جغرافية العمران Geography of Settlement
المؤلف:
د. هاشم محمد صالح
المصدر:
الجغرافية البشرية
الجزء والصفحة:
ص 158 ـ 162
2026-09-17
35
جغرافيا العمران فرع من فروع الجغرافيا البشرية، التي تعالج العلاقات المتبادلة بين الإنسان وبيئته وانعكاسها على نمط الحياة السائدة، وتنقسم إلى قسمين رئيسيين هما:
1ـ جغرافيا العمراني الحضري Geography of Urban
2ـ العمران الريفي Geography of Rural Settlement
وكان عبد الرحمن بن خلدون اول من استخدم مصطلح العمران وذلك في مقدمته المشهورة، التي اقترنت باسمه غير انه استخدم هذا التعبير في مقاصد كثيرة، دارت في أغلبها حول الاجتماع الإنساني أو دراسة أحوال البشر وطبائعهم. والعمران في التحليل الجغرافي يرتبط عامة بالسكن حتى أصبح مرادفاً لجغرافية مراكز العمران أو المحلات السكنية.
وتهتم جغرافية العمران الحضري بدراسة المدن وتطورها المدن الإغريقية والرومانية، والإسلامية ومدن العصور الوسطى، ومدن العصر الحديث وموضعها وموقعها، وتوزيعها، وحجمها السكاني والعمراني، وخصائص وتوزيع المدن المليونية والتجمعات الحضرية Metropolitan Area ، وخصائص سكان المدن. اما جغرافية العمران الريفي فتختص بدراسة نشأة القرية، وتطورها وتوزيعها، وشكلها واحجامها.
أـ جغرافية العمران الحضري
المدينة ظاهرة قديمة ترجع نشأتها إلى عهود بعيدة، ارتبطت باستيطان الإنسان في مناطق السهول في الشرق الأوسط. ويعد النمو السكاني في المدن وتضخمها السمة الرئيسية، التي يتميز بها السكان في العصر الحديث، وقد تزايدت أحجام المدن نتيجة لزيادة معدلات التحضر Urbanization، وبالتالي سيطرت المدن في معظم دول العالم على مظاهر النشاط البشري، وهو ما يعرف بالهيمنة الحضرية Urban Primacy
ظهرت منذ ما يقرب من 2000 سنة قبل الميلاد، المدن التجارية، ومن أبرزها مدينة فيلا كوبي Phylakopi على جزيرة ميلوس Milos إحدى جزر بحر إيجه ومدينة بيبلوس على ساحل الشام، واشتهرت بتجارة الأخشاب، وكذلك اشتهرت مدينة كريت في النصف الأول من الألف الثانية قبل الميلاد، وقامت شهرتها على التجارة البحرية خاصة مع مصر، وتبعتها في ذلك وفي القرن السادس عشر قبل الميلاد، عدة مدن يونانية وعلى ساحل الشام مثل صور وصيدا. وإلى جانب المدن الساحلية التي اشتغلت بالتجارة، قامت مدن داخلية تعرف بمدن القوافل، تقوم حلقة وصل بين مدن ساحل الشام وبلدان الشرق الأوسط، ومنها مدينة حلب Aleppo ودمشق Damascus، وتدمر Palmyra.
وقد ظهرت المدن المبكرة بين السنة 4000 إلى 3000 قبل الميلاد في منطقة الهلال الخصيب الذي كونه نهرا دجلة والفرات. وعُرفت بمنطقة ما بين النهرين Mesopotamia، وكانت هذه المدن مراكز دينية في الأصل وبعدها بمئات السنين ظهرت مدن وادي النيل ومن أبرزها مدينتا طيبة ومنف، ثم ظهرت مدن وادي السند في باكستان سنة 2300 قبل الميلاد، ثم تبعها ظهور المدن في أمريكا الوسطى ونيجيريا .
وفي سنة 450 قبل الميلاد، بدأ ظهور المدن الإغريقية المخططة، ومن أبرزها مدينة ميلتوس Miletus. التي أنشئت وفق خطة مكونة من شبكة الشوارع والبلوكات السكنية Grid - Street Block، تلتها المدن الرومانية، التي انتشرت في قارة أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين.
ومع ظهور الإسلام كون المسلمون إمبراطورية واسعة وازدهر العمران في ظل الدولة الإسلامية، وظهرت مدن ادت دوراً مهماً في نشر الثقافة وتقدم التجارة، ومن أبرز هذه المدن التي انشاها المسلمون فاس والرباط، وقرطبة، والنجف وكربلاء، كما أنشئت مدن عسكرية مثل البصرة، والكوفة، والفسطاط، والقيروان وظهرت العسكر ثم القطائع ثم القاهرة.
ونتيجة لتزايد أعداد السكان انتشرت المدن الكبرى بشكل كبير في القرن العشرين، فبعد أن كانت المدن المليونية التي يزيد عدد سكانها عن المليون نسمة لا يزيد عددها سنة 1870، على سبع مدن زادت إلى عشرين مدينة سنة 1900، ثم قفزت إلى 275 مدينة سنة 1990 ومن هذه المدن المليونية مدن نمت وتوسعت في بيئتها توسعاً كبيراً، واصبحت تكون مجمعات ضخمة Megalopolis وفي سنة 1970، كان هناك ثلاث مجمعات ضخمة بكل منها 10 مليون نسمة فأكثر، وهي مجمعة نيويورك وطوكيو، ولندن، زادت إلى 12 مجمعة حضرية سنة 1990، وهي مكسيكو سيتي، وساوباولو، ولوس انجلوس، ويمباي، وكلكتا، وأوزاكا، وبيونس ايرس وريودي جانيرو، ومنطقة الراين الرهر في المانيا، والقاهرة، وباريس وسيول.
ب ـ جغرافيا العمران الريفي
تنقسم جغرافية العمران إلى شقين كما سبقت الإشارة - يختص أحدهما بدراسة جغرافية المدن، ويهتم ثانيهما بدراسة جغرافية الريف، ويعد الاهتمام بدراسة جغرافية المدن أكثر وضوحاً، ويرجع ذلك إلى اتجاه سكان العالم نحو سكني المدن في مختلف الأقطار، يقابله تناقص في نسبة سكان الريف، مما يوحي بأن سكان العالم في طريقهم ليتحولوا جميعاً إلى سكان مدن.
ولا تظهر الفروق واضحة بين المدن والريف إلا في اقصى درجات كل منها، حيث يوجد في العادة استمرارية، ولا يوجد انتقال مفاجئ من احدهما إلى الآخر، ولكنه انتقال تدريجي بين الريف والحضر Urban Fringe - Rural، كما أنه ليس هناك تمييز واضح بين المحلات العمرانية الريفية سواء بين العزية Hamlet والقرية Village ، وبصفة عامة فإن القرية أكبر في الحجم من العزبة من حيث الكتلة السكنية والسكانية إضافة إلى أنه توجد بها وظائف ومراكز خدمية لا تتوافر في العزبة مثل مكتب البريد والمدرسة الإعدادية (المتوسطة).
وتنقسم مراكز العمران الريفي حسب النشأة إلى نوعين مراكز مؤقتة (غير مستقرة) وترتبط بالمجتمعات البدائية، مثل جماعات القنص والرعاة مثل جماعات الأسكيمو في النطاق القطبي، وجماعات الهنود الحمر في أمريكا الشمالية وجماعات البدو، ويرجع العمران غير المستقر إلى ظاهرة الانتقال الفصلي، ومراكز ثابتة وترتبط بمجموعة من العوامل الجغرافية، اهمها تزايد السكان في رقعة ما تتسم بتوافر البيئة الصالحة لإنشاء هذا النوع من المراكز، وهي تنقسم إلى قرى منعزلة وتوجد عادة حيث الملكيات الزراعية الواسعة، أو في المناطق التي لا تسمح فيها موارد المياه بوجود مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية أو في المناطق الجبلية، إذ تنتشر في الأقاليم الجبلية في حوض البحر المتوسط كما في لبنان، والجزائر والمغرب وقرى متكتلة، وهي تمتاز بكثرة عدد السكان وتنتشر في بيئات الحضارات الزراعية القديمة في السهول الفيضية، لذا فهي تنتشر في الريف المصري والعراقي والهندي، وغالباً ما تتركز المنطقة المبنية من القرية في كتلة واحدة، بينما تكون الأراضي الزراعية خالية من المساكن تقريباً.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في جغرافية المدن
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة