إنّ المعروف من عقيدة اليهود أنهم يمنعون النسخ سواء أكان في التكوين أم في التشريع. وقد استدلوا على امتناعه في التشريع بوجوه مذكورة في الكتب الأصولية أوضحها هو أنّ رفع الحكم الثابت لموضوعه إما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها ، وإما أن يكون من جهة البداء وكشف الخلاف على ما هو الغالب في نسخ الأحكام العرفية ، فالأول ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم. والثاني يستلزم جهله تعالى. وكلاهما ممتنع.
وأجيب عنه في الكتب الأصولية بما مثاله: إنّ النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة كما لا يلزم منه البداء المحال في حقه. لأن معنى النسخ ارتفاع الحكم المجعول المقيّد بزمان معلوم عند الله ومجهول عند الناس.
ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان لأجل انتهاء أمده الذي قيّد به ، وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها. ومن المعلوم أنّ للزمان دخالة في مناطات الأحكام فيمكن أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة في سنين ثم يخلو عن تلك المصلحة بعد انتهائها. وعندئذ ربما تقتضي المصلحة بيان الحكم من دون بيان حدّه مع أنّ المراد لبّا هو المحدود بالحد الزماني ، فالنسخ بهذا المعنى تقييد لإطلاق الحكم من حيث الزمان ، ولا يستلزم أحدا من التاليين المذكورين في الاستدلال.
واستدلّ اليهود على امتناع النسخ في التكوين (1) بأنّ قلم التقدير والقضاء إذا جرى على الأشياء في الأزل استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه.
وبعبارة أخرى : ذهبوا إلى أنّ الله قد فرغ من أمر النظام ، وجف القلم بما كان ، فلا يمكن لله سبحانه محو ما أثبت وتغيير ما كتبه أوّلا.
ويردّ عليهم سبحانه في بيان إمكان هذا النسخ في مجال التكوين بالآية التالية : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) (2). وعلى ذلك فإنّ الله سبحانه باسط اليدين في مجال التكوين والتشريع ، يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء لا يمنعه من ذلك مانع. وما تتخيله اليهود ، وما انتحلوه من أنّ الله قد فرغ من الأمر وانتهى من الإيجاد والتكوين فصار مكتوف اليدين ، مسلوب القدرة ، فتردّه هذه الآية وما سبقها من الآيات والأحاديث. وهذا هو القرآن الكريم يصرّح بكونه تعالى : (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (3).
ويقول أيضا : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (4). والآية مطلقة غير مقيدة بزمان دون زمان. ولأجل ذلك ينسب إلى نفسه كل ما يرجع إلى الخلق والإيجاد ويبين ذلك بصيغ فعلية استقبالية دالة على الاستمرار ، وناصّة على أنّ الفيض والخلق والإيجاد والتدبير بعد مستمر.
يقول سبحانه : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ) (5).
فالأفعال المتعددة الواردة في هذه الآية أعني قوله : «يزجي» ، «يؤلف» ، «يجعل» ، «يخرج» ، «ينزل» تكشف عن كونه كل يوم هو في شأن وأنّ أمر الخلق والإيجاد والتصرف بعد مستمر ولم يفرغ منه سبحانه كما تدعيه اليهود.
وقد حكى سبحانه عقيدة اليهود بقوله : (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ...) (6).
فقول اليهود : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) يعكس عقيدتهم الكلية في حق الله سبحانه ، وأنّه مسلوب الإرادة تجاه كل ما كتب وقدّر وبالنتيجة عدم قدرته على الإنفاق زيادة على ما قدّر وقضى.
فردّ الله سبحانه عليهم بإبطال تلك العقيدة أوّلا بقوله : (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ). وثانيا بقوله : (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ). ولأجل ذلك فسّر الإمام الصادق الآية المذكورة بقوله:
«إنّ اليهود قالوا : قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص. فقال الله جل جلاله تكذيبا لقولهم: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) (7).
إلى هنا تبين أنّ القول بتغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة يوافق الكتاب والسنة. والقول بأنّ المقدر لا يتغير وأنّ الله فرغ من الأمر يوافق قول اليهود.
والعجب أنّ بعض العقائد اليهودية تسربت إلى المجتمعات الإسلامية في بعض الفترات ، فهذا عبد الله بن طاهر دعى الحسين بن فضل وقال له : أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي ... قوله تعالى : (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) وقد صح أنّ القلم قد جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة.
فأجاب الحسين ـ متأثرا بالعقيدة اليهودية ـ بقوله : (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فإنها شئون يبديها لا شئون يبتدئها» (8).
وهذه العبارة من المسئول تكشف عن تسرب عقيدة اليهود إلى تلك الأوساط. وهو باطل بنفس الآية لأن معناها أنّه يحدث الأشياء ويبتدئ بها لا أنّه يبديها بعد ما ابتدأها في الأزل. ويظهر ذلك جليا بالمراجعة إلى الأحاديث التي نقلناها عن الصحاح حول القدر ، فإن مضامينها تطابق هذه النظرية ، وتعرب عن أنّ القدر في نظر هؤلاء عامل حاكم على كل شيء.
______________
(1) الذي يراد منه في مورد الإنسان أنّه مخيّر في حياته ، غير مسيّر ، وأنّ له تغيير مصيره بتغييره مسيره على ما تقدّم.
(2) سورة الرعد : الآية 39.
(3) سورة الرّحمن : الآية 29.
(4) سورة الأعراف : الآية 54.
(5) سورة النور : الآية 43.
(6) سورة المائدة : الآية 64.
(7) التوحيد ، باب معنى قوله عزوجل (وَقالَتِ الْيَهُودُ) ، الحديث الأول ، ص 167.
(8) الكشّاف ، ج 3 ، ص 189. تفسير سورة الرّحمن.