وسئم لبيدوس بُعده عن رومة، وعدم اشتراكه فيما جرى فيها من القرارات الهامة والصفقات الكبيرة، فلما نزل في صقلية جعل جنود سكستوس يستسلمون له لا لأوكتافيانوس، ووجد نفسه فجأة على رأس قوة أكبر من قوة زميله أوكتافيانوس، فتصلَّف وتغطرس، فعمل أوكتافيانوس على استمالة جنود لبيدوس، ونجح في ذلك نجاحًا باهرًا، ثم عُزل لبيدوس من الحكم الثلاثي (36)، وأُمر بإقامته في إيطالية إقامة جبرية، فأمسى الحكم الثلاثي ثنائيًّا، وبات أمر الفصل بين سيد الغرب وسيد الشرق واقعًا لا محالة.
وبقي أنطونيوس طوال السنتين 39–37 في أثينة، يدير دفة الأمور منها، ويصدر أوامره عنها، ورافقته زوجته أوكتافية إليها وولدت له فيها بنته أنطونية. واحتفى الأثينيون بالقائد الروماني وزوجته الجديدة، وحيَّوه تحية ديونيسوس، واعتبروه ديونيسوسًا جديدًا، واقترحوا عقد زواج بين الإله الجديد وبين إلهة المدينة أثينة، فقبل أنطونيوس شاكرًا، ولكنه طالب ببائنة «دوطة» بلغت مليون درهم، فاعترض أحد الوجهاء مازحًا، وقال: «إن زفس تزوج من أمك «سميلة Semele» أم ديونيسوس بدون دوطة.» فتنازل ديونيسوس الجديد، وقبل الدوطة مقسطة ثلاث دفعات، وسُكَّت النقود فظهر وأوكتافية إلهين محسنين، وتردى باللباس اليوناني، وشارك الأثينيين أفراحهم وأتراحهم، وأنفق بسخاء، فحملت دورة ألعابهم الرياضية في آب السنة 38 اسمه، فدُعيت الأنطونيات بدلًا من الأثينيات (1).
وبعد أن مدد الثلاثة حكمهم خمس سنوات أخرى في السنة 37، وذلك بعد اتفاق «ترنتوم Tarentum»، أرسل أنطونيوس زوجته وبنته الصغيرة إلى رومة، وقام إلى أنطاكية سورية، يستعد لهجوم على البرت هجومًا يستعيد به ما لحق بسمعة رومة من أذى، وأرسل يستدعي كليوبترة إليها؛ لتمضية فصل الشتاء معه فيها، فجاءت إليها في شتاء السنة 37-36، واشتركت في المهرجانات التي أقيمت فيها، احتفاء بما كان قد تم من نصر، اشتراكًا سياسيًّا وغراميًّا في آن واحد، وقضى الاستعداد للهجوم على البرت بتأمين المؤخرة، ورصد المال الكافي، وتسهيل الوصول إليه عند الحاجة، فتزوج أنطونيوس من كليوبترة (2)، واعتمد هيرودوس ملك اليهود لإخماد ما قد ينشب من فتن ويُحاك من دسائس، ونهض بجيشه وحاصر أفراسية، فأضاف مأساة إلى مأساة ...
وكان أوكتافيانوس قد تعهد بتجنيد عشرين ألفًا في إيطالية، يعين بهم أنطونيوس في الشرق، فتأخر في إرسال هذا المدد، ثم اضطر في السنة 35 أن يجرد حملة على البرية عبر الأدرياتيك، فأعاقته هذه الحملة عن البر بالوعد. ولما حان وقت التنفيذ، أرسل أوكتافية إلى الشرق وألفي جندي بدلًا من العشرين، وبعض السفن التي كان قد استعارها للاستيلاء على صقلية، فرأى أنطونيوس في هذا كله عرقلة لمساعيه في الشرق، فلم يسمح لأوكتافية أن تتجاوز أثينة في طريقها إلى الشرق، ولكنه لم يطلقها، فعادت إلى إيطالية، ولم يرضَ أوكتافيانوس عن هذه المعاملة، فنصح إلى أوكتافية أن تهجر بيت زوجها، ولكنها أبت (3).
..................................
(1) YOLKMANN, H., Cleopatra, 116–118.
(2) RICE HOLMES, T., The Architect of the Roman Empire, I, 227–231.
(3) DIO CASS, 47 ff; DRUMANN-GROEBE, Gesch Roms, IV, 250–258.