
هو «غاليوس أوكتافيوس Gaius Octavius» ابن «آتية Atia» بنت «يولية Julia» أخت يوليوس قيصر، وابن غابيوس أوكتافيوس، الذي تحدَّر من أسرة «وليترة Velitroe» المحترمة. ولدى الاطلاع على نص وصية الخال الكبير يوليوس قيصر اتخذ أوكتافيوس لنفسه الاسم غايوس يوليوس قيصر «أوكتافيانوس Octavianus»، فعُرف به حتى السنة 27ق.م.، ثم اشتهر بعد ذلك باللقب «أوغوسطوس Augustus». وُلد في الثالث والعشرين من أيلول سنة 63ق.م.، وتوفي والده وهو لا يزال في الرابعة من العمر. ومع أن والدته تزوجت من مركيوس فيليبوس، فإنها عُنيت عناية فائقة بتربية ولديها أوكتافيوس وأوكتافية تربية صالحة وبتهذيبهما أيضًا. ثم نال أوكتافيوس قسطًا وافرًا من العلوم على يد أشهر الأساتذة كأبولوذوروس البرغامي وآريوس الإسكندري. وكان منذ نعومة أظفاره جميل الوجه أبيًّا ذكيًّا، فأحبَّه خاله الأكبر وشمله بعطفه، فأرسله إلى أبولونية في خريف السنة 45؛ ليكمل علومه، ويختبر الحياة العسكرية مع الضباط والجنود الذين كانوا يتدربون فيها. ولكن أوكتافيوس شكا منذ صغره من ضعف البنية والمرض، فكان لا بد من الاعتناء بصحته عناية خصوصية.
وبينما كان أوكتافيوس ينتظر في أبولونية صدور الأوامر لتحرك الجيش نحو حدود برتية في الشرق، تلقى في أواخر آذار سنة 44 رسالة من والدته تنبئه فيها بمقتل خاله يوليوس، فهبَّ لساعته يستعد للعودة إلى رومة، وعلم الضباط بذلك، فأكدوا استعدادهم للزحف معه على رومة، ولكنه آثر التريث، وعاد إلى رومة مع بعض الرفاق. ونزل في برنديزي، فعلم فيها مضمون وصية خاله، وأنه هو وريثه وحامل اسمه. وجاءت أمه ترجوه ألَّا يرث مخاطر خاله، فأبى وجعل أخذ الثأر شعاره (1)، ولدى وصوله إلى رومة أعلن اسمه الجديد غايوس يوليوس قيصر أوكتافيانوس، وطالب بصفته ابن يوليوس قيصر ووريثه بالإرث المتروك. وكان لا بد من موافقة «مجلس العشائر Comitia Curiata» على الاسم الجديد قبل اتخاذه رسميًّا، فعرقل أنطونيوس هذا السعي مدة من الزمن، ولكن أوكتافيانوس لم ينتظر صدور الموافقة، ومضى يتكلم ويطالب كأنه الوريث الوحيد، ولم يكترث أنطونيوس بادئ ذي بدء، لمقاومة أوكتافيوس، واستخف به لصغر سنه وقلة اختباره، فكان يشير إليه باللفظ «الولد»، ولم يعلم أن منكبيه الغضين كانا يحملان رأس شيخ حنكته السنون.
ونظر أوكتافيانوس إلى البيئة التي وجد فيها نظرة الحصيف، ولم ينسَ أن يستفيد من سيرة أبيه بالتبني، فاستغل اسم هذا الأب ونهج نهجه. ما كاد أنطونيوس يخرج من رومة ليلاقي الجيش القادم من مقدونية، حتى قام أوكتافيانوس إلى كامبانية يستميل جنود قيصر المجربين الأبطال، فالتفوا حوله، وانضم إليهم نصف الجنود القادمين من مقدونية، وهكذا، فإن أنطونيوس وجد نفسه قبل انتهاء السنة 44 بين عدوين «ديكيموس بروتوس Decimus Brutus» في الشمال، وأكتافيانوس في الجنوب، فرأى أن يضرب ديكيموس أولًا، وقام إلى وادي البو على رأس ما تجمَّع لديه من جنود، وخشي ديكيموس تفوق جنود أنطونيوس، فامتنع في «موتينة Mutina» أي مودينة الحالية. فاضطر أنطونيوس أن يحاصره فيها، وانتهت السنة 44 في إبان الحصار، وتم انتخاب القناصل الجدد، فنجح كل من «هورتيوس Hurtius» و«بنسة Pansa»، اللذين رشحهما قيصر قبل مقتله.
(1) حصار موتينة
وتوجَّس السناتوس خوفًا من مطامع أنطونيوس، ورأوا في شخص ديكيموس بروتوس وموقفه دعامة للحكم الجمهوري، ورغبوا في الإفراج عنه، وتشاوروا في الأمر، فلم يجدوا لدى القنصلين الجديدين من القوة العسكرية ما يكفي لمجابهة أنطونيوس وإكراهه على التراجع. فعرض أوكتافيانوس خدماته في هذا المضمار، فاعترض المتطرفون من الشيوخ، وآثروا هلاك ديكيموس على قبول مساعدة من رجل يحمل اسم قيصر، ولكن شيشرون رجل الساعة آنئذٍ اكتسح الموقف لصالح أوكتافيانوس. وكان هذا قد اتصل بشيشرون، وأكد له أكثر من مرة استعداده للمحافظة على الجمهورية، فأعطى السناتوس «السلطة imperium» لأوكتافيانوس، وخوَّلوه حق التجييش والتعاون مع القنصلين لرفع الحصار عن موتينة، وقام الجميع إلى الشمال، فكانت موقعة حاسمة عند «فوروم غالورم Forum Gallorum»، أدت إلى انسحاب أنطونيوس من ميدان القتال في إيطالية، واتجاهه شطر غالية نفسها لاستمالة لبيدوس وفرقه. ولم يجد أوكتافيانوس في أثر أنطونيوس؛ لأن جنوده لم يرضوا عن محاربة رفاقهم في السلاح القيصري لمجرد الدفاع عن قتلة قيصر وأصدقائهم في السناتوس (2).
(2) الزحف على رومة
واستطار خبر الانتصار على أنطونيوس فأبهج السناتوس، وبولغ فيه، فغلبت على الشيوخ نشوةُ الطرب، ولم يملكوا أنفسهم، فاعتبروا أنطونيوس وجنوده مجرمين لا يؤاخَذ أحد على قتلهم، وأظهروا لجنود أوكتافيانوس وضباطه مقدار ما عندهم من الرأفة والتبصر والتمييز، وكان القنصلان هيرتيوس وبنسة قد تُوفِّيا في ميدان القتال، فحوَّل السناتوس قيادة جيوشهما إلى ديكيموس، فتمرد هؤلاء والتحقوا بجيش أوكتافيانوس. وكان من عنفوان السناتوس أيضًا، أنهم أقاموا لجنة تحقيق في أعمال أنطونيوس، ولم يعينوا أحدًا من أصدقاء قيصر فيها، فخشي جنود أوكتافيانوس سوء العاقبة، وأوجبوا إشراك أوكتافيانوس في أعمالها وانتخابه قنصلًا حتى نهاية السنة. ولكن الشيوخ كانوا لا يزالون في غفلة معرضين، فأثاروا قضية عدم اكتمال الشروط في شخص أوكتافيانوس، فأمر هذا بفض مضرب الخيم، وقام على رأس جيشه زاحفًا على رومة. فاستفاق الشيوخ، وفاوضوا على أساس مطالب الجند، ثم ترددوا على أثر وصول الجنود من أفريقيا، ولكن هؤلاء أعلنوا انضمامهم إلى صفوف أوكتافيانوس، فرضخ الشيوخ، وانتخبوا أوكتافيانوس قنصلًا، وكذلك «بيديوس Pedius» أحد أنسبائه (آب 43)، ثم اتخذ مجلس العشائر قرارًا اعترف به ببنوة أوكتافيانوس لقيصر Lex Curiata، ولم يلبث القنصل الجديد طويلًا في رومة، فإنه بعد أن سن السناتوس قانونًا يوجب إنزال العقاب بقتلة قيصر، اتجه شطر الشمال؛ ينهي قضية أنطونيوس (3).
...................................................
(1) CICERO, ad Att., XVI, 15.
(2) BONDURANT, B.C., Decimus Julius Brutus Albinus (1909); DRUMANN-GROEBE, Gesch. Roms. IV; TYRELL and PURSER, Corresp. of Cicero, VI.
(3) DION CASS., Hist. Rom., 46:29–39; APP., Bell. Cie., 3:53–73; SUET., Aug., 10-11.