الترفيه وتفضيلات الجمهور في البرامج الاذاعية:
يسهم التطور التكنولوجي بصفة مستمرة في تدفق أدوات الترفيه، كما أن النمو المتزايد في صناعة الترفيه وقضاء أوقات الفراغ يبدو ملفتا للانتباه في الدول المتقدمة، وقد بدأت نفس الظاهرة تبلغ المناطق الحضرية وتنتشر بين الفئات العليا من الطبقة المتوسطة بالدول النامية، ومن المرجح أنها سوف تزداد انتشارا، ويخلص تقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال إلى عدد من الاعتبارات المهمة في هذا الشأن، من بينها أن وسائل الاتصال جميع وأدواته سوف تلعب دورا متعاظما في مجالات الثقافة والترفيه، وأن الأعداد المتزايدة من جمهور وسائل الإعلام - ربما باستثناء قراء الصحف - يتوقعون من هذه الوسائل أن تزودهم بالمتعة والاسترخاء والثقافة والترويح لا بالمعلومات فحسب، فمعظم الناس يقومون بالسلوك الاتصالي بهدف الاستمتاع أساسا وليس لأغراض وظيفية أو مرتبطة بالعمل، وهذا ينطبق على الاتصال بكافة أنواعه بما في ذلك الاتصال الجماهيري، فالأفلام السينمائية والتليفزيونية والدراما والمسلسلات وغيرها من الأشكال الاتصالية تخدم أساسا هدف الترفيه والاستمتاع من جانب المستقبل.
ويمكن مناقشة أسباب تفضيل الجمهور للمادة الترفيهية، من خلال العناصر الآتية:
1- إحساس الجمهور بأن المادة الترفيهية تنتشله من الضغوط والتوترات المتزايدة نتيجة تعقد الظروف المعاصرة من مختلف جوانبها، فهذه المادة تتضمن وسائل التسلية والإضحاك التي تخفف من التوتر، وتنتقل بالفرد إلى مجالات أخرى تختلف عن هذا الواقع الذي يعيشه، فالموظف مثلا يعيش واقع العمل الروتيني بين المكاتب والأوراق، وربة المنزل تعيش واقع الأعمال المنزلية وما يرتبط بها من شؤون الأسرة، كذلك نجد العامل والفلاح وغيرهم يعيش واقعا معقدا مهما كان مستوى الرفاهية السائد في المجتمع. المادة الترفيهية عبر وسائل الاتصال المختلفة تساهم في الانتقال النفسي والمعنوي من هذا الواقع المعقد، سواء كانت هذه المادة في صورة فكاهة، أو دراما خفيفة،.. إلخ.
2- هناك من يرى أن إقبال الجمهور على المادة الترفيهية يرجع إلى ارتباط هذه المادة بالخبرات العاطفية Emotional، فهي ترتبط بالأحاسيس والذكريات الطيبة البعيدة عن النوازع العدوانية، وبالتالي تمثل مصدرا للشعور بالمتعة لدى الفرد، هذا الشعور حسبما يرى أصحاب هذه الفكرة - هو الهدف الأساسي من التعرض للمضمون الترفيهي، أما المضمون الجاد فإن الفرد يحصل منه على خبرات مكتملة النضج، وتتصل غالبا بمشاعر الكبار وأفكارهم، والمتعة التي يحصل عليها الفرد من جراء تعرضه لهذه البرامج هي متعة غالبا على أساس الفكرة وليس على أساس الوجدان. غير أن هذا الرأي لا يعبر عن الحقيقة في كل جوانبها فمن جهة أولى نجد أن المادة الترفيهية لا ترتبط دائما بالاحاسيس والذكريات الطبية، فقد ترتبط بالذكريات المؤلمة في حياة الجمهور ورغم ذلك يقبل عليها بل ويجد في هذا الاقبال متعة كبيرة مثال ذلك هذا الفرد الذي تعرض لحادث تسبب في مرضه واقعده عن العمل الأمر الذي أثر عليه نفسيا اسوأ تأثير ألا يجد هذا الفرد متعة وعزاء في التمثيلية الخفيفة التي تتناول شخصيات مرت بظروف أقسى من الظروف التي مرت به، المرأة التي أخفقت في حياتها الزوجية أو التي فقدت أحد أبنائها ألا تجد هذه المرأة نوعا من التسلية والعزاء (والمتعة) عندما تستمتع إلى مادة ترفيهية تتناول نساء مروا بظروف أقسى من تلك التي مرت بها، واستطعن بالعمل والكفاح والصبر تجاوزها وتحقيق الآمال؟ هذه الأمثلة وغيرها الكثير يجعل منا لصعب قبول الرأي الفاشل بأن المادة الترفيهية ترتبط بالذكريات والأحاسيس الطيبة وبالتالي تحقق المتعة والحقيقة أن الجمهور يجد متعة المادة الترفيهية بوجه عام في إطار ظروفه وخبراته سواء ارتبطت بذكريات طييبة أو سيئة.
من جهة أخرى حسب الرأي المشار إليه، تكون المتعة التي يحصل عليها الفرد من البرامج الجادة هي غالبا متعة على أساس الفكر وليسـت علـى أساس الوجدان، ومع تسليمنا (المتحفظ) (بإمكانية) صحة هذه الفكرة، فإن البرامج الترفيهية الأخرى - وليس البرامج الجادة فقط - يمكن أن تحقق هي متعة للفرد على مستوى الفكر ماذا نقول مثلا في برنامج يتضمن موسيقى ومعلومات خفيفة، وكيفية تحويل السنة الهجرية إلى ما يقابلها من سنوات ميلادية في فترات سابقة؟ أليس في هذه المعلومات الخفيفة وهذه العملية الحسابية التي تشد الانتباه - متعة على مستوى الفكر؟
يجد الناس في الترفيه أحيانا وسيلة للهروب من مشاعر الإحساس بالنقص وفقدان الثقة بالنفس من خلال مطابقة أنفسهم مع الأشخاص الناجحة في القصص والأفلام والمقالات وغير ذلك، وهذا يعطيهم أحساسا بأهمية أنفسهم نتيجة أنهم يشاركون الآخرين -خياليا- حياتهم الطبيــة وانتصاراتهم. هذه الجزئية في منتهى الأهمية لأنها ملموسة في الواقع، فقد يكون الفرد يعمل في وظيفة يراها المجتمع غير ذات قيمة، وقد يتعامل المجتمع مع الفرد على هذا الأساس الأمر الذي يشعر معه الفرد بالنقص وفقدان الثقة وعندما يتعرض لفيلم أو مسرحية أو مسلسل يكون أحد أشخاصه ممن يمتهنون نفس مهنته ولكنهم ناجحون ومؤثرون في المجتمع ويحيون حياة طيبة أو حققوا انتصارا معينا، هنا يجد هذا الفرد في الترفيه وسيلة قد تنقذه من الإحساس بالنقص وتنتشله من مشاعر فقدان الثقة، وبالتالي يمكنه أن يحقق نوعا من الانسجام في علاقاته الاجتماعية بأوسع معانيها، وقد توصلت بعض الأبحاث ذات النتائج المرتبطة بهذه النقطة إلى أن الجمهور يلجأ إلى البرامج الدرامية في الراديو والتليفزيون ليس فقط لأنها تنتقل به إلى عالم الخيال، ولكنها تمكنه من أن يتعايش مع واقع عالم الواقع ويتعامل معه بكل متناقضاته.
لهذه الأسباب وغيرها نجد أن قطاعات جماهيرية واسعة تفضل المواد الترفيهية عما سواها من المواد التي تقدمها وسائل الاتصال، ولهذه أيضا أصبحت الوظيفة الترفيهية قاسما مشتركا بين هذه الوسائل، فعندما وصلت السينما إلى القمة في عالم الفنون الاستعراضية، وأصبحت الوسيلة الأولى للترفيه الجماهيري الحقيقي سعت الوسائل الأخرى إلى مزاحمتها في السوق الجماهيرية، بل وإلى توسيع تلك السوق، ونعني بذلك سوق النشر والراديو والتسجيلات والتليفزيون الأمر الذي أوجد حجما كبيرا وإنتاجا متنوعا من الترفيه، ويرصد تقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال ثلاث اتجاهات رئيسية بشأن "الترفيه" كوظيفة من وظائف وسائل الاتصال الجماهيري:
1- النمو الضخم في وسائل الترفيه وإمكاناتها على النطاق العالمي مع ما يقترن بذلك من عمليات مشاركة كافة الوسائل في تقديم الترفيه.
2- المبتكرات التكنولوجية التي تنتج مزيدا من وسائل الاتصال ويمكن للمرء أن يعد برامجها بنفسه، ويلعب فيها كثير من الناس دورا نشيطا لا كمتفرجين ولكن كممثلين يقومون بتسلية أنفسهم.
3- نمو صناعة ضخمة توفر انتشارا واسعا للإنجازات والعروض الفنية والثقافية المصنعة المرتبطة بها، ويكاد يكون من المستحيل ايضاح هذا الاتجاه بتقديم أرقام عالمية وبيانات إحصائية يوثق فيها ولكن الذي لا شك فيه هو أن أنشطة الثقافة والترفيه وأوقات الفراغ تتزايد وتتنوع باستمرار مما يضفي عليها مزيدا من الأهمية.