وفي السنة 17 بعد الميلاد، حوَّل طيباريوس قبدوقية من مملكة حليفة إلى ولاية؛ ليقوِّي بذلك الدفاع عند الفرات، وكانت قبائل طوروس الغربي لا تزال جامحة، فظهرت في السنة 43 ولاية جديدة مؤلفة من ساحل ليكية وبمفيلية في جنوب آسية الصغرى.
وتبنى الأقربون خطة أوغوسطوس في معاملة البرت والأرمن، فاقتصدوا كل الاقتصاد في المجهود الحربي، وكادوا يهملون في بعض الأحيان الاهتمام بسير الحوادث في برتية وأرمينية، وكان — ومن حسن حظهم — أن ملوك البرت قابلوا هذا الإهمال بشيء كثير من التردد وقلة الحزم والعزم، وعند وفاة أوغوسطوس كانت سلطة أرتبانوس الثالث ملك البرت لا تزال غير موطدة، وكانت أرمينية قد دخلت في دور من الفوضى، ولم يحرك طيباريوس ساكنًا، حتى طلب أشراف أرمينية وزعماؤها إلى أحد ملوك آسية الصغرى أن يتولى أمورهم ويدبر شئونهم، فرضي طيباريوس برضاء هؤلاء، وطلب في السنة 18 إلى ابن أخيه جرمانيكوس، الذي كان يتجول في الولايات الشرقية مطلعًا مفتشًا، أن يمنح التاج (الذياذمة) للملك الجديد «أرتكسياس Artaxias»، ففعل، وحكم هذا الملك حتى وفاته في السنة 35 حكمًا هادئًا غير مضطرب، وعند وفاته طمع أرتبانوس ملك البرت في أرمينية، ولا سيما وأن طيباريوس كان قد مسَّه الكبَر، فدفع بأحد أبنائه ليتولى عرش أرمينية، ففاجأه شيخ رومة بانتفاضة لم يحسب لها حسابًا، واضطر أن يصد هجومًا من إيبيرية، شنه متراداتس جديد، ولم يقوَ على الصمود، فخرج من أرمينية، وجلس متراداتس ملكًا عليها، وشجع طيباريوس أميرًا برتيًّا اسمه «تيريداتس Tiridates» على احتلال ما بين النهرين والمطالبة بالعرش، فتقرط لجام أرتبانوس، وانثنى عن عزمه، ومع أنه نجح في كبح جماح تيريداتس، فإنه لم يجرؤ على التحرش بأرمينية.
والتبس على غايوس وجه الصواب، وأحب أن يرضي صديقه ورفيقه «كوتس Cotys» ملك تراقية، الذي نشأ معه في رومة، فراح يفتش عن عروش لأبناء كوتس، فجعل أحدهم ملكًا على ولاية كوموجينة، ورغب في إجلاس الآخر على عرش أرمينية، فاستدعى متراداتس بدون مبرر وأبقاه في رومة، فاحتل أرتبانوس أرمينية قبل وصول مرشح رومة إليها، ومع أن كلوديوس أعاد متراداتس إلى عرشه، ولهَّى «غوتارزس Gotarzes» خلف أرتبانوس بمشاكل داخلية، فإن «روداميستوس Rodamistus» نسيب مثرارداتس شن هجومًا موفقًا في السنة 52 أو 53 على أرمينية، وقتل مثراداتوس وحلَّ محله، فتسنى لملك البرت أن يظهر بمظهر المدافع عن الأرمن، فعاونهم على التخلص من ردميستوس، ولكنه أجلس أخاه تيريداتس على العرش الأرمني (53-54).
ووصل نيرون إلى سدة الحكم، فعزل «يوليوس بايلينوس Paelignus» والي قبدوقية، واعتبره مسئولًا عن إخفاق رومة في أرمينية، وعين محله «كوربولو Cornelius Domitius Corbulo»، القائد الجريء الذي أثبت رجولته في وادي الرين، وأوصاه أن يفاوض على أساس الاعتراف بتيريداتس، شرط أن يقبل التاج من يد ممثل رومة (56-57)، فإذا رفض ذلك هجم كوربولو على أرمينية، ورأى كوربولو أن لا بد من الهجوم، ولمس تقاعسًا وقلة انضباط في الجنود، فراح يدربهم، وقضى سنة كاملة في ذلك، ثم هجم عبر سهل أرضروم المرتفع إلى وادي «الأراكسيس Araxes»، واستولى على «أرتكساتة Artaxata»، ومنها تقدم نحو «دكرانكرتة Tigranocerta»، فدخلها عنوة، وجعلها قاعدة لأعماله الحربية (58-59)، ثم طرأ على ملك البرت ما أشغله عن مساعدة أخيه، ففر تيريداتس من أرمينية، وتُوج «كوربولو دكران Tigranes» أحد أمراء قبدوقية ملكًا عليها (60) (1).
وفي السنة التالية، تحرش دكران بملك البرت، وغزا ما بين النهرين، وكان «فولوغيسيس Vologeses» ملك البرت قد صفَّى مشاكله الشرقية، فحصر دكران في عاصمته، وكان كوربولو قد أصبح واليًا على سورية، ورأى من المناسب ألا يثيرها حربًا، ففاوض ملك البرت على أساس سحب دكران من أرمينية وإعادة تيريداتس، شرط دخول هذا في طاعة رومة، ومع أن تيريداتس رضي بذلك، فإن نيرون نفسه لم يرضَ، فكان لا بد من اللجوء إلى العنف، وتسرع «كاسينيوس باييتوس Cassenius Paetus» والي قبدوقية الجديد، ورغب في مضارعة كوربولو، فبدأ القتال عبر جنوب أرمينية بقوات غير كافية، فقطع البرت عليه خط الرجوع، فاستسلم ووافق على الانسحاب من أرمينية في صالح تيريداتس (62-63)، فأنكر نيرون على باييتوس فعله، وعين كوربولو قائدًا أعلى لجميع قوات الفرات، وأمره بالهجوم، فسار القائد الأعلى في السنة 64 بخمسين ألف مقاتل إلى أرمينية، ولكنه لم يَجِدَّ في القتال، راجيًا أن يؤدي مظهر الشدة وحده إلى اتفاق ملائم، وتحققت أمانيه، ففاوض البرت بعودة تيريداتس ودخوله في طاعة رومة، وفي السنة 65 أَمَّ تيريداتس رومة، وتسلم تاجه من يد نيرون (2).
وفي السنة 64، ضمَّ نيرون مملكة البونط الشرقية إلى ولاية غلاطية، واستولى على الأسطول والملكي، وتولى أمر المحافظة على الأمن في البحر الأسود بكامله، ثم رغب في احتلال البانية لجعل بحر قزوين الحد الشرقي، ولكنه لم ينفذ شيئًا من ذلك (3).
...............................................
(1) TACITUS, Ann., 12-13; ANDERSON, J., The Eastern Frontier, Cam. Anc. Hist., X, 754–765; GUTERBOCK, K., Romisch-Arminien und die Romischen Satrapien, (1900); CHRISTENSEN, A., L’Iran sous les Sassanides, (1936).
(2) TACITUS, Ann. 15:1–17, 24–31; DIO CASS., 62:20–26, 63:1–7, SUET., Nero, 13.
(3) SCHUR, K., Klio, supl. vol. XV, 62 ff.,; ANDERSON, J., op. cot., 765–780.