إن هذه الآية كما يقول الاستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره تشير الاعجاب في فصاحتها وبلاغتها واعجازها اذ تجمع في هذه الآية القصيرة والعميقة والعلمية إضافة إلى الأفعال والأسماء الظاهرة وحالات المفرد والتثنية والجمع التي امتزجت ببعضها من دون اختلاط؛ وما يشاهد فيها من كنايات أدبية تتناسب العفاف القرآني من جهة، وتقابل الإمساك والتسريح و(أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 229] و(إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا) [البقرة: 230] من جهة ثانية، والتفنن في تعبير (فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ) [البقرة: 229] من جهة ثالثة؛ فقد استخدم فيها أربعة عشر ضميراً يضاف إليهـا أحد أسماء الإشارة، بصورة كان معها مرجع الضمائر والمشار إليه باسم الإشارة مشخصاً بصورة جيدة لم يبق معها أي شكل من أشكال التعقيد في الآية[1].
والضمائر المستعملة في الآية ومراجعها هي كما يلي:
1. ( فَإِن طَلَّقَهَا) [البقرة: 230]: مرجع ضمير الفاعل (هو) في فعل (طلق) هـو الـزوج السابق، ومرجع ضمير المفعول المؤنث (ها) هو المرأة.
2. (فَلَا تَحِلُّ لَهُ) [البقرة: 230]: ضمير المؤنّث (هي) في الفعل يعود إلى المرأة، وضمير المذكر المفرد المجرور في (له) يعود إلى الزوج السابق.
3. (حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230]: ضمير المؤنث (هي) في الفعل يعود إلى الزوجة، وضمير المذكر المفرد في (غيره) يعود إلى الزوج السابق.
4. (فَإِن طَلَّقَهَا) [البقرة: 230]: مرجع الضمير (هو) في الفعل هو الزوج الثاني؛ لأنّ الزوج الأول طلق المرأة، فلم تعد المرأة زوجته كي يطلقها، وا، وضمير المؤنث (ها) يعود إلى المرأة.
5. (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) [البقرة: 230] ضمير التثنية (هما) يعود إلى المرأة وزوجها السابق؛ لأنه بناءً على صدر الآية (فَلَا تَحِلُّ لَهُ) [البقرة: 230] فإن أصل الخرج يعود إلى المرأة والزوج اللذين تكرّر انفصالهما ثلاث مرّات، فيجب أن يكون رفع الحرج أيضاً عائداً إليهما.
6. ضمائر التثنية (هما) في (أَن يَتَرَاجَعَا) [البقرة: 230] و(إِن ظَنَّا) [البقرة: 230] وأنْ يُقيما تعود إلى المرأة وزوجها السابق.
7. اسم الإشارة (وَتِلْكَ) [البقرة: 111] يشير إلى الأحكام والمعارف المستفادة من الآية، لا إلى كلمة (حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 187] الواردة في العبارة التي تسبق كلمة تِلْكَ؛ لأنّ الإشارة إلى حُدُودَ الله يناسبها كلمة الإشارة (هذه).
8. وينها: مرجع ضمير المذكر المفرد (هو) المستتر في الفعل المضارع هو (الله)، ومرجع ضمير المؤنّث المفرد (ها) هو (حُدُودَ اللَّهِ) الثانية.
ونتيجة ذلك أنّ معنى الآية هو: لو طلّق الزوج السابق زوجته للمرة الثالثة فإنّ هذه المرأة لا تحل لزوجها السابق إلّا إذا تزوجـت بـزوج آخر غير زوجها السابق، عند ذلك إذا طلّق الزوج الثاني هذه المرأة، فلا حرج على المرأة وزوجها السابق إذا شاءا أن يتزوجا مرّةً أُخرى مرّةً أُخرى، إذا كان حصل لهما الاطمئنان بأنهما سيطبقان الحدود الإلهية.
وفي ختام هذا القسم نشير إلى أن المراد من (حُدُودَ اللَّهِ) [المجادلة: 4] في (إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 230]هو الواجبات والتعهدات الدينية المتقابلة بين المرأة وزوجها؛ ولكن المقصود من (حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 187] في (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) [البقرة: 187] هو جميع الأحكام الواردة في هذه الآية، مثل لزوم الانفصال بعد الطلاق الثالث، وحرمة النكاح بعد الطلاق الثالث، وشرائط صحة الزواج المجدّد بين المرأة وزوجها السابق، و... .
[1] راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 235.