ماهية الخبر الصحفي:
الخبر في لغتنا العربية: واحد الأخبار، وهو: «ما أتاك من نبأ عمّن تستخبر».
1. والخبر النبأ، والجمع أخبار... و "أخابير" جمع الجمع.
2. وخبره بكذا، أخبره: نبأه.
3. واستخبره سأله عن الخبر، وطلب أن يخبره ويقال تخبرت الخبر واستخبرته ومثله، تضعفت الرجل واستضعفته، وتخبرت الجواب واستخبرته، وتخبرت الجواب واستخبرته.. والتخبر يعني السؤال عن الخبر... وفي حديث الحديبة: أنه بعث عينًا من خزاعة يتخبر له خبر قريش؛ أي يتعرف ويقال تخبر الخبر واستخبر إذا سأل عن الأخبار ليعرفها.. ويقال من أين خبرت هذا الخبر؛ أي من أين علمت؟ وقولهم: لأخبرن خبرك؛ أي لأعلمن علمك.
4. يقال: «صدق الخبر الخبر».
فكل ما ورد هنا من تعريف لغوي قد صدر من لسان العرب لابن منظور أما ما ورد في المعجم الوسيط فيذهب إلى أن الخبر..
- الخبر ما ينقل ويحدث به قولاً وكتابة.
- وعند المناطقة، قول يحتمل الصدق والكذب لذاته.
- وفي معجم ألفاظ القرآن نجد أن استخدام «النبأ» استخدامًا دقيقا، يفتح مغاليق التعاريف، ويتكرر أكثر من مرة:
- نبأه بالشيء: أخبره به، وذكر له قصته.
- ويقال: نبئني هل تزورني غدًا ونبي عليا أنه لعلي القدر.
- «نبأت»: «فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض» 3/ التحريم.
- «نبأتكما»: «قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله» 37/ يوسف.
- «نبأنا»: «قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم، فقد نبأنا الله من أخباركم»؛ أي شيئا من أخباركم، أو أخباركم على زيادة من 94/ التوبة.
- «نبأني»: "قالت من أنبأك قال نبأني العليم الخبير" 3/ التحريم.
إن ما ورد في ألفاظ الآيات القرآنية الكريمة تحديدات جامعة مانعة تيسر لها سبيل الفهم، وتضيء معارفنا الحديثة التي تعد الخبر - النبأ، جزءًا من طبيعة الحياة، طالما وجد رجل يقول: وآذان تسمع.
إن الخبر - النبأ عند المحدثين تقرير عن حادث يستطيع القارئ، أو جمهور وسائل الإعلام أن يفهمه، وهو عندهم أيضًا: كل جديد يهم أكبر عدد ممكن من الناس، ويذهب "ولزلي وكامبل" إلى أن الخبر تقرير عن فكرة أو حادث، أو صراع له صفة الحالية، أو الجدة ويهم المستهلكين (جمهور وسائل الإعلام). وهناك من يقول: "إن الأخبار هي بعض أوجه النشاط الإنساني التي تهم الرأي العام وتوجهه وترشده وتسليه وتعلمه أو الخبر إيراد لحادث وقع حالاً يبعث على اهتمام جمهور المستقبلين لوسيلة الإعلام، ليعلم هذا الجمهور ما يريد، بشرط ألا يخالف الخبر قواعد الذوق وقوانين خدش السمعة، وكلما أثار الخبر مزيدا من التعليقات زادت أهميته" و "الخبر هو كل ما تلوكه ألسنة الناس" وهو "سرد صحيح موقوت لأحداث وكشوف وآراء وأمور من أي نوع تؤثر في القراء أو تثير اهتماماتهم"، والخبر "هو كل ما حدث من أمور ، وكل ما توحي به الأحداث، وكل ما يترتب على مثل تلك الأحداث".
وقد قال: «اللورد نور تكيف»- منشئ الصحافة الإنجليزية - إن الشيء الوحيد الذي يساعد على زيادة توزيع الجريدة هو الخبر، والخبر هو كل ما يخرج عن محيط الحياة العادية المألوفة، ويكون مدار حديث العامة والخاصة.
ومهما يكن من شيء فنحن إذ ننظر إلى الصحافة الحديثة ندرك بوضوح أن أهم العناصر الأساسية لصحيفة من الصحف هي:
أولاً: الخبر.
ثانيا: المقال.
ثالثا: التقرير.
فالخبر هو الوظيفة الأولى للصحف والمهمة الأساسية لها، والمقال تأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد الخبر؛ لأنه كثيرًا ما يكون تعليقا على هذا الخبر، أو بيانًا لمغزاه السياسي أو الاجتماعي، أو الثقافي ونحو ذلك.
والقارئ الحديث لا يكتفي بأن يعرف الخبر؛ بل يتوق دائما إلى معرفة معناه، ومقدار تأثيره في المجتمع، وإن كانت حاجة الطبقة التي تمثل الرأي المنقاد في الأمة إلى قراءة المقال أشد من حاجة الطبقة التي تمثل الرأي النابع بها، ومع ذلك لا تجد هذه الطبقة المنقادة من يقرأ المقال في الجريدة.
وإذن فعلى الصحافة الحديثة واجب عظيم في العصر الحاضر هو توجيه الأمة عن طريق المقال توجيهًا صحيحًا في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعليها كذلك واجب آخر لا يقل عن الأول في الأهمية. هو تثقيف الشعب نفسه تثقيفا يعينه على المشاركة القوية في الحياة السياسية والحياة الاجتماعية والحياة الاقتصادية وطريق ذلك كله هو المقال، وهنا يجوز لنا أن نستطرد قليلاً لنقول عن صحف الرأي: إنها نوعان مصحف مستقلة، وصحف حزبية.
والاستقلال في الصحافة ليس معناه الحياد، والوقوف موقف المتفرج حيال المشكلات العامة في المجتمع، لا تبدي الصحيفة فيها رأيًا، ولا تعبر عن فكرة، وإلا أثر ذلك في انتشارها، وربما أفضى إلى موتها واندثارها.
وأما الصحف الحزبية فهي التي تعبر عن آراء حزب معين، وتفرض على نفسها اتجاها معينا، ومع ذلك لا ينبغي أن تسرف الصحف الحزبية في الدعاية.
نعرض هنا مثالا يظهر أن الصحف حينما تسرف في عرض دعايتها الحزبية فإنها لا محالة صحف زائلة تنتظر لحظة ذبولها، مثلاً خذ جريدة الديلي هرالد الإنجليزية وهي جريدة حزب العمال في انجلترا، فقد كانت في أول أمرها تملاً كل صفحاتها بالدعاية لحزبها، فسرعان ما منيت بالفشل، وقل انتشارها إلى درجة لا تحتمل، فلم يكن في مجلس الإدارة إلا أن اجتمع وقرر ألا تزيد نسبة الدعاية الحزبية في الصحيفة عن عشرة في المائة، وفي النسبة الباقية من هذه الجريدة تنتشر الموضوعات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مما يعنى به الجمهور عناية كاملة.
وهناك أمران يتصلان اتصالاً قوياً بما للخبر من خطورة كبيرة في الصحف، أما أول الأمرين فهو الحاسة السادسة، التي لا بد منها للصحفي، حتى يكون أقوى من غيره من الناس فهما لقيمة الخبر، وتقديرًا لأهميته، ويكون أعظم قدرة على التمييز بين خبر جدير بالنشر وآخر لا يستحق هذه الصفة. والحق أنه مثلما يمتاز الشاعر بأنه رجل مرهف الحس أكثر من غيره من الناس؛ فهو إذا فرح كان فرحه أكثر من فرحهم، وإذا حزن كان حزنه أشد من حزنهم، وهو إذا انفعل بالأحداث، كان انفعاله بالأحداث أعمق، وهكذا.
فكذلك ينفرد الصحفي بقدرته على فهم الأحداث الجارية، والتمييز بين الأخبار العامة ومن الخطأ كل الخطأ - مثلما يقول الصحفيون المجربون القول بأن الأنباء إنما تولد من غير أن نشعر بها، فإن هذه الحاسة الصحفية – أو الحاسة السادسة التي نتحدث عنها هي التي ترشد الصحفي دائمًا إلى أهمية الخبر من ناحية، وإلى المصادر الصحيحة التي يستقي منها الخبر من ناحية ثانية.
وأما ثاني الأمرين اللذين يتصلان اتصالاً وثيقاً بالخبر من حيث هو: قدسية الخبر وواجب الصحف نحو الأخبار، وإنما هو الواجب الذي يمليه عليه الشرف، وتحض عليه الأمانة والنزاهة، وهذا الواجب هو نقل الأخبار نقلاً صحيحا، وتسجيل المعلومات المتصلة بهذه الأخبار تسجيلاً صحيح كذلك. فلو قدر للصحفي أن الخبر هو الأساس الأول لكل ما يكتب في الصحف من تعليق، وعمود، وطرائف، وحديث، وتحقيق ونحو ذلك، ولو قدر للصحفي أن الخبر هو الأساس الأول لكل تصرف يبدو من جانب الحكومة، أو الأفراد، أو الهيئات أو الشعوب لو قدر للصحفي كل ذلك لأدرك أن عليه واجبًا لا مفر من أدائه، وهو تحري الصدق والأمانة في الحصول على أخبار من مصادرها الصحيحة، ثم المحافظة التامة على سرية هذه المصادر، حتى رأى أصحابها ذلك. ثم الأمانة الكاملة في نقل الخبر ذاته، ومعنى ذلك أنه لا ينبغي للصحيفة - حرصاً منها على ما يسمى بالسبق الصحفي أن تستهين بهذه الأمانة، أو تعبث بسرية الأخبار.
واستنادا لذلك يورد عبد العزيز شرف هذا المثال ليوضح ما سبق طرحه أنه حدث في أمريكيا أن اختطف طفل رضيع من عربته الصغيرة ووضع الخاطف ورقة صغيرة يطلب فيها الفدية، وأبلغ الحادث أن البوليس الذي رأى من المصلحة إذ ذاك عدم إذاعة الخبر إلى أن يعاد الطفل إلى والديه، ووعدت الصحف بعدم النشر، إلا صحيفة واحدة رأت في الموضوع خبرًا مثيرًا للقراء فنشرت الخبر، وتبعتها الصحف الأخرى في ذلك بعد أن أصبح الخبر معروفاً، وكان من أثر ذلك أن فشلت خطة رجل البوليس، وعثر على الطفل، الذي كان وحيد والديه بعد أيام جثة هامدة، وضاع كل أثر من آثار هذه الجريمة، وهكذا أفسد هذا السبق الصحفي، الذي حرصت عليه الصحيفة خطة البوليس للتعرف على الجناة، وانحطت قيمة الصحيفة، التي سعت إلى ذلك.
ونحن إذ نعرف الخبر ونعرف جوهره، حينها ندرك ما لأهمية هذا التعريف من قيمة في كل المراحل التحريرية التي يتعرض لها إلى أن يصل إلى الفن الذي يميزه عن فنون التحرير الأخرى. إن إدراك المحرر لمفهوم الخبر قد يظهر بعض الإجراءات، التي لابد للمحرر أن يعيها أولاً لتشكل بمجموعها النهج في التحرير ابتداء بجمع المادة وانتهاءً بوضع آخر اللمسات التي تسبق بقليل نشر الخبر عبر الوسيلة الإعلامية التي يرغب المحرر نشر خبره عبرها.
وبالتالي، هل حرص المحرر على فهم الخبر وجوهره، له صلة ما بطريقة اختيار الخبر الذي ينشر في الجريدة؟ والحق مثلما هو واضح للعيان أن أغلب الصحف تختلف في طعومها ومشاربها لدى القارئ باختلاف فهمها للخبر من حيث هو:
فهناك صحيفة من الصحف ترى أن حوادث الجريمة وأخبارها أهم من سواها من الأخبار والحوادث، ولذلك تختار لهذه الأخبار أحسن الأمكنة في الصحيفة، وهناك جريدة أخرى ترى أن الأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل أولى بالنشر عما عداها من الأخبار الأخرى، ولذلك تتوخى الأماكن الجذابة في الجريدة، وتخص بها هذه الأخبار الكبيرة أو الصغيرة، واختلاف الصحف في تقدير الأخبار على هذه الصورة - هو المؤثر الحقيقي في اتجاهات الشعب واتجاهات الحكومة، فكثيراً ما تؤثر في الصحف من ناحيتين هما:
- ناحية اختيار الأخبار.
- ناحية التوزيع والانتشار.
وهكذا يصبح اختيار الأخبار عملاً مهما في نظر الحكومات، ونظر الشعوب، معًا، كما سبق القول في ذلك، ومن أجل هذا وجب أن يدرس الصحفيون موضوع "تعريف الخبر" دراسة جيدة، ويكونوا لأنفسهم رأيًا واضحا في هذه المسألة. الخبر الصحفي هو الجديد الذي يتلهف القراء إلى معرفته والوقوف عليه بمجرد صدوره في الجريدة، ومعنى ذلك أن أحسن الأخبار الصحفية هو ما أثار اهتمام أكبر عدد ممكن من القراء.
هذا التعريف للخبر الصحفي هو ما ذهب إليه ويلارد بلاير (Willard Beer) في كتابه الصحافة وتحريرها. وذهب أستاذ آخر هو وليم مولسبي William Maulsby في تعريف الخبر الصحفي إلى أنه وصف أو تقرير دقيق غير متحيز للحقائق المهمة حول واقعة جديدة تهم القراء، لهذا تبقى أن تتوفر للخبر خصائص الدقة والإثارة والتجاوب مع الوقت والوضوح التام، ونحو ذلك.
وهناك تعريف آخر ثالث للخبر الصحفي يمثل الناحية الواقعية أو العملية Pragmatic للصحيفة، وهو تعريف ماكدوجل Mac Donegal، وفيه يقول: الخبر الصحفي تقرير عن حادث معين ترى الصحيفة في نشره وسيلة للربح المادي. وثم تعريف للأخبار يقول إنها: أي حادث أو فكره، أو رأي ابن ساعته يمكنه أن يفهم، أو يؤثر في عدد كبير من الأشخاص في مجتمع ما ويكون مفهوماً منهم.
لورنس كامبل، وولسلي في كتابهما «Exploring Lournsliam» فيذهبان إلى أن الخبر وصف أو تقرير عن حادث أو موقف أو فكرة تنشره الصحيفة؛ لأنه يهم القراء؛ ولأنه يدر الربح على الناشرين.
ويقول كارل وارين في وصف الأخبار الصحفية أنها في بعض وجوه النشاط الإنساني الذي يهم الرأي العام ويسلبه، ويضيف إلى معلوماته جديدا، وتفسير ذلك: إن الذي تعتبره موسكو خبرًا ربما كان شيئًا تافها في بلاد الهند وأن المادة التي تهتم بها صحيفة المحافظين في إنجلترا تلقي بها صحيفة الأحرار في سلة المهملات.
وبوجه عام فإن «الأخبار هي كل شيء لم تعلم به أم». ومعنى ذلك إن تعريف الخبر الصحفي أمر ليس بالهين، فقد عقدت مجلة كوليير الأسبوعية الأمريكية ندوة جمعت إليها عدد كبيرًا من محرري الصحفي في أمريكا؛ لكي يمدوا المجلة بتعريف صحيح للخبر الذي ينشر في الصحف، ولكن أعضاء الندوة اختلفوا اختلافا كبيرًا في ذلك.
فظهرت المجلة وفيها عدد كبير من التعريفات، منها على سبيل المثال:
- «الخبر هو كل ما يهم القراء أن يعرفوا عنه شيئًا ما».
- «الخبر هو كل شيء يرغب عدد كان من الناس في قراءته بشرط ألا يكون خارجاً على قواعد الذوق العام، وقوانين السب والقذف».
- «الخبر هو كل شيء يحدث ويهتم به الناس».
- «الخبر هو كل ما قد يتحدث عنه الناس، وكلما كان الاهتمام الذي يثيره فيهم أكبر، كانت قيمته أعظم».
- «الخبر هو الاستطلاع الدقيق للأحداث الإنسانية، والكشوف والآراء التي تهم الناس وتؤثر فيهم».
- «الخبر كل ما يحدث وكل ما توحي به الأشياء، وكل ما ينجم عنها».
- «الخبر هو الوقائع الأساسية التي تتعلق بأي حدث أو مناسبة أو فكرة تستحوذ على اهتمام الناس وتوثر على الحياة وعلى السعادة البشرية».
- «الخبر قائم في أساسه على الناس، ويجب ألا يكون محدوداً بما يعينهم وما يرضيهم دائما».
- «الخبر كل ما يتعلق بالصالح العام، وكل ما يهم القراء، أو يترك أثراً في علاقاتهم ونشاطهم وآرائهم وأخلاقهم وسلوكهم».
- «الخبر هو الذي تقول الصحيفة عنه أنه خبر».
ويرى عبد اللطيف حمزة أن النتيجة من كل هذه التعاريف تشير إلى أن الخبر الصحفي مادة من أهم مواد الصحيفة، وأنها تهم القراء من جانب وتهم الصحيفة من جانب آخر، وأنها تعد مورداً من مواد الثروة للصحف.
والحق أن الأخبار لم تعد حاجة من حاجات الصحف وحدها، وإنما أصبحت حاجة من حاجات الأمة كلها، ولذلك اتخذت الأخبار مكانها الممتاز في جميع وسائل النشر، ومنها الصحف والإذاعة والتلفزيون والسينما... الخ.
لقد حدث أن أضرب العمال في إنجلترا حوالي سنة 1930 فاضطرت الحكومة إلى وقف إصدار الصحف، ولكنها أي الحكومة - لم تجد مفراً من إذاعة الأخبار على الجمهور، فأصدرت باسمها نشرة إخبارية أطلقت عليها اسم "الجازيت البريطانية Britanic Gazette". ودلت بها النشرة على أن مسؤولية الإعلام - من حيث هي - تعد إحدى المسؤوليات التي تقع على عاتق الحكومات.
وأن هذه الحكومات والشعوب التي تخضع لها لا تستغني عن الخبر بحال ما، وإلا أحست بنقص ظاهر في حياتها لا يمكنها أن تعبر عليه ومن أجل هذا أثر عن عملاق الصحافة الإنجليزية «اللورد نور ثكيلف» أنه قال: «الشيء الوحيد الذي يساعد على زيادة توزيع الجريدة هو الخبر، والخبر هو كل ما يخرج عن محيط الحياة العادية المألوفة، ويكون مدار حديث العامة والخاصة».
ومن ثم كان للخبر أهميته، وأصبحت رسالة الصحفي تنحصر أو تكاد، تنحصر في جمع الأخبار بأمانة، وسردها ونشرها بأمانة، ثم التعليق عليها بأمانة حتى أن الصحفي الذي يخل يوماً بهذه الأمانة يصبح في نظر الحكومة والجمهور أشبه بالصانع الغشاش، أو التاجر المطفف، أو المعلم الذي هان عليه العبث بشرف المهنة.
وهنا يعود الباحث ليواجه المشكلة مرة أخرى وهي إلى أي حد يجب أن يتصف الصحفي المسؤول بالأمانة التامة حيال الخبر الذي ينشره في الجريدة؟ هل يحق له أن يساير عواطف الجماهير، فيعمد من أجلهم إلى نشر الخبر حينا، وإلى تشويهه حينا آخر، حتى يصبح الخبر متفقاً والرأي العام.
والصحيفة ليست إلا عقداً اجتماعيًا بين ناشريها من جهة، وقرائها من جهة ثانية، وفي هذا العقد الاجتماعي اتفاق بين هذين الطرفين على أمور كثيرة، من أولها أداء هذه الأمانة. وهذا الاتفاق الضمني مثلما يقول: «ويكهام استيد» في كتابه المعروف في الصحافة - أنه من نوع العلاقة الصحفية التي الطبيب والمرضى مع فارق واحد، هو أن رجال الطب يعملون طبقًا لنظام خاص، بينما الصحافة لا تزال مهنة حرة لا تخضع إلا لعدد محدود من القيود الخارجية، ومن القيود الداخلية.
وباختصار شديد يجب على الصحفي أن يدرك أن الخبر ليس ملكا له، ولا ملكاً للصحيفة التي يعمل بها، ولا ملكًا للرأي العام، ولكنه ملك للحقيقة فقط.
وتبدأ مرحلة تحرير الخبر في سبيل الحصول عليه، إذ تبدأ الجريدة بتحصيلها للأخبار الداخلية عادة بطريق المخبرين والإدارات المختلفة، وتجعل كل واحد منهم مختصاً بمصلحة أو وزارة أو إدارة، ونادرًا ما يقع الخبر على موضوع يكتبه من تلقاء نفسه، فإن تسعة أعشار الأعمال التي يقوم بها لا المخبر الصحفي يكلف بها من قبل رئيس قسم الأخبار، وهو الشخص المكلف من قبل الجريدة بوضع خطة يومية يسير عليها المخبرون، تكون مبنية على الحس الصحفي الدقيق عند هذا الأخير، فبهذا الحس الصحفي، يستطيع أن يعرف بواطن الأخبار الجديرة بالنشر في الصحيفة التي يعمل بها، ومع هذا وذاك، قد يحدث أن يجد المخبر في طريقه شيئًا يستحق الإخبار عنه، وإذ ذاك يتجه إلى أقرب هاتف، ويبادر إلى تبليغ الجريدة هذا الخبر الذي عثر عليه بطريق المصادفة ، ثم يعود إلى تنفيذ الخطة التي وضعها له رئيس قسم الأخبار، ومعنى ذلك أن المصادفة تلعب دورها أحيانًا في الحصول على الخبر، وفي السبق الصحفي إلى هذا الخبر، وكثيراً ما تربح الجريدة ماديًا من وراء ذلك.
ويضيف عبد اللطيف حمزة قائلاً: أن هذا كله من حيث الأخبار الداخلية، أما الأخبار الخارجية فتأتي إلى الصحف عن طريق وكالات الأنباء، أو عن طريق المراسلين الخارجيين للصحيفة في مختلف الأنحاء ولكل صحيفة قسم خاص بالمترجمين الذين يتولون ترجمة هذه الأخبار ليعيد سكرتير التحرير أو من يقوم مقامه إذ ذاك قراءتها، ويحدد مكانها في الجريدة، وأخيرًا يعرض الأخبار الخارجية على رئيس التحرير لعله يجد فيها ما يستحق التعليق بكلمة خاصة، هي في الغالب كلمة الجريدة، أو ما يسمى بـ(المقال الافتتاحي) أو (العمود الرئيس) فيها.
ولا خلاف إذن أن وكالات الأنباء هي المصدر الرئيس لجميع الأخبار الخارجية، التي تنشر في صحيفة من الصحف، ولكن إلى جانب هذا المصدر الرئيس يجد هناك مصادر أخرى.
فمن ذلك القسم الإذاعي للصحيفة، فقد تصنع المحطات الخارجية نبأ له أهمية خاصة، فإذا صادق أن سمعه بعض رجال الصحيفة، وسارع في تسجيله وتوصيلة إلى قسم الأخبار، فإنه يكسب لصحيفته سبقاً صحفيًا.
ومن تلك المصادر بعض الشخصيات الكبيرة التي يلتقي بها الصحفيون بطريقة المصادفة، ويستطيعون الحصول منهم على بعض الأخبار المهمة، وقد تكون الشخصيات الكبيرة: سفراء لدولهم في البلاد الأجنبية، ورجال السلك السياسي حتى أمكن للصحفي أن يحصل منهم على معلومات أو أخبار مهمة، وقلما يتمكن الصحفيون من ذلك في الحقيقة.
ويمكن أن نذكر المصادر الرئيسة هنا للحصول على الخبر فنجملها فيما يأتي:
- مندوب الأخبار في الصحيفة.
- مراسل الصحيفة في الداخل، ومراسلها في الخارج.
- وكالات الأنباء المحلية والدولية أو العالمية.
- وكالات الأعمدة الصحفية.
- المتطوعون بالأخبار من أصدقاء المحرر أو المخبر وغيرهم.
- أماكن الشرطة أو (نقط البوليس).
- دور الخدمة، وبها (إدارات في الشؤون العامة) الخاصة بإعطاء الأخبار.
- المؤسسات العامة، وفيها كذلك إدارات الشؤون أو العلاقات العامة.
- ومن عمل هذه الأخيرة إعطاء الأخبار الخاصة بالمؤسسة.
- المحاكم على اختلافها.
- الشخصيات العامة أو الكبيرة في المجتمع.
- الاجتماعات العامة والنوادي العامة، ونحو ذلك.
- المؤتمرات الصحفية على اختلاف أنواعها.
- المصادفة في الطريق العام.
والمهم أن الصحفي هو الذي يدعم المصادر الروتينية بمصادر ذاتية أو شخصية، ولا يتيسر هذا التدعيم إلا عن طريق الصداقات والعلاقات الطيبة بالشخصيات الكبيرة، التي يمكن أن تكون مصدرًا للخبر، ويمكننا في هذا المقام أن ننظر إلى مرحلتين يمثلهما كل من المخبر والمراسل.