ذكر المفسرون احتمالين في معنى: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ).
1. التخيير الفقهي[1]: بمعنى أن المحرم الذي يمتنع عن الامور الجنسية والصيد يجوز له أن يستعجل في النفر في اليوم الثاني (اليوم الثاني عشر) من منى الى مكة مثلما يجوز له أن يؤخر النفر فذهب الى مكة في اليوم الثالث (اليوم الثالث عشر) وفي كلتا الحالتين لم يرتكب معصية: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ) الا أنه اذا ابتلي بمقاربة النساء أو الصيد وجب عليه البقاء في اليوم الثاني عشر في منى والمبيت هناك ليلة الثالث عشرة ورمي الجمرات الثلاث صباح ذلك اليوم وحينئذ ينفر في لا يوم الثالثة عشر من منى الى مكة.
وينسجم احتمال التخيير هذا في حالة الامتناع عن النساء والصيد مع الرواية التي فسرت (لِمَنِ اتَّقَىٰ) بمعنى (اتقى الصيد[2]) وعلى هذا يكون التخيير الفقهي (النفر الاختياري في اليوم الثاني عشر أو الثالثة عشر) خاصا بالمحرم الذي امتنع عن هذين الفعلين في أيام الاحرام.
2. نفي جنس الذنب: بمعنى غفران ذنوب أهل التقوى بعد اتمامهم جميع أعمال الحج[3]. وعلى أساس هذا الاحتمال فإن جميع ذنوب من امتنع اعن ارتكاب أي من المحرمات وكان من أهل التقوى مغفورة سواء تعجل في النفر وذهب الى مكة في اليوم الثاني أم لم يستعجل بل ذهب في اليوم الثالث: (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ) وذلك لان الشخص اذا كان متقيا وصارت التقوى من ملكاته فحجه المقبول وسعيه المشكور لهما من الأثر ما يجعلهما يمحيان ذنوبه التي ربما ابتلي بارتكاب بعضها أحياناً؛ وذلك نظير ما لاجتناب كبائر الذنوب من الأثر في أن يكفر الله عن الذنوب الصغائر: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ[4]).
وعلى هذا فمعنى عبارة (لِمَنِ اتَّقَىٰ) هو أنّ الحاج إذا كان من أهل التقوى واجتنب جميع أنواع المعاصي - لا خصوص الصيد والنساء غفرت له جميع ذنوبه. وطبقاً لهذا الرأي يكون حرف (لا) في (فَلَا إِثْمَ عَلَيْه) لنفي الجنس؛ ومعنى الآية هو: لن يبقى أي ذنب على الحاج المتقي عند انتهاء مناسك الحج، لا أنه مخيّر في تقديم أو تأخير النفر، ولا ذنب عليه أيهما فعل. وهذا الاحتمال مضافاً إلى موافقته لظاهر الآية، يتفق مع روايات الأئمة الأطهار عليهم السلام أيضاً، كما يؤيّده أصل عدم التقييد في الآية وأصل عدم وجوب الصبر للنفر الثاني[5].
ويرى البعض أنه لما كان قسم من أهل الجاهلية يرون لزوم النفر والإفاضة يوم الثاني عشر ولا يجيزون (التأخير)، بينما كان قسم آخر يون لزوم النفر والإفاضة يوم الثالثة عشر ولا يجيزون (التعجيل)، أتت آية (فَمَن تَعَجَّلَ... وَمَن تَأَخَّرَ) التخيير الحاج وتفنيد أوهام هذين القسمين[6].
وهذا المطلب ممكن ثبوتاً، إلا أنه في مقام الإثبات يحتاج إلى سند معتبر ؛ مضافاً إلى عدم اتفاق جميع ا المفسرين على قبول دلالة الآية التي هي مورد البحث على التخيير الفقهي، واختلاف الروايات المأثورة في هذا الباب؛ إذ إنّ الظاهر من بعض النصوص كما ذكرنا سابقاً هو غفران جميع ذنوب الحاج المتقي سواء شارك في النفر الأوّل أم في النفر الثاني[7].
أي إن المعنى هو غفران ذنوب الحاجّ لا تخييره الفقهي بين النفر الأول والثاني، وإن أمكن احتمال الجمع بين التخيير الفقهي) من جهة و (التطهير الكلامي) من جهة ثانية؛ بمعنى أن مضمون الآية هو أن الشخص إذا راعى تروك الإحرام فهو مخيّر بين النفر الأوّل والثاني من جهة، ولا ذنب عليه بل يعود إلى وطنه مغفوراً له من جهة ثانية.
تنبيه: 1. إن السبب في بروز الاحتمالين في تفسير هذه الآية هو ورود قسمين من الروايات أحدهما يؤيد الاحتمال الأوّل والقسم الثاني يؤيد الاحتمال الثاني[8].
2. ذكر الطبري ستة أقوال في تفسير (فَمَن تَعَجَّلَ) واختار أحدها - ويبدو أنه القول السادس منها - قائلاً إن العديد من الروايات يؤيده، وهو أن الشخص إذا أفاض في النفر الأوّل فلا تثريب عليه، لأن جميع ذنوبه قد غفرت، وذلك في حالة ما إذا كان قد راعى جميع أحكام الأوامر والنواهي في أيام الإحرام والحج. كما أنه لو أفاض في النفر الثاني أي اليوم الثالثة عشر، فقد غفرت له جميع ذنوبه أيضاً، وذلك إذا تقيّد بصورة كاملة بجميع حدود الحج[9].
[1] التبيان، ج 2، ص 176؛ جامع البیان، مج 2، ج 2، ص 406 - 415؛ مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 532؛ مسالك الأفهام، الكاظمي، ج2، ص 224.
[2] تهذيب الأحكام، ج 5، ص 273؛ تفسير العياشي، ج1، ص99.
[3] وأكثر المفسرين على ذلك. راجع التبيان، ج 2، ص 176 ؛ جامع البیان، مج 2، ج 2، ص 406 - 415؛ مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 532 ؛ الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 82 .
[4] سورة النساء، الآية 31.
[5] راجع البرهان في تفسير القرآن، ج 1، ص 444 - 447.
[6] بيان السعادة، ج 1، ص 185؛ روح المعاني، ج 2، ص 141 - 142 مع تغيير بعض الألفاظ.
[7] تفسير العياشي، ج 1، ص 99 - 100 .
[8] راجع البرهان في تفسير القرآن، ج 1، ص 444 - 447 .
[9] جامع البیان، مج 2، ج 2، ص 412 .