وسقطت قلعة هيرودية في يد الرومان بسهولة، أما المسدة، فإنها امتنعت وقاومت حتى السنة 73، ولم يدخلها الرومان إلا على جثث رجالها، الذين انتحروا بعد اليأس، وامتنع رجال حصن المكاور مدة، ثم خرجوا بشروط معينة.
وظلت اليهودية ولاية مستقلة، يحكمها محصل روماني كما كانت قبل الثورة، ولكن هذا المحصل أصبح خاضعًا لوال legatus من أعضاء السناتوس، يقود الفرقة العسكرية Eretensis المستقرة في فلسطين، وظلت قيصرية عاصمة فلسطين واليهودية، ولكنها اعتُبرت مستعمرة رومانية باسم Colonia Prima Flavia Augusta Caesarensis، وفرقت رومة بين اليهود الموالين لها وبين العصاة، فظل أولئك مواطنين غير رومانيين كسائر سكان الولايات، أما العصاة الذين لم يُستَرقوا استرقاقًا، فإنهم اعتُبروا مستسلمين بدون حقوق dediticii (1).
وأمست أرض اليهودية أرضًا أميرية، تتصرف بها السلطات الرومانية كما تشاء، فتلزمها تلزيمًا، أو تهبها إلى أبطال الجيش، كما فعلت بأراضي عمواص القريبة من أورشليم، أو إلى غيرهم ممن نال عطف الإمبراطور، كما جرى ليوسيفوس المؤرخ الذي استغل هذا العطاء، وهو مقيم في رومة، وأبيحت جميع مدن المقاومة إلى الجند، ودُمرت وبيع أهلها أرقاء في أسواق الرقيق في الشرق والغرب.
وألغت رومة المجمع ورئاسة الكهنوت، وحرمت العبادة في هيكل أورشليم، وفي هيكل يهود مصر في Leontopolis، وحولت مال العنق الذي كان يجبى من اليهود لخزينة الهيكل إلى خزينة يوبيتر في الكابيتول، ومن هنا التعبير «مال اليهود Fiscus Judaicus».
وبإلغاء المجمع ورئاسة الكهنوت دخل اليهود في دور جديد من تاريخهم الطائفي، فانتهى أمر الصدوقيين وانتصر الفريسيون، فأسس أحدهم يوحنا بن زكا مدرسة يمنة القريبة من يافه، واتجهت الأنظار إليها، فكاد بعض اليهود يعتبرها مجمعًا جديدًا، ولم يحل الكنيس محل الهيكل، بل ظل هذا قبلة أنظار اليهود، يبكون لخرابه، ويسعون لإعادة بنائه، ولا يزالون (2).
.........................................
(1) JUSTER, J., Les Juifs dans l’Empire Romain, II; BUCHER, A., The Econ. Condition of Judata after the Destruction of the Second Temple.
(2) MOMMSEN, Th., Der Religionsfrevel nach romischen Recht., Ges. Schriften, III, 416; GINSBERG, M.S., Fiscus Judaicus, Jew. Quart. Rev., 1930, 282; ROSTOVTZEFF, Real–Encyc., Cols. 2403–2405.