(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)
خلاصة التفسير هل ينتظر أهل الشقاق والتفرقة شيئاً سوى نزول الغيوم المتراكمة عليهم تجسيداً للعذاب الإلهي؟ فهم يسعون إلى العذاب بأفعالهم وبلسان حالهم، وإن كانوا يدعون بأقوالهم وألسنتهم الناطقة عكس ذلك. والعذاب الذي تستحقه هذه الجماعة نتيجة زرعهم الفُرقة هو أن يأتيهم الغضب الإلهي متمثلاً بظهور الغيوم المتراكمة وملائكة العذاب كي تُنزل بهم ما يستحقون من العقاب.
والتهديد بنزول العذاب من الغيوم المتراكمة التي غالباً ما تكون منشئاً ومصدراً للغيث والرحمة الإلهية بمختلف أنواعها، إنما يمثل تخويفاً مرعباً يكمن في ثناياه التحذير النفسي إضافة إلى ما فيه من التخويف الجسمي الظاهر.
ولما كان مصدر جميع الأمور ومآلها إنّما هو بيد الله، وتحقق أفعاله سبحانه هو بمجرد إرادته الماضية، ولا يمكن تصوّر أي مانع لنفوذ أمر العزيز الحكيم؛ فيكون عذاب مثيري التفرقة الذين ورد وعيدهم الضمني في الآية المذكورة، عذاباً قطعياً أكيداً لصدور حكم عذابهم في الدنيا والبرزخ والآخرة.
مفردات التفسير: يَنظُرُونَ: هو التأمل العميق في الشيء المادي أو المعنوي بالبصر أو بالبصيرة[1]. واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة، وقد يراد بالنظر أحياناً التأمّل والفحص والروية والانتظار والتحير في الأمور[2]. والنظر في الآية التي هي مورد البحث هو بمعنى الانتظار[3].
ظلل: مفردها (ظلة) بمعنى الخباء وما يستظل به[4]، و (الظل) ضد الضح (وهو الشمس أو نورها[5]) و(الظل) أعم من الفيء، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس (ظل)، ولا يقال (الفيء) إلا لما زال عنه الشمس[6].
تنبيه: يقال للسحاب (ظلة) ولفيئه (ظل)، ومن هنا ينشأ الفرق بين (ظلل)
و(ظلال). تناسب الآيات تعتبر الآية السابقة التي تضمّنت الوعيد الضمني لأهل الشقاق بمنزلة (المتن)، أما هذه الآية التي تكفلت ببيان كيفية عذاب هؤلاء فهي بمنزلة (الشرح) لذلك المتن.
فبعد أن حذر الله سبحانه بالوعيد الضمني هؤلاء المثيرين للتفرقة والمتبعين لخطوات الشيطان رغم وصول الأدلة العقلية والنقلية الواضحة إليهم، بين في الآية التي هي مورد البحث كيفية التعذيب الإلهي، وذلك من باب الشرح بعد المتن.
وجدير بالذكر أن عبارة (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) التي تتحدث بصيغة الماضي عن المستقبل قطعي الوقوع، هي بمثابة الإشارة إلى أنّ حكم الله حق وصواب وأن العذاب الإلهي نازل لا محالة، وهو ما دلت عليه جملة (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) في الآية السابقة.
[1] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 12، ص 166، نظر.
[2] مفردات ألفاظ القرآن، ص 812 - 813، نظر.
[3] مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 538 .
[4] مفردات ألفاظ القرآن، ص 536، ظا ل ل الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 105؛ إعراب القرآن، ص308
[5] مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 242 .
[6] مفردات ألفاظ القرآن، ص 535، ظ ل ل.