إنّ القرآن الكريم يصف الكائنات السّماوية والأرضية بأنّ لها «أجلا» و «أجلا مسمى». فما هو المراد منهما؟.
إنّ «الأجل» بلا قيد هو التقدير الموقوف. «والأجل المسمى» هو المحتوم. وإليك بيانه:
قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (1).
قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (2).
إنّ الله سبحانه جعل للإنسان في هاتين الآيتين أجلين مطلقا ومسمّى ، كما أنّه جعل للشمس والقمر أجلا مسمّى ، قال سبحانه : (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) (3). ومثله في سورة الزّمر المباركة ، الآية الخامسة. وإليك توضيح مفهوم الأجلين بالمثال التالي :
إذا وهب الله تعالى لأحدنا ولدا وأجريت عليه مختلف الفحوص الطبية بحيث اطمأن الأطباء أنّ باستطاعة هذا الوليد أن يحمل أعباء الحياة إلى مائة سنة ، فمن الواضح أنّ معنى هذا ليس أكثر من «الإمكان» أو «الاقتضاء». وليس معناه أنه يعيش هذه المدة كيفما كان ، وفي أي وضع كان ، بل هو مشروط بشروط عديدة ، منها استمرار صحته وعدم عروض مانع لاستمرار بقائه ، حتى تصل هذه القابلية من القوة إلى الفعلية. وإلّا فربما يموت قبل أن يصل إلى تلك المدة.
وعلى ضوء هذا فللطفل من يومه الأول أجلان :
1 ـ أجل مطلق ، وهو إمكانه واقتضاؤه للبقاء ، وقابليته الجسمية لمدة مائة سنة من العمر. وحيث إنّ لاستمرار البقاء في هذا الكواكب سلسلة من الشرائط والمقتضيات ، ولا يعلم بالجزم واليقين تحققها ، يكون هذا أجلا مبهما لا محتوما ومبرما.
2 ـ أجل محتوم ، وهو مقدار عيشه حسب تحقق شروطه في الواقع ونفس الأمر ، أو عدم تحققها. وهذا هو الذي لا يقف عليه إلّا الخبير والمحيط بالعالم وتحقق الشرائط وعدمها وما يعرض على الطفل في مسير حياته ، وليس هو إلّا الله سبحانه. إذ هو الذي يعلم ما يعرض للطفل مما يوجب طول حياته أو قصرها.
وهذا تقدير مقطوع به بعيد عن أي إبهام وترديد.
وقد عبّر القرآن الكريم عن الأول بالأجل ، الشامل بإطلاقه للموقوف والمحتوم والممكن والمتحقق ، وعن الثاني بالأجل المسمّى ، الشامل لخصوص المحتوم ، وخصّ العلم بالأجل المسمّى بنفسه تعالى ، دون العلم بالأجل المطلق ، فقال : (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ). ولأجل أنّ شرائط الحياة للإنسان تختلف حسب توفر الشروط وعدمها جعل للإنسان أجلين ، مع أنه لم يجعل للشمس والقمر إلّا أجلا واحدا وهو الأجل المسمّى.
وإلى الأجل المسمى يشير قوله سبحانه : (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (4).
وإلى ما ذكرنا من التفسير يشير الإمام الصادق بقوله : «أجل مسمى ؛ وهو قوله تعالى : (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) وأجل غير مسمى يتقدم ويتأخر»(5).
وقال (عليه السلام) أيضا في تفسير قوله سبحانه : (ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ).
قال : «الأجل الذي غير مسمى موقوف يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما شاء ، وأما الأجل المسمى فهو الذي ينزل ممّا يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل ، فذلك قول الله : (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)» (6).
وقد فسّر غير واحد من المفسرين كلا الأجلين بما ذكرنا ، وذكر الرازي الوجه المروي عن حكماء الإسلام وقال :
«إنّ لكل إنسان أجلين أحدهما : الآجال الطبيعية والثاني الآجال الاخترامية. أما الآجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصونا عن العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني. وأمّا الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بالأسباب الخارجية كالغرق والحرق وغيرهما من الأمور المنفصلة» (7).
وقال العلّامة الطباطبائي : «إنّ الأجل أجلان : الأجل على إبهامه ، والأجل المسمى عند الله تعالى. وهذا هو الذي لا يقع فيه تغيير لمكان تقييده بقوله «عنده» ، وقد قال تعالى : (وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ). وهو الأجل المحتوم الذي لا يتغير ولا يتبدل ، قال تعالى : (إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (8). فنسبة الأجل المسمى إلى الأجل غير المسمى ، نسبة المطلق المنجز إلى المشروط المعلق ، فمن الممكن أن يتخلف المشروط المعلق عن التحقق لعدم تحقق شرطه الذي علّق عليه ، بخلاف المطلق المنجز ، فإنه لا سبيل إلى عدم تحققه البتة.
والتدبّر في الآيات يفيد أنّ الأجل المسمى هو الذي وضع في أم الكتاب ، وغير المسمى من الأجل هو المكتوب فيما نسميه ب «لوح المحو والإثبات».
وبتعبير آخر : إنّ أم الكتاب قابل الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى أسبابها التامة التي لا تتخلف عن تأثيرها ، ولوح المحو الإثبات قابل الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب الناقصة التي ربما نسميها بالمقتضيات التي يمكن اقترانها بموانع تمنع من تأثيرها» (9).
نعم ، يقع السؤال عن نكتة ذينك التحديدين ، وأنه إذا كان الأجل غير المسمى يختلف مع المسمى غالبا ، فأي فائدة في ترسيمه؟.
ولكن الإجابة عنه واضحة ، وهي أن ترسيمه يثير النشاط في المجتمع الإنساني حتى يقوم بتهيئة الشرائط ورفع الموانع للبلوغ إلى ذلك الأجل والعمر الطويل الذي حدّدوه بمائة وعشرين سنة.
أضف إلى ذلك أنّ هذين الترسيمين نتيجة ارتباط أجزاء الكون وتأثيره في الوجود الإنساني فإن التركيب الخاص للشخص الإنساني وإن كان يقتضي أن يعمّر العمر الطبيعي ، وهذا يقتضي تحديدا له من حيث هو نفسه ، ولكن بما أنّ أجزاء الكون مؤثرة في حياة الإنسان ، فربما تفاعلت الأسباب والموانع التي لا نحصيها ولا نحيط بها ، فأدى إلى حلول أجله قبل أن ينقضي الأجل الطبيعي وهو المسمى بالموت الاخترامي. وليس يختص الاخترامي بالحوادث المنفصلة كالموت والحرق كما عليه الرازي في تفسيره ، بل يعم فقدان شرائط الحياة ، وسوء التغذية ، وهجوم الغصص والحوادث النفسية المؤلمة.
_____________
(1) سورة الأنعام : الآية 2.
(2) سورة غافر : الآية 67.
(3) سورة الرعد : الآية 2.
(4) سورة الأعراف : الآية 34 وسورة النحل : الآية 61.
(5) أصول الكافي ، ج 1 ، ص 71.
(6) البحار ، ج 4 ، ص 116 ، الحديث 44. ولاحظ الأحاديث 45 و 46 و 47.
(7) مفاتيح الغيب للرازي ، سورة الأنعام ، آية 2.
(8) سورة يونس : الآية 49.
(9) الميزان ، ج 7 ، تفسير سورة الأنعام ، الآية الثانية ، ص 9.