحالي في باريس هو تقوية العلاقات الودية بين بلدينا، ثم إن القانون الإسلامي هو الذي اضطر الإمبراطورية العثمانية للحديث عن الجزائر. وحيث إن الإمبراطورية قد عينت سفيرًا لها الآن في باريس فإنني مضطر لطلب رد رسمي.»

أشار الوزير الفرنسي إلى أن الثورة التي قامت في فرنسا بعد احتلال الجزائر قد ألغت كل مواد المعاهدات السابقة، وأنه إذا كان الجنرال جيليمينو قد تحدث عن إعادة الجزائر فهو قد تصرف على نحوٍ شخصي؛ إذ لم يكن على علم برأي الحكومة في هذا الصدد، وهنا اعترض مصطفى رشيد قائلًا إنه لا يوجد سفير واحد يجرؤ على التصرف من تلقاء نفسه ودون موافقة حكومته، وإن كلمة السفير في كل مكان تؤخذ بثقة كاملة وهي التزام رسمي في المقام الأول. علاوة على ذلك فقد سلمت الحكومة العثمانية — بعد الثورة أيضًا — مذكرةً رسمة بشأن الجزائر وتلقَّت ردًّا من السفارة الفرنسية يؤكد ثبات موقف فرنسا من هذه المسألة. وقال مصطفى رشيد إن بإمكانه على أي حال إبراز هذه المذكرات.

 

أنهى دي ريني مفاوضاته معلنًا أن فرنسا لا تستطيع في الوقت الحالي أن تعيد الجزائر، ولكنه سوف يبلغ حكومته بمضمون هذه المفاوضات ثم يُحدد موعدًا ليناقش فيه مع مصطفى رشيد نتائج مشاوراته (48، ص72–77). كان مصطفى رشيد راضيًا عن المفاوضات؛ إذ تمكن من تسليم مذكرة تركيا (215، ص40).

 

وفي التقارير التي رفعها مصطفى رشيد إلى الباب العالي أشار إلى السؤال الذي طرحه عليه الوزر الفرنسي، عما إذا كان السفير التركي لدى إنجلترا على علم ببدء المفاوضات بشأن الجزائر. كان مصطفى رشيد يرى أن هذا السؤال يؤكد مخاوف دي ريني من تدخل إنجلترا في المفاوضات الجارية بين تركيا وفرنسا، وأن السفير التركي في لندن سوف يسعى لتحقيق هذا التدخل (48، ص76).

 

وفي مساء ذلك اليوم الذي بدأ فيه مصطفى رشيد مفاوضاته بشأن الجزائر، كما أعلن ذلك السفير التركي في تقريره، دعاه دي ريني إلى زيارته. وقد تناول الحديث بينهما مختلف مذاهب العقيدة الإسلامية، وأي هذه المذاهب يوليه السلطان أهميةً كبرى، وكيف يتفق أن يُعلن كبار العلماء في البداية أن محمد علي خارج على السلطان (فرمانلي) ثم يتم العفو عنه بعد ذلك، وتطرق الحديث إلى الأسباب التي شجَّعت إبراهيم بن محمد علي إلى اللجوء إلى يوسكيودار (7) في البداية، ثم تراجعه عن الأمر بعد ذلك.

لا يحتوي تقرير مصطفى رشيد أي تعليقات عن رأيه في الدافع وراء الأسئلة التي طرحها عليه دي ريني. من المحتمل الظن أن هذا النقاش كان رد فعل للمفاجأة غير السارة بالنسبة لدى ريني، وهي طلب الباب العالي إعادة الجزائر، كان دي ريني يريد أن يُظهِر أن التبرير الذي يُفسِّر رغبة الباب العالي في استعادة الجزائر بزعم أنه مطلب من مطالب الدين الإسلامي هو تبرير غير مقبول. فقد ذكر دي ريني أن رجال الدين الإسلامي كثيرًا ما يقعون في تناقضات في أحكامهم بشأن واقعة وأخرى، وضرب مثلًا بحكمهم على سلوك محمد علي المتمرد. وفي نفس الوقت فإن إبراهيم وهو ابن محمد علي، مسلم الديانة، كان مستعدًّا للذهاب بقواته حتى ولو إلى الإمبراطورية العثمانية، بينما كان المسيحيون هم الذين يقفون للدفاع عن السلطان.

 

وفي المباحثات غير الرسمية التي أجراها مصطفى رشيد مع بوتسو دي بوردو، السفير الروسي في باريس، والتي عرضها مصطفى رشيد في تقريره، ذكر السفير الروسي أنه لم يشكَّ لحظةً واحدة في عدم جدوى المفاوضات، ولكنه أشار عليه بتكرارها من حين إلى آخر حتى تُصبح مطالب الباب العالي المذكورة ذات فائدة في المستقبل. كان بوتسو يرى أن تحرير الجزائر ممكن إما بالقوة بوساطة إنجلترا أو بغيرها من الدول الأوروبية (مؤكدًا بذلك رأي جيليمينو)، وإما بإقناع الشعب الفرنسي بعدم جدوى امتلاك الجزائر لفرنسا وأنه قد كره تبذير أمواله. لكن الحل الأول كان يعني قيام حرب شاملة، ولهذا فإنه من غير الممكن السماح لهذا الحل، أما الحل الثاني فلم يحدث (45، العدد 9، ص210). فيما بعدُ كان دي ريني يتحاشى الدخول في مناقشات مع مصطفى رشيد بشأن الجزائر.

 

وعلى الرغم من أن لورد ويلنجتون رئيس الحكومة الإنجليزية اعترف بحق الإمبراطورية العثمانية في الجزائر، إلا أنه أشار إلى أن إعادتها سوف يكون أمرًا صعبًا (215، ص41).

 

لم تُسفر جهود مصطفى رشيد في عام 1834م عن تحقيق النتائج المرجوة. ويعود السبب في ذلك إلى ضعف الدولة العثمانية التي رأت فرنسا أنه قد أصبح بإمكانها في الوقت الحالي ألا تعيرها اهتمامًا.

 

كانت إنجلترا والنمسا تستثيران، عن قصد، أمل الباب العالي في استعادة الجزائر. فالأولى — على حد قول نيكولاي الأول — تحسد فرنسا على هذا الكسب الرائع (85، ص546). وفي الثلاثينيات كان بالمرستون ومترنيخ يُشيران على مصطفى رشيد أن يُدلي من حينٍ لآخر بتصريحاتٍ مناسبة عن حقوقه في الجزائر، وأن يتجنب أي تصريحات يُمكن أن تُفسَّر على أنها تخلٍّ عن هذه الولاية. وقد أشار مصطفى رشيد في أحد تقاريره أنه في الفترة الأخيرة لإقامته في فرنسا بصفته سفيرًا (عام 1836م) لم يُصدر أي تصريحات رسمية بشأن الجزائر. على أنه لم يتوقف عن الحديث بشكل غير رسمي عن هذه المشكلة وتوجيه الانتقاد للفرنسيين (46، العدد 16، ص44).

 

في يناير عام 1836م بعث سكان مدينة قسنطينة الجزائرية وضواحيها برسالة إلى إسطنبول يذكرون فيها نضالهم ضد الفرنسيين ويطلبون الاعتراف بأحمد بك واليًا على قسنطينة. لم يكن الباب العالي يتوقع آنذاك نجاح المذكرات الدبلوماسية، لكن أعضاء حكومة السلطان لم يتحمسوا لإرسال دعوة مفتوحة لفرنسا لكي تعترف بأحمد بك واليًا تركيًّا، على الرغم من أنهم لم يتوقفوا عن تشجيعه على مواصلة النضال ضد الفرنسيين. وقد تم إرسال كمال بك سفير الباب العالي إلى الجزائر عبر تونس، وفي نفس الوقت خرج جزء من الأسطول العثماني إلى عرض البحر المتوسط ولم تتوانَ الحكومة الفرنسية عن اتخاذ الإجراءات التي ترد بها على هذا التصرف. ففي السابع من يونيو عام 1836م بعثت فرنسا بمذكرة أعلنت فيها عن خروج الأسطول الفرنسي إلى عرض البحر للدفاع عن مصالحها السياسية والتجارية. وعلى الرغم من أن الباب العالي أجاب على هذه المذكرة بما يُفيد حقه الكامل في تصرفاته، إلا أنه أعاد الأسطول إلى قواعده. وقد وجَّه وزير الخارجية الفرنسي مولي تحذيرًا لنوري أفندي، السفير التركي لدى باريس، مفاده أنه في حالة إرسال الباب العالي أسلحة إلى أحمد بك فإن الحرب بين فرنسا والإمبراطورية العثمانية ستشتعل على الفور (215، ص45-46، 54).

 

في صيف عام 1837م تعود فرنسا من جديد لتعلن احتجاجها على زيارة أسطول السلطان لسواحل تونس وطرابلس (48، ص84، انظر كذلك 71، المجلد 1، ص378) (8)، وهو الأسطول الذي يعمل تحت إمرة القيادة العليا للسلطان. وقد عللت الحكومة الفرنسية احتجاجها بأن ظهور السفن العثمانية سوف يدفع القبائل الجزائرية إلى التمرد على فرنسا (124، ج1، ص282–284)، وقد أعلن جرينويل سفير إنجلترا في باريس في معرض دفاعه عن مصالح الباب العالي في هذه القضية، احتجاجه على الوزير الفرنسي مولي، معتبرًا أن فرنسا ليس لديها الحق في تصرفاتها (48، ص85).

في يوليو عام 1837م أبحر الأسطول التركي إلى طرابلس. وهنا أعلنت فرنسا عن إرسال أسطولها إلى تونس. وقد أشار بونسونبي، السفير الإنجليزي لدى إسطنبول بإعطاء باي تونس ضمانات من السلطان (ضمان أمن تونس في حالة هجوم الفرنسيين على أراضيه). عندما وصلت السفن التركية إلى طرابلس؛ توجَّه إلى تونس أحمد توفيق، الذي تسلم من مصطفى باشا بايلر باي تونس 500 كيس لتوصيلها إلى الباب العالي هدية منه. وفي سبتمبر عام 1837م تحوَّل الأسطول التركي متجهًا إلى إسطنبول، وقد رافقه الأسطول الفرنسي حتى تشنكالي (ميناء على مضيق الدردنيل)، وقد أبلغ الباب العالي احتجاجه إلى السفير الفرنسي روسين.

 

في الثالث عشر من أكتوبر عام 1837م سقطت مدينة قسنطينة، ولم يُقدِّم باي تونس أي مساعدة لأحمد، على الرغم من أن الباب العالي طلب منه ذلك (215، ص56-57).

 

وقد أعلن بالمرستون مرارًا أن إنجلترا لا تُحبِّذ استيلاء فرنسا على الجزائر (48، ص84، 87). وفي أغسطس عام 1838م أوصى بونسونبي، سفير إنجلترا لدى إسطنبول، الباب العالي يُطالب لويس فيليب بالاعتراف بسيادة السلطان على الجزائر (71، المجلد 1، ص380).

 

في هذه الظروف، ظل مصطفى رشيد يتحين الفرصة التي تصطدم فيها مصالح الدول الأوروبية، وعندها يُمكن إجبار فرنسا على إعادة الأراضي المحتلة عن طريق أعداء فرنسا المحتملين (48، ص546–555). لكن هذه الفرصة، كما هو معروف، لم تحِن قط. وفي عام 1847م لم يرِد ذكر الجزائر للمرة الأولى في قائمة ولايات الإمبراطورية العثمانية المطبوعة في السلنامة (9)، وكان هذا يعني أن السلطان قد تنازل عن حقوقه فيها (215، ص60).

..............................................

1 المقصود هنا بالثنائية، على ما يظهر، النية التركية الجزائرية.

2 يفترض ج. بايسون (صاحب الاستشهاد المأخوذ من التعليمات) أن هذه التعليمات كانت موجَّهة إلى مصطفى رشيد تحديدًا (انظر 45، العدد 7، ص49، الملحوظة 2). ويؤكد على هذا الرأي أيضًا مؤرخ تركي آخر هو إ. كوران (انظر 215، ص35).

3 لم يُساند الباب العالي الحركة الثورية للشعب الجزائري التي قادها الأمير عبد القادر. عن هذه الحركة انظر 144.

4 يدخل في هذه النفقات، بداهة، دين داي الجزائر لفرنسا، التي أرادت أن تُطالب به الإمبراطورية العثمانية في عام 1830م، وهو ما رفضته الأخيرة. في سبتمبر عام 1834م أخبر الجنرال جيليمينو السفير السابق لفرنسا لدى إسطنبول (1824–1831م) مصطفى رشيد، أن فرنسا تنفق سنويًّا في الجزائر 36 مليون فرنك (انظر 45، العدد 1، ص41 «تقرير مصطفى رشيد، نهاية سبتمبر 1834م»).

5 للاطلاع على مضمون المذكرة الفرنسية التي سلمها السفير الفرنسي جيليمينو لدى إسطنبول إلى الحكومة التركية في الرابع عشر من أغسطس عام 1830م (انظر 215، ص28).

6 المقصود هنا الثورة الفرنسية البورجوازية عام 1830م.

7 يوسكيودار (سكرتاري): حي من أحياء إسطنبول يقع على الشاطئ الآسيوي للبوسفور.

8 كان الباب العالي ينوي أن يرسل سرًّا تعزيزات إلى باي مدينة قسنطينة عن طريق تونس.

9 السلنامة: المطبوعات الحكومية السنوية، وكانت تضم المراسيم التي أصدرها الباب العالي وقوائم أهم الأحداث. بدأت في الصدور في الإمبراطورية العثمانية منذ عام 1847م. 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد