وكان كلوديوس ضعيف البنية سقيمًا كما سبق وأشرنا، فلما كثرت مشاغله وتعددت متاعبه وهمومه بَانَ عيبه، فكان عقله يشرد أو يكل في أثناء العمل، وكانت جلساته القضائية تمتد وتطول، فيثني النعاس رءُوس القضاة الجالسين، وينتهي كلوديوس في بعض الأحيان إلى حكم أعوج، وأدرك كلوديوس هذا النقص فتداركه بملقن يجلس معه ويرده إلى نقطة الانطلاق في البحث، وبمستشارين ينظرون معه في القضايا الماثلة.
ونهج كلوديوس نهجًا جديدًا في انتقاء هؤلاء المستشارين، فإنه آثر الاستعانة بالبارزين من طبقة العتقاء على طلب المعونة نفسها من طبقة الشيوخ أو طبقة الفرسان، ومع أن أوغوسطوس وطيباريوس كانا قد استعانا بخدمات العتقاء، فإنهما لم يجعلا منهم مستشاري ذوي حول وطول، بل حصرا عملهم في أمورهما الشخصية أو المسائل الكتابية العادية، كما كان يفعل سائر الرومانيين من ذوي اليسار والثراء، أما كلوديوس، فإنه استشار هؤلاء العتقاء في سياسة الدولة العليا، وفي التعينات الكبرى، فأمسى «كليستوس Callistus» العتيق الذي كان يتولى منصب «الناظر في الطلبات والعرائض praepositus a libellis» أنفذ النافذين في الدولة، وقل الأمر نفسه عن «نركيسوس Narcissus» (رئيس القلم praepositus ab epistulis)، وعن «بلاس Pallas» «المحاسب الأول praepositus a rationibus» (1). ولم يكتف هؤلاء العتقاء بالنفوذ، بل جعلوا من القصر الإمبراطوري سوقًا مفتوحة، يساومون فيها بأكبر الوظائف وأهم الالتزامات، فجمعوا ما لم يفز به كراسوس في حياته (2).
وعني كلوديوس وعتقاؤه بإدارة المال عناية خصوصية، فضبط «المحاسب الأول a rationibus» مال الولايات الإمبراطورية fiscus أكثر من ذي قبل، وأنشأ وظيفة «محصل الخاصة procurator a patrimonio»، ووظيفة «محصل ضريبة الإرث procurator vicesimarum hereditatum»، ووسع صلاحيات المحصلين في الولايات الإمبراطورية الخاضعين له، فشملت في بعض الأحيان بعض الولايات السناتوسي، وضبط «خزينة الدولة Aerarium» كما سبق وأشرنا، فعين هو أمناءها، وتمكن بذلك من سحب ما أراد من المال بدون قرار سابق من السناتوس؛ لأن صلاحيات الإمبراطور كانت قد أصبحت منذ عهد طيباريوس سارية المفعول طوال حياة الإمبراطور.
واهتم كلوديوس لسير العدل في الدولة، فخصص الساعات الطويلة من وقته لمراقبة المحاكم وحض القضاة على العمل بانتظام، ولكنه رغب في أن ينظر هو بنفسه في الجنايات بدلًا من إحالتها على السناتوس كما فعل سلفاؤه، فنظر فيها في قصره intra cubiculum principis، فاستغله واستغلَّها عتقاؤه ونساؤه، فأمست مفسدة من مفاسد حكمه، وظل هو يهدف إلى العدل ويرمي إلى الإصلاح بواسطة القضاء، فإنه منع — مثلًا — المرابين من تسليف الأموال إلى الأبناء بانتظار وفاة والديهم المثرين، ولم يرضَ أيضًا عن إهمال الأرقاء المرضى بطرحهم في أروقة هيكل «أسكولابيوس Aesculapius» إله الطب، فأوجب اعتبارهم أحرارًا عتقاء في حال الشفاء.
ومن مآثر هذا الإمبراطور العليل، أنه حرَّم ابتياع الأبنية في الريف لأجل هدمها؛ كي يحافظ على المزارع، ويمنع تحويل الأراضي الزراعية إلى مراع، وشجع الغرباء على بناء السفن، وضمن المراكب ومحمولها في حال الإعصار والغرق؛ ليؤمن استيراد الحبوب وسد حاجة المواطنين إليها، وكانت رواسب الطين التي يجرفها التيبر تعرقل الملاحة عند مصبه في «أوستية Ostia»، فأنشأ مرفأ جديدًا على بعد ثلاثة أميال في شمال المصب، وربط هذا المرفأ بالتيبر بترعة خصوصية، كما أنشأ منارة جديدة ومستودعات لخزن الحبوب (3)، وأكمل قناتين لجر المياه إلى رومة، ولا تزال آثارهما ظاهرة للعيان حتى يومنا هذا (4)، وأشغل ثلاثين ألف عامل زهاء إحدى عشرة سنة في حفر نفق لتخفيف بحيرة «فوكينة Fucine»، وجعل أراضيها صالحة للزراعة، وأنشأ الطرق في إيطالية، فأوصل طريق «فاليرية Via Valeria» حتى الأدرياتيك، وأسماها Via Valeria Claudia، وفعل مثل هذا في خارج إيطالية في مقاطعات الألب وفي بعض الولايات (5).
.................................................
(1) DIO CASS., 31; SUET., Claud., 28; TACITUS, Ann. 11, 12.
(2) HOMO, L., Haut-Empire, 254-255; CHARLESWORTH, M.P., op. cit., X, 687–689.
(3) BRADFORD, J., Ancient Landscapes, (1957), 248 ff.; SCRAMUZZA, V.M., The Emperor Claudius, (1940); DIO CASS., 60:11; SUET., Claud. 20.
(4) PLIN., Hist. Nat., 36:122; FRONT., De Aq., 4, 13, 15, 18, 20, 73, 86, 90–93, 104-105; CIl, XIV 4079-4080.
(5) HOMO, L., Haut-Empire, 276–279.