موقف المشرع المصري من البناء على الأراضي الزراعية
المؤلف:
احمد عبد الأمير عبد الرب
المصدر:
الرقابة الإدارية على التصرفات في الأراضي الزراعية
الجزء والصفحة:
ص 108-111
2026-08-04
27
بعد أن انتشرت ظاهرة البناء على الأراضي الزراعية في مصر بصورة ملحوظة، ودقت ناقوس الخطر تدخل المشرع المصري لمواجهتها لأول مرة بموجب القانون رقم (59) لسنة 1973(1)، الذي عدل أحكام قانون الزراعة رقم (53) لسنة 1966 ، فقضى هذا التعديل بحظر إقامة أية مباني أو منشآت في الأراضي الزراعية، عدا ما استثنى منها (2) ، ولضمان عدم مخالفة هذا الحظر نص التعديل على عقوبة جنائية على المخالف، فضلا عن وجوب إزالة المخالفة على نفقة المخالف (3)، وتطلبت الحاجة إصدار قانون جديد يعدل بعض أحكام قانون الزراعة، فصدر القانون رقم (59) لسنة 1978، الذي لم يختلف كثيراً عن سابقه بالنسبة للأحكام المتعلقة بالبناء في الأراضي الزراعية، باستثناء شموله الأراضي البور القابلة للزراعة بالحظر المفروض على الأراضي الزراعية، وتشديد من العقوبة المفروضة لهذا الغرض مع عدم جواز إيقافها والعقاب على الشروع فيها (4).
وفي وقت لاحق، صدر قانون التخطيط العمراني المصري رقم (3) لسنة 1982، وقد تصدى في أحكامه إلى الظاهرة مدار البحث فحظر إقامة أي مبان أو منشآت في الأراضي الزراعية أو اتخاذ أي إجراءات من شأنها تقسيم الأرض الزراعية مع إيراد بعض الاستثناءات(5)، فضلا عن النص على عقوبة جنائية مع وجوب إزالة المخالفة (6) ، والملاحظ إنّ هذا القانون لم ينص على تجريم الشروع في البناء كما نص القانون السابق، وكذلك أنه لم ينص على حظر وقف تنفيذ العقوبة (7). وبصدور القانون رقم (116) لسنة 1983 ، وبموجب المادة (الثالثة) منه الغي الباب التاسع الكتاب الأول من قانون الزراعة، والغي كذلك كل حكم يتعارض مع أحكام هذا القانون الجديد الذي أضاف بموجب المادة (الأولى) منه إلى قانون الزراعة كتاب ثالث تحت مسمى "عدم المساس بالرقعة الزراعية والحفاظ على خصوبتها"، الذي نصت المادة (152) منه على حظر إقامة أية مبان أو منشآت على الأرض الزراعية، أو اتخاذ أية إجراءات في شأن تقسيمها لإقامة مبان عليها، وعدت هذه المادة الأراضي البور القابلة للزراعة داخل الرقعة الزراعية بحكم الأرض الزراعية.
ومن جهة أخرى نصت المادة آنفا على جملة من الاستثناءات بقولها :"... ويستثنى من هذا الحظر : (أ) الأرض الواقعة داخل كردون المدن المعتمدة حتى 12/18 1981 مع عدم الاعتداد بأية تعديلات على الكردون اعتبارا من هذا التاريخ إلا بقرار من مجلس الوزراء. (ب) الأراضي الداخلة في نطاق الحيز العمراني للقرى والذى يصدر بتحديده قرار من وزير الزراعة بالاتفاق مع وزير التعمير. (جـ) الأراضي التي تقيم عليها الحكومة مشروعات ذات نفع عام بشرط موافقة وزير الزراعة. (د) الأراضي التي تقام عليها مشروعات تخدم الإنتاج الزراعي أو الحيواني التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الزراعة. (هـ) الأراضي الواقعة بزمام القرى التي يقيم عليها المالك سكناً خاصاً به أو مبنى يخدم أرضه، وذلك في الحدود التي يصدر بها قرار من وزير الزراعة..."، إلا أنّ هذه الاستثناءات تتطلب صدور ترخيص من المحافظ المختص وفق القانون قبل البدء في إقامة أية مبان أو منشآت أو مشروعات، ويستثنى من الترخيص الحالة المنصوص عليها في الفقرة (جـ)(8).
وتعزيزا للأحكام المتقدمة، أصدر المشرع عقوبة جزائية (9) والزم كما في القانون السابق شمول الحكم الصادر بالعقوبة الأمر بإزالة أسباب المخالفة على نفقة المخالف، وحظر الحكم بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة، فضلا عن منحه السلطة التقديرية لوزير الزراعة بأن يوقف أسباب المخالفة بالطريق الإداري على نفقة المخالف حتى صدور الحكم في الدعوى (10) . ومن جانب آخر طال الحظر التشريعي إقامة مصانع أو قمائن طوب (الطابوق) في الأراضي الزراعية (11) ، وأورد عقوبة جزائية على من يخالف يخالف هذا الحظر (12) ، ورغم إن المصانع أو قمائن الطوب تدخل ضمن مفهوم المنشآت، ومع ذلك حظر المشرع وبنص صريح إقامتها على الأرض الزراعية، ويبدو إنّ الغاية من ذلك هو القضاء على كل خلاف يثور بشأن عدها من المنشآت والسبب من الحظر هو إن تشغيلها يعتمد بالأساس على استعمال الأتربة الناتجة من تجريف الأرض الزراعية، ومن شأن وجودها بالقرب من الأرض الزراعية يشجع أصحابها على تجريف الأرض، لغرض بيع الأتربة المتحصلة من التجريف إلى أصحاب هذه المنشآت (13).
ويلاحظ مما تقدم، بأن المشرع المصري قد تبنى الجزاء الجنائي، إذ درج على تشديد العقاب كلما تفاقمت هذه الظاهرة، ولهذا يوجه بعضهم انتقاداً لهذا النهج، اذ يرى إنّ الأحرى أن يعمل المشرع على إيجاد الحلول الجذرية لهذه الظاهرة بدلا الاكتفاء بسياسة العقاب، فلم يساهم تشديد العقاب بحل المشكلة، بل إنّ الظاهرة تفاقمت بصورة متنامية(14).
______________
1- ينظر د. محمد حسین منصور، اصول القانون الزراعي منشأة المعارف الاسكندرية 1996 ، ص 271
2- قضى التعديل بموجب المادة (2) منه بإضافة باب تاسع عنوانه (عدم المساس بالرقعة الزراعية) إلى قانون الزراعة وتقع المادة (107) مكرر (أ) ضمن هذا الباب التي نصت على انه: " يحظر بغير ترخيص من وزارة الزراعة إقامة أية مبان أو منشآت في الأراضي الزراعية، عدا الأراضي التي تقع داخل كردون المدن وتلك المخصصة لخدمتها أو سكناً لمالكها .....
3- تنص المادة (107) مكرر (ب) على انه " كل من يخالف حكم المادتين السابقتين، أو أحكام القرارات التي تصدر تنفيذ لهما يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تقل عن مائتي جنية، ولا تزيد على خمسمائة جنية عن الفدان الواحد موضوع المخالفة، أو أي جزء منه . . ويجب أن يتضمن الحكم الصادر بالعقوبة الأمر بتنفيذ : جميع الإجراءات اللازمة لإزالة أسباب المخالفة على نفقة المخالف .......
4- ينظر في ذلك محمد عزمي البكري، التجريف والتبوير وقمائن الطوب والبناء في الاراضي الزراعية ط4 دار الثقافة للطباعة والنشر 1989 ، ص 12 - 13 ، وكذلك ينظر المادتين (107) مكرر أ (فقرة أولى) والمادة (107) مكرر ب (فقرة أولى) من قانون الزراعة.
5- ينظر نص المادة (الثانية) من القانون، وللاطلاع على الاستثناءات التي أوردها القانون: ينظر الفقرات من (أ) إلى (هـ) من المادة المذكورة .
6- ينظر المادة (67) من قانون التخطيط العمراني المصري رقم (3) لسنة 1982.
7- ينظر محمد عزمي البكري، التجريف والتبوير وقمائن الطوب والبناء في الاراضي الزراعية ط4 دار الثقافة للطباعة والنشر 1989 ، ص 16.
8- ينظر عجز المادة (152) من القانون (116) لسنة 1983.
9- نصت المادة (156) من قانون الزراعة المصري رقم (53) لسنة 1966 على انه : " يعاقب على مخالفة أي حكم من أحكام المادة (152) من هذا القانون أو الشروع فيها بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه، وتتعدد العقوبة بتعدد المخالفات. ......
10- ينظر عجز المادة (156) من قانون الزراعة المصري.
11- ينظر المادة (153) من قانون الزراعة المصري.
12- تنص المادة (157) من قانون الزراعة المصري على انه "يعاقب على مخالفة حكم المادة (153) من هذا القانون أو الشروع في ذلك بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه، مع الحكم بإزالة المصنع أو القمينة على نفقة المخالف، وفي جميع الأحوال لا يجوز الحكم بوقف تنفيذ عقوبة الغرامة..." .
13- ينظر محمد عزمي البكري، التجريف والتبوير وقمائن الطوب والبناء في الاراضي الزراعية ط4 دار الثقافة للطباعة والنشر 1989 ، ص 81.
14- ينظر د. محمد حسین منصور، مصدر سابق، ص272.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة