من الشبهات التي تثار به بوجه الاستدلال بهذه المجموعة من الايات هذه الشبهة إن هذا الاستدلال القائل بأن إيمان الناس وتقواهم يوجبان نزول البركات السماوية والأرضية ليس استدلالا تاما لأن الكافرين أو غير أهل الايمان والتقوى أيضا يتمتعون بالبركات السماوية والأرضية وليس لديهم أي نوع من المشكلات الاقتصادية؟
وجوابا على ذلك يجب القول إن هذه الايات تتحدث عن البركة والمال المبارك هو الذي يكون حلالا أولا وفي مسير السعادة والكمال الانساني ثانيا لا مطلق المال.
ويجب الانتباه أولا الى أنه طبقا لمبدأ تبيين الايات القرآنية لبعضها البعض يكون المقصود من آية (لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ...[1]) هو البركة لا مطلق التنعم لأن آية (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ...[2]) جعلت المعيار هو فتح البركة.
وثانيا أن (البركة) في لسان القرآن هي النعمة الخاصة لا أي نعمة يقول الراغب البركة ثبوت الخير الالهي في الشيء[3].
وثالثا أن فتح أبواب النعمة قد يكون أحيانا لتعجيل العذاب مثل: (...وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ[4]).
ورابعا أن مدعى البحث ليس حصر العلة أبدا بل إثبات الصلة بين عمل الانسان وحوادث العالم.
وتوضيحا لما ذكرناه عن الفرق بين البركة وغيرها نقول: إن مال صاحب المال أو قدرة المقتدر قد تكون أحيانا فخّاً إلهيا. وتنبيها من الله ودفعا لمثل هذه الشبهة وضمن اناطته اغداق البركات السماوية والأرضية بالإيمان والتقوى نبه الكافرين المرفهين والمتنعمين بأن امتلاكهم المال أو الإمكانات الرفاهية ليس دليلا على العناية الالهية بهم بل هي سنة الامهال والاستدراج بمعنى امهالهم كي يضاعفوا ذنوبهم وينالهم عذاب يذلهم وهم غافلون: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ[5]).
فالمال والقدرة والإمكانات الرفاهية في الحقيقة هي نقمة لهؤلاء لا نعمة: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ[6]).
ولبيان أصل المسألة أشار الله سبحانه الى سنة الامهال والاستدراج وقال إن من يكذب بآيات الله سنكمن له ونستدرجه درجة بعد درجة ونمهله وليعلم أن ما أعددناه له من كيد ومصيدة لا يمكن له الفرار منه: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ[7])، فكما أن الحبل المتين الالهي (لا انفصال له)، فكيد الله المتين أيضا كذلك.
بل إن هناك الكثير من الايات التي حذرت الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) باعتباره زعيما للأمة الاسلامية بألا ينخدع فيعجب بما يتمتع به الكافرون من تطور وازدهار في المجال الصناعي والتقني لأن ذلك ما هو إلا متاع قليل سرعان ما يزول بانقضاء الدنيا والاغترار به نتيجة النار وعذاب الله الدائم: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ[8])، كما ذكر ما يقرب من ذلك محذرا من الاعجاب بأموال الكافرين وأولادهم فقال: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ[9]). والآيات التي أشرنا اليها تدفع الشبهة المذكورة بأحسن أسلوب وأوضحه.
والجدير هنا أن نشير الى أن سنة الله في الدنيا تقوم على عدم امكان حصول الانسان على الرزق وعمران الدنيا دون جهد وسعي بل يجب تحمل المشاق الكثيرة للوصول الى ذلك ولا ينفي ذلك مسألة الاعجاز والكرامة والإمداد الغيبي اذ هذه قضية أخرى لاشك فيها. إن الله سبحانه الذي وصف خلق الانسان بقوله: (أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[10]) أقسم في آية اخرى أنه خلقه مقرونا بالمصاعب والمشاق: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ[11]). اذن فمثل هذا الانسان لا يمكن أن ينال النعيم أو الثروة ووسائل الراحة دون أن يدفع ثمن ذلك فكما كان عليه أن يبذل الجهد ليتمكن من تذليل الحصان الوحشي والتمكن من ركوبه يجب عليه أن يسير في مناكب الارض وجبالها كي يتمكن من الاستفادة من مصادرها وثرواتها لقد خلق الله الارض ذلولة منقادة لما يريده الانسان منها لكنه لم يجعل التسلط عليها سهلا ميسورا: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ[12]).
وهكذا فربما كان ما لدى الكفار من تطور اقتصادي وإمكانات رفاهية ثمرة من ثمار جهودهم بينما يحرم المسلمون من هذه المواهب المادية نتيجة لكسلهم وخمولهم.
لكن أولا يجب على أولئك الذين يمتلكون هذا المتاع المادي الدنيوي ألا يعتبروا ذلك دليلا على سعادتهم واهتمام الله بهم فينخدعوا بذلك لأن الثروة قد تكون أحيانا وبالا لا رفاها ونقمة لا نعمة.
وثانيا أن هؤلاء يجب ألا يكونوا سببا في اعجاب المؤمنين وانخداعهم فهذه الامور متاع دنيوي قليل وسريع الزوال وقيمة الانسان بإيمانه وتقواه لا بجماله الظاهري وما يتمتع به من وسائل الراحة التي هي أقصى طموح الحيوانات.
[1] سورة المائدة الاية 66
[2] سورة الاعراف الاية 96
[3] مفردات الفاظ القرآن ص119 (ب ر ك)
[4] سورة الانعام الايتان 43 و44
[5] سورة آل عمران الاية 178
[6] سورة المؤمنين الايتان 55 و56
[7] سورة الاعراف الايتان 182 و183
[8] سورة آل عمران الايتان 196و197