سرية الجلسات في القضاء الضريبي
المؤلف:
رائد ناجي احمد الجميلي
المصدر:
القضاء الضريبي ومجالاته في ظل القانون العراقي
الجزء والصفحة:
ص35-38
2026-08-30
48
الأصل كقاعدة إجرائية تقررها الكثير من الدساتير أن المحاكمة أو المرافعة تكون علنية إلا إذا رأت المحكمة جعلها سرية وهو ما نص عليه الدستور العراقي (في 16 / تموز / (1970) (1) بقوله (أن جلسات المحاكمة تكون علنية إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية) (2) ، كما أكد الدستور الأردني بقوله أن المحاكمة يجب أن تكون علنية إلا إذا رأت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب العامة (3) .و ولعل السبب في ذلك يعود إلى تحقيق مصلحة المتنازعين لاسيما في حالة المحاكمة الجنائية إذ تعد إحدى أهم ضمانات المتهم أن تكون المحاكمة علنية حرصاً على أن يراقب الجمهور صحة إجراءات المحاكمة وعدم خروج القاضي عن الحدود القانونية عند اجراء التحقيق في الدعوى فضلا عن ادخال الطمانينة في قلب المدعي عليه فلا يخشى أي انحراف في الإجراءات أو تأثير في مجريات الدعوى أو على الشهود فيها (4) .
إلا انه وخروجاً عن هذه القاعدة علنية الجلسات) نجد أن القضاء الضريبي قد انماز بميزة أخرى صبغت عمله بصبغة الخصوصية والذاتية من حيث الإجراءات المتبعة أمامه إذ كقاعدة تقررها معظم التشريعات الضريبية أن المرافعة التي يجريها القاضي الضريبي بشأن الطعون المثارة أمامه تكون بصورة سرية أو في جلسات غير علنية ( en séance non publique )
ويقصد بالسرية كما بينه تقرير لجنة الشؤون التشريعية لمجلس النواب في مصر منع الجمهور من الحضور إلى قاعة الجلسة، إلا أن هذا لا ينصرف إلى الخصوم في الدعوى لما فيه من إخلال بحقهم في الدفاع. (5) وعلى هذا الأساس لا يشهد الجمهور المرافعة ولا يحضرها سوى طرفي الخصومة ووكلائهما ولا يجوز أن يحضر مجريات الدعوى أي شخص ليس له صفة فيها، والسبب الأساسي لذلك هو الحفاظ على مصلحة المكلف لكي لا تذاع أسراره أو تتأثر سمعته بسبب الإفشاء بها في جلسة علنية (6) .ومن بين القوانين التي تبنت هذه القاعدة قانون الضرائب الفرنسي الذي بين أن الدعاوى المتعلقة بالضرائب على الدخل تكون مقررة في جلسات غير علنية، على اعتبار أن مبدأ المحافظة على سرية المهنة الذي يشار اليه في إطار هذا النوع من الضرائب لا يكون له أية جدوى إذا ما كانت جلسات المرافعة تجري بشكل علني. (7)
كما أكد ذلك القانون الضريبي المصري بقوله ( أن الدعاوى التي ترفع من الممول أو عليه يجوز للمحكمة نظرها في جلسة سرية) . (8) و من الحري الإشارة اليه هنا أن نفس هذا النص كان مقرراً في القوانين التي سبقته وهي قانون رقم (14) لسنة 1939 الملغي الخاص بفرض الضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة وعلى الأرباح الصناعية والتجارية وعلى كسب العمل والقانون رقم (99) لسنة (1949) الملغى الخاص بفرض الضريبة العامة على الإيراد ولذلك نجد أن المحاكم الضريبية المصرية لا تقبل الحيدة عنه وتمسكت به منهجاً ثابتاً في عملها القضائي ومن ذلك ما قضت به محكمة دمنهور الابتدائية من ان المشرع قد حرص على النص على سرية أعمال مصلحة الضرائب وعقاب كل من يفضي بها من المختصين وضرورة نظر المنازعات الخاصة بها في جلسة سرية ومن ثم لا يمكن للخبير الإطلاع على ملف خاص بتاجر معين. (9)
وعلى السياق ذاته جاء قانون ضريبة الدخل الأردني ليؤكد على أن المحاكمة تكون بصورة غير علنية إلا إذا رأت المحكمة (محكمة استئناف قضايا ضريبة الدخل) خلاف ذلك . (10)
ومن جملة هذه النصوص والأحكام يمكن أن نخرج بالملاحظات الآتية: الملاحظة الأولى: بما أن مصلحة المكلف هي المعول عليها في إجراء المرافعة بشكل سري فأننا نؤيد الاتجاه (11) الذي يذهب إلى انه لا محل للتمسك بهذه السرية إذا كان المكلف وهو صاحب الحق قد طلب نظر دعواه في جلسة علنية على الا يتسبب ذلك الحاق أي ضرر بمصلحة أي شخص يرتبط معه بعلاقة مالية أو تجارية.
الملاحظة الثانية للقاضي الضريبي كأساس عام أن يجري المرافعة بصورة سرية حفاظاً على مصالح المكلفين ولكن استثناء من هذا الأساس تكون جلسات المرافعة علنية إذا رأت المحكمة ذلك.
الملاحظة الثالثة: أن السرية تقتصر على المرافعة فقط للحؤول دون إفشاء إسرار المكلفين ومن ثم ينبغي وحسب ما نعتقد أن يكون النطق بالحكم بصورة علنية في جميع الأحوال لأن مثل هذا الأمر لا ينجم عنه أية أضرار بمصالح المكلفين إذ سيبين القاضي فيه فقط مقدار دخل المكلف ومبلغ الضريبة المفروضة عليه.
__________
1- يجدر التنويه ان هذه الاطروحة طبعت قبل نفاذ قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ولذلك فأننا سنتعرض فقط الى دستور 1670 والدساتير التي سبقته.
2- انظر ف (2) م (20) من الدستور العراقي لسنة 1970
3- انظر ف (2) م (101) من الدستور الأردني سنة 1952 النافذ (نشر في الجريدة الرسمية الأردنية ع (1093) في 1952/1/8).
4- د. حسن صادق المرصفاوي التجريم في التشريعات الضريبية اسكندرية، دار المعارف، 1963، ص 182.
5- د. حسن صادق المرصفاوي، الدعوى المدنية أمام المحاكم الجنائية أسكندرية، دار المعارف، بلا سنة طبع، ص 385.
6- محمد عبد العزيز عبد الكريم وكمال الدين وصفي لجان التقدير والتقاضي في الضرائب، ط1، بلا مكان نشر، مكتبة النهضة المصرية، 1950، ص 165-166.
7- P.Bern, op.cit., p40.47.
8- انظرم (163) من قانون الضريبة الموحدة المصري رقم (157) لسنة 1981 المعدل بالقانون رقم (187) لسنة 1993 النافذ.
9- القضية رقم (98) لسنة 1946 (كلي الدائرة الأولى) أشار اليه .د. كمال عبد الرحمن الجرف، المبادئ القانونية في أحكام الضريبة المجموعة الثانية، 1949، ص 367-375.
10- انظر ف (ب) م (34) من قانون ضريبة الدخل الاردني رقم (57) لسنة 1985 النافذ.
11- د. محمد عبد العزيز عبد الكريم ود. كمال الدين صدقي، مصدر سابق، ص 166 وقد أشارا إلى حكم محكمة النقض والإبرام في هامش (2) من نفس الصفحة للتدليل على رأيهما.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القضاء الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة