التمييز بين الانتقال والمعاينة وما يشتبه بها من إجراءات أخرى
المؤلف:
سجاد غانم عبد الحسين
المصدر:
الانتقال والمعاينة لعضو الضبط القضائي وحجيته في الاثبات
الجزء والصفحة:
ص 79-84
2026-08-13
15
قد يُثار أن المعاينة قد تتشابه مع غيرها من الإجراءات القانونية مثل الانتقال، وكشف الدلالة، والتفتيش، والخبرة. ومن ثم، يصبح من الضروري توضيح أوجه الاختلاف بين هذه الإجراءات لضمان تمييز المعاينة عن غيرها ودقة تطبيقها.
اولاً : المعاينة والانتقال
الانتقال والمعاينة اجراء ان مترابطان فالانتقال اجراء لابد منه للقيام بالمعاينة، فالانتقال هو إجراء يتضمن مجموعة من العمليات من بينها المعاينة، والتفتيش وضبط الأشياء، ويُعد من الإجراءات الضرورية التي لا يمكن إتمامها إلا من خلال التحرك الى المكان المخصص لإتمام الاجراء (1) اما المعاينة فهو مشاهدة مكان الجريمة وماله علاقة بارتكابها والأدلة التي تحصلت في مسرح الجريمة بعدما تم الانتقال، فالمعاينة كانت نتيجة الانتقال (2).
ثانياً : المعاينة وكشف الدلالة
يعرف كشف الدلالة: " اجراء تقوم به جهة التحقيق أو الحكم يستجب بمقتضاه المتهم المعترف في الجرائم التي تتطلب ذلك الى مكان ارتكاب الجريمة للتعرف منه بصورة تفصيلية عن كيفية وطريقة ارتكابه للجريمة المتهم بها للتأكد من صحة اعترافه (3)، ويُعَد كشف الدلالة ضمانة لتعزيز الاعتراف الصادر عن المتهم، لتطابق صحة أقواله على مسرح الجريمة، وهو ما أكدته محكمة التمييز العراقية في أحد قراراتها: " اعترافه في مرحلة التحقيق تمت بتوافر كافة الضمانات القانونية المتمثلة بحضور نائب المدعي العام والمحامي المنتدب وتعزز الاعتراف بمحضر كشف الدلالة الذي هو امتداد للاعتراف يعزز القناعة الوجدانية به ويزيد الاطمئنان اليه...(4).
ويُعَدُّ كشف الدلالة من الأدلة الحاسمة في مصير الدعوى الجزائية إذ يُعَدُّ تعزيزاً للاعتراف الصادر من المتهم، ومن التدقيق تجد هذه المحكمة ان أدلة القضية المطروحة تمثلت باعتراف المتهم أمام القائم بالتحقيق وتصديق اعترافه أمام السيد قاضي التحقيق وتنظيم محضر كشف دلالة له بذلك وبذلك تكون الأدلة المتحصلة في هذه القضية أدلة كافية ومقنعة لتجريمه..." (5).
فنقطة الالتقاء تكمن بأن كلٌّ من المعاينة وكشف الدلالة من أدلة الإثبات الجزائية، ومن إجراءات التحقيق التي يمكن اتخاذها سواء في مرحلة التحقيق الابتدائي أم في مرحلة المحاكمة (6).
أمَّا نقاط الاختلاف فيمكن تلخيصها بالاتي :
1- من حيث الهدف : إنَّ الهدف من كشف الدلالة التحقق من صدق الاعتراف الصادر عن المتهم وبيان مدى مطابقته للواقع، في حين أنَّ الهدف من المعاينة إجراء يهدف إلى . الأدلة جمع ورفع الغموض عن ملابسات الجريمة وتحديد مرتكبها (7).
2- من حيث التسلسل الزمني : عُدَّتْ المعاينة إجراءً سابقاً على كشف الدلالة، إذ تباشر عادة فور وقوع الحادث في الجرائم التي تستلزم انتقال المحقق إلى مسرح الجريمة لجمع الأدلة المادية ورفع الغموض عن ملابساتها وتحديد مرتكبها. أما كشف الدلالة فلا يُجرى إلا في مرحلة لاحقة، بعد القبض على المتهم واستجوابه وصدور اعتراف صريح منه بارتكاب الجريمة، فيأتي هذا الإجراء للتحقق من صحة الاعتراف ومطابقته للواقع (8).
3- من حيث الموضوع : فإن كشف الدلالة لا يُصار إليه إلا في الجرائم التي تخلّف آثاراً مادية في محل ارتكابها، الأمر الذي يقتضي في الغالب انتقال جهة التحقيق إلى مكان الجريمة لتمكين المتهم من إعادة تمثيل الوقائع وبيان مواضع الأدلة (9) . أما المعاينة فقد تُجرى في مسرح الجريمة عندما تتوافر آثار مادية تستدعي إثباتها، كما قد تتم في مقر القائم بالتحقيق أو أمام المحكمة في الجرائم التي لا تخلف آثاراً مادية في مكان وقوعها، كالجرائم المتعلقة بالرشوة والتزوير وجرائم غصب السندات (9)، فموضوع كشف الدلالة هو مكان وقوع الجريمة بينما موضوع المعاينة يكون أشمل فينصب على الأمكنة والأشخاص والاشياء (10). وقد يحدث أثناء إجراء المعاينة أن يتحقق كشف للدلالة؛ فعندما يطلب قاضي التحقيق من المتهم، وبمحض إرادته، أن يبيّن كيفية ارتكابه للجريمة أو أن يقوم بتمثيل خطوات فعله الإجرامي في محل الحادث، فإن هذا يُعد كشف دلالة (11) ، وسوف نرفق طيا نموذج لكشف دلالة (12) .
ولابد الإشارة الى عدم الخلط مع إعادة تكوين الحادث " الذي يقصد به ربط وقائع الجريمة والتحري عن العناصر الغامضة أو الآثار المطموسة التي تثير الشك أو تُضعف الأدلة، وكذلك كشف التناقض في أقوال المتهم عند إنكاره ويتم ذلك باستصحاب المتهم الى مسرح الجريمة واستجوبه فيه، وبيان خطواته في ارتكابه للفعل الاجرامي (13).
ثالثاً : المعاينة والتفتيش
يقصد بالتفتيش: "اجراء من اجراءات التحقيق التي تهدف الى البحث عن أدلة مادية لجناية أو جنحة تحقق وقوعها في محل يتمتع بحرمة المسكن أو الشخص وذلك من اجل اثبات ارتكابها أو نسبتها الى المتهم وفقاً للإجراءات القانونية المقررة" (14).
وتتشابه المعاينة مع التفتيش بأن كلاهما يعد اجراء من إجراءات التحقيق عن ضبط أدلة مادية تفيد في كشف الحقيقة (15) ، ونجد ان للتفتيش صوراً أو أنواعاً تتمثل بتفتيش الأماكن والأشخاص والاشياء (16)، وهذا ما وجدناه سابقاً في أنواع المعاينة، فالتشابه الآخر إذن يكمن من ناحية نوع التفتيش.
ورغم التشابه بينهما إلا أنهما يختلفان في ثلاثة محاور :
1 - من ناحية طبيعة الاجراء : يُعد التفتيش إجراء تحقيقياً غايته البحث عن دليل مادي على الجريمة وضبطه، في حين تعد المعاينة إجراء يهدف إلى إثبات حالة الأمكنة والأشياء والأشخاص وتبيان ما إذا كانت الجريمة قد وقعت، فضلاً عن التحقق من الآثار أو العلامات التي تهم مجريات التحقيق (17).
2-من حيث مشروعية الإجراء : إنّ المعاينة بطبيعتها لا تستلزم اصدار قرار مسبق لإجرائها، إذ يحق للمحقق أو القائم بالتحقيق، متى وصل إلى علمه وقوع الجريمة، أن يجري الكشف على مكان الحادث لضبط ما يمكن الاعتداد به من أدلة تفيد في التعرف على الجريمة (18)، أما التفتيش، فلا يصح القيام به إلا بناء على أمر قضائي يصدر وفقاً للضوابط التي رسمها القانون (19) .
من ناحية حضور المتهم : كما أن حضور المتهم يكون واجباً عند إجراء التفتيش متى كان موجوداً، بخلاف المعاينة التي يجوز إجراؤها في غياب المتهم خلال مرحلة التحقيق الابتدائي. أما في مرحلة المحاكمة، فيتعين على المحكمة تمكين الخصوم من الحضور عند إجراء المعاينة (20).
رابعاً : المعاينة والخبرة
تعرف الخبرة على أنها : " تقدير مادي أو ذهني يبديه أصحاب الفن أو الاختصاص في مسألة فنية لا يستطيع القائم بالتحقيق في الجريمة معرفتها وبمعلومات الخاصة سواء أكانت تلك المسألة الفنية متعلقة بشخص المتهم أو بجسم الجريمة أو المواد المستعملة في ارتكايها أو آثارها" (21).
وتتفق الخبرة مع المعاينة بأنها من الأدلة المادية في الاثبات الجزائي وتتصف بانها ذات كيان ملموس كالتشريح والفحص وغيرها (22) . وتتشابه مع المعاينة في أنَّ مهمة الخبير هي كشف الحقيقة لمساعدة القاضي على الفصل في النزاع المعروض عليه (23).
وسارات المحاكم العراقية على ذكر تقرير الخبير في مقتبس القرار لتأييد الأدلة المتحصلة في الدعوى الجزائية، حيث قررت المحكمة وحيث أن شهادة المشتكيين قد تأيدت بشهادة الشهود ومحضر ضبط الكتاب المزور وكتاب الهيأة العامة للضرائب بخصوص عدم صحة صدوره وتأيدت أيضاً بتقرير خبراء الأدلة الجنائية وكلها أدلة كافية ومقنعة لتجريم المتهم .... (24) . كذلك ما يوجد تلازم بين المعاينة والخبرة فكثيراً ما يستعين المحقق في الخبرة في تقدير الأمور الفنية التي تقتضي دراية خاصة لا تتوفر في الجهة القائمة بالتحقيق كأثار الاسلحة (25)، فكثيراً ما يتم استدعاء الخبراء لمعاونة رجال الضبط القضائي للكشف عن الحقيقة؛ لأن رجال الضبط ليس لديهم الخبرة الكافية في المسائل الفنية التي تحتاج الى خبراء مختصين (26).
ألا أن نقطة الاختلاف تكمن في محورين : -
1- من حيث الغرض : إنَّ الخبرة لا تدرك بحواس الخبير وانما هي ابداء رأي في مسألة مهنية وفنية (27)،
على عكس المعاينة فإنَّ الغرض منها معاينة كل ماله علاقة بالجريمة للوصول الى الحقيقة (28).
2- من حيث الجهة القائمة بالأجراء : تختلف الخبرة بأن القائم بها شخص غير عضو الضبط القضائي المحقق أو القاضي، ويكون هذا الشخص متخصص في فن معين أو مهنة أو علم أو غير ذلك من المعارف، أما المعاينة فالأصل أن يقوم بها عضو الضبط القضائي أو المحقق أو القاضي أو هيئة المحكمة (29).
________
1- د . براء منذر كمال شرح أصول المحاكمات الجزائية، الطبعة السابعة مكتبة السنهوري، بيروت، لبنان، 2021 ص132
2- د. محمد أبو العلا عقيدة، شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001، 426.
3- أنسام سمير طاهر، كشف الدلالة كأجراء في الدعوى الجزائية، بحث منشور في مجلة رسالة الحقوق، العدد 3، المجلد 11، 2019، ص 356 .
4- قرار رقم 257 الهيئة الموسعة الجزائية في 2025/5/27 قرار منشور على محكمة التمييز العراقية https://www.sirwanlawyer.com ، تأريخ الزيارة 2024/12/10، وقت الزيارة 6 مساءً.
5- العدد 1632 ، ج2 ، 2021/8/12، محكمة جنح النجف، قرار غير منشور
6- شرمين شوكت طاهر ، حجية كشف الدلالة في الاثبات الجنائي، بحث مقدم للترقية من صنف القضاة الثالث الى الصنف الثاني من صفوف القضاة إقليم كردستان، رئاسة محكمة استئناف دهوك، 2024، ص 17
7- د. سالم نعمة رشيد الطائي، دور الأدلة الجنائية في الاثبات، الطبعة الأولى، دار الفكر الجامعي، مصر، 2021، ص30 . د. محمد علي سالم، كشف الدلالة وأثره في الاثبات الجنائي، (دراسة مقارنة ) بحث منشور في مجلة العلوم الإنسانية كلية التربية جامعة بابل، العدد الثاني السنة الرابعة 2010، ص92.
8- انسام سمير طاهر ، مصدر سابق، ص 358
9- د. سالم نعمة رشيد الطائي، مصدر سابق، ص30
10- اسراء محمد علي سالم، مصدر سابق، ص 48.
11- د. عادل يوسف الشكري الوسيط في نظرية الاثبات الجزائي، الطبعة الأولى، دار المسلة، بغداد، 2025 ص459.
12- نموذج محضر كشف دلالة تنفيذا لقرار هذه المحكمة المؤرخ .../ .../ وبناءً على اعتراف المتهم ... بقيامه بقتل المجنى عليه... في داره وسرقته بتاريخ .../.../... فقد خرجت هذا اليوم وبصحبتي المتهم ...
ونائب المدعي العام... والمحقق القضائي بالسيارة العائدة إلى مركز شرطة والمرقمة... ومع مجموعة من افراد الشرطة
وطلبت من المتهم ارشادنا إلى محل الحادث وعن وصول السيارة إلى مكان الحادث طلب المتهم منا التوقف عند الباب الخارجي لدار المجنى عليه... وهي الدار نفسها التي حصلت فيها الجريمة وطرق باب الدار وخرج إليه المجنى عليه... ودخلوا الدار وبعدها واثناء الحديث بينهما قام المتهم بإخراج سكين كان يحملها ومهيأة لهذا الغرض وقام بطعن المجنى عليه عدة طعنات في صدره وانحاء عديدة من جسمه ولوحظ وجود آثار دماء في غرفة الضيوف على الأرض واضاف المتهم انه قام بعد عملية القتل إلى غرفة النوم وكسر باب الديلاب الخشبي وسرقة كافة الأموال الموجودة فيه ووضعها في جيبه وخرج من باب الدار الخلفي ودون أن يراه أحد وقد جاء كشف الدلالة مطابقا لاعترافات المتهم وللوقائع، حيث لم يبق ما يقال افهم ختام المحضر ووقع من قبلي والحاضرين.
13- د. سلطان الشاوي، أصول التحقيق الاجرامي، دار الكتاب القانوني، بيروت، لبنان، 2019، ص 67.
14- علي أحمد الزعبي، حق الخصوصية في القانون الجنائي، أطروحة دكتوراه مقدمة الى جامعة الموصل، كلية الحقوق، 2004، ص 356 .
15- د. سامي حسني الحسيني النظرية العامة للتفتيش في القانون المصري والمقارن دار النهضة العربية، القاهرة، 1972 ص50 .
16- د براء منذر كمال شرح أصول المحاكمات الجزائية، الطبعة السابعة مكتبة السنهوري، بيروت، لبنان، 2021، ص 155 .
17- د. الهام محمد حسن العاقل التفتيش في قانون الإجراءات الجزائية اليمني، (دراسة مقارنة)، الطبعة الأولى، مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الانسان اليمن 2003 ص 75 .
18- عدنان هاشم زغير، ومحمد علي عبده التفتيش في القانون الجنائي العراقي، بحث منشور في المجلة الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 66 2025، ص 317 .
19- د. جمال إبراهيم الحيدري، العلاقة التكاملية بين القانون الجزائي والدستور، مكتبة السنهوري، بيروت، 2023، ص 832 .
20- علي أحمد الزعبي، حق الخصوصية في القانون الجنائي، أطروحة دكتوراه مقدمة الى جامعة الموصل، كلية الحقوق، 2004 ، ص 367 ، جمال محمد مصطفی، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية مطبعة الزمان، بغداد، العراق، 2004، ، ص 69 .
21- الاستاذ. عبد الأمير العكيلي، ود. سليم حربة ، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، ج1، 2005، دار السنهوري، بغداد ، ص126.
22- د. ضاري خليل محمود، أداب القضاء الجنائي، (دراسة في علم النفس القضائي)، الطبعة الأولى، مكتبة القضاء والقانون، بغداد ، 2022، ص 169
23- علي ثامر عبد العزيز الجبوري، الاثبات في المواد الجزائية (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون، جامعة ،بابل، 2012، ص81
24- العدد 23/22 ، ت ،2022/1/16، جزائية / استئناف كربلاء الهيئة التمييزية / قرار غير منشور.
25- تركي محمد السعيد مكانة الخبرة الفنية في السياسة الجنائية المعاصرة، رسالة مقدمة الى جامعة محمد خيضر بسكرة، كلية الحقوق والعلوم السياسية 2019، ص 150
26- د. محمد علي السالم العياد الحلبي، اختصاص رجال الضبط القضائي في التحري والاستدلال والتحقيق، الطبعة الأولى، منشورات ذات السلاسل، الكويت، 1983 ، ص146.
27- د. راسم مسير الشمري، إجراءات الدعوى الجزائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971، الطبعة الأولى، هاتريك، أربيل، 2025، ص 56.
28- نديم محمد حسن التزرى، سلطات النيابة العامة في الجرائم المعلوماتية، بحث منشور في مجلة الاندلس للعلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد ،15 عدد 13 ، 2017، ص 312 .
29- زانا محمد حمه صالح ، دور معاينة مسرح الجريمة في الاثبات الجنائي في القانون العراقي والمقارن، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة المنصورة، كلية الحقوق، 2015 ص 97 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون اصول المحاكمات الجزائية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة