العموريون والآشوريون وتقنيات حفظ البرودة قبل عصر التبريد الصناعي
المؤلف:
سائر بصمه جي
المصدر:
التبريد في التراث العلمي العربي
الجزء والصفحة:
ص102
2026-07-29
17
كان العموريون والآشوريون أول من استعمل غرف الخشب المرصوص، أو ما يُسمى ببيوت الثلج، ليحفظ فيها الجليد والثلج في الشتاء، ثم لينقل ويباع في الصيف بحيث يتم تناوله مع مختلف أنواع المشروبات. وقد بقيت هذه الطريقة شائعةً حتى ظهرت أكياس الخيش فصارت الثلوج تنقل داخلها إلى الأماكن القريبة؛ ففي مملكتَي ماري وكارانا (تقع في جبل سنجار غربيَّ الموصل) عام 1750ق.م. وفي كل الحضارات التي نشأت على ضفاف الخابور الذي يرفد نهر الفرات، كان الثلج المجمد معروفًا. وقد دلنا على ذلك المكتشفات الأثرية في حضارة مدينة «ترقا» لبيت الثلج الذي تبين أن حاكم «ترقا» قد أرسل إلى ملك «ماري» زمري-ليم Zimri-Lim (القرن 17ق.م.) ليرسل إليه: «رجال يشرفون على تسلم وتجميع وترتيب الثلج في ترقا.» وتشير الرُّقم الفخارية أن حفظ الثلج لم يكن معروفًا صيفًا قبل أيام ملك ماري زمري ليم. كما كتب الملك «أبلا هندا» ملك كركميش (مدينة جرابلس اليوم شمال سوريا) إلى «ياشيم-حدو» بعد خلو كرسي الملك الآشوري: «الآن … يوجد لدينا ثلج في زيرانوم بكثرة.» وكتب الملك «شمشي-حدد» إلى ابنه: «أما في تجميع الثلج، فهل من الجيد تحميل الحمالين الثلج من بعد 20–30 مسافة؟» وقال: «اطلب من خدمك جمع الثلج واجعلهم ينقونه من أغصان الشجر والوسخ.»
كما صنعت في حضارات بلاد الرافدين كئوس رخامية لتقديم المشروبات، فهو يساعد على الاحتفاظ بالبرودة القصوى للمشروبات.
بناءً على ذلك يرجِّح بعض المؤرخين أنه ربما يعود أصل استهلاك المشروبات المبردة والمثلجة في أي وقت من أوقات السنة وفي أي منطقة كانت إلى بلاد ما بين النهرين؛ فقد حظيت هذه المشروبات باهتمام الأطباء نظرًا لخصائصها العلاجية لبعض الأمراض؛ الأمر الذي دفع السلطات لتوفيرها على مدار العام. وتعود أولى الروايات عن هذه المشروبات إلى العام 1700ق.م. حيث كانت تُبنى في مملكة ماري أقبية لتخزين «الشوريبو»؛ أي الجليد أو الثلج المجلوب من مناطق تبعد حوالَي مائتَي كم عنها. هذه الأقبية تعتمد على مبدأ أن التغيرات في درجة حرارة سطح الأرض تصل إلى عمق معين، ولكنها تأخذ بعدئذٍ بالتناقص، وتتقلص وتيرة تأثُّر درجة الحرارة في العمل عن تلك السطحية مع نزولنا للأسفل، وفي المناطق المعتدلة، حيث يصل تأثير التغيير إلى عمق متر. أما التغيرات الأكثر بطئًا، والناجمة عن تعاقب الأيام الحارَّة والباردة، فهي سريعة الزوال. وينخفض التغير السنوي (شتاءً/صيفًا) إلى حد الخمس، ويتأخر ثلاثة أشهُر على عمق خمسة أمتار. ويستمر في الانخفاض بمعدل 4٪، ويتأخر مدة ستة أشهُر على عمق حوالَي عشرة أمتار. ويفقد أهميته على عمق حوالَي عشرين مترًا. بعدئذٍ تبدأ درجة الحرارة، التي أصبحت ثابتةً تقريبًا، في الارتفاع مع ازدياد العمق.
ستعود هذه الطريقة وتظهر في الغرب عن طريق الأندلس، وهو ما تشير إليه كلمة سوربيتيه Sorbete التي يشار بها إلى المشروبات المثلجة والعذبة، والتي تنحدر من كلمة «شراب» العربية، ذات الصلة بالكلمة البابلية «شوريبو». ونجد مشتقاتها في لغاتٍ أخرى مثل Sherbet الإنجليزية، وSorbet الألمانية، وSorbet الفرنسية.
وكانت سيقان نبات القنب المجوفة تُستعمل بمثابة قشة (مصاصة) تُشرب بها الجعة المرطبة المصنوعة من الشعير في بلاد ما بين النهرين.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريخ الفيزياء
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة