للأنبياء أهداف مختلفة، فإضافةً إلى بيان الحق والباطل والدعوة إلى التوحيد الخالص، يدعون الناس إلى تقوى الله وأداء الأعمال الحسنة، ويبشرونهم بالجنة جزاء على كسبهم للفضيلة وقبولهم للحق، ويحذرونهم من جهنم والعذاب الإلهي الذي ينتظرهم إذا كسبوا الرذائل وأنكروا الحق.
وطبقاً للآية التي هي مورد البحث فإنّ واحداً من الأهداف المهمة لإرسال الرسل وإنزال الكتب هو القضاء بين الناس ورفع اختلافاتهم العلمية والعملية: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا).
وذكر القرآن الكريم في موضع آخر هدفاً ثانياً من الأهداف المهمة لرسالة أنبياء الله. (إقامة القسط والعدل): (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[1]).
ويجب الالتفات إلى أنّ حل الاختلاف والقيام بالقسط والعدل وتربية الناس هي من الأهداف المتوسطة لرسل الله، والهدف الأسمى والنهائي للوحي والنبوّة هو إنقاذ الناس من الظلمات وتنويرهم، وهو الهدف الذي يشتمل على كل الأهداف والكمالات الاخرى. (الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[2]).
ففي مقام الفكر ينبذ الناس والمجتمع النورانيون جميع الاختلافات جانباً ويتحدون في ما بينهم، كما أنهم في مقام العمل يقومون بالقسط والعدل؛ لأنّ منشأ جميع الاختلافات والمظالم هو الظلمات. فالإنسان المظلم إما أن يكون داعيةً إلى الخلاف ويضمر الخلاف أو أنه يخطط للاعتداء على الآخرين، بينما لا يكتفي الأشخاص النورانيون بالقيام بالقسط والعدل في مقام العمل فقط، بل هم في علاقاتهم العامة والاجتماعية أيضاً لا يتطرّقون أبداً إلى الخلاف والاختلاف.
إن الإنسان يصل إلى مقام الكشف والشهود إذا اتبع تعاليم أنبياء الله، ونتيجةً لنورانية سريرته يتمكّن وهو في هذه الدنيا من مشاهدة الجنّة وأهلها وجهنّم وأهلها ويطلع على أسرار العالم: «فهم والجنّة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون. وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذَّبون[3]»، (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ[4]).
وقصة الحارثة بن مالك وإخباره عن الجنة والنار وأهلها[5] نموذج عملي من نماذج خصوبة التعليم والتربية السامية للأنبياء.
إذن، فالهدف النهائي لإرسال الرسل وإنزال الكتب وخصوصاً بعثة الرسول الأكرم ﷺ ونزول القرآن - هو تنوير جوهر ذات الناس ومن ثم تنوير أعضائهم وجوارحهم كي يعيش الإنسان في مستوى الملائكة، وإن أمكن للأوحدي من الناس أن يصير أرقى من الملائكة فيكون معلمهم ومسجودهم.
[1] سورة الحديد، الآية 25.
[2] سورة إبراهيم، الآية 1.
[3] نهج البلاغة، الخطبة 193.
[4] سورة التكاثر الآيتان 5 - 6 .
[5] راجع: الكافي، ج 2، ص 54 ؛ بحار الأنوار، ج 22، ص 126 .