حاول سوتشين أن يقنع «فن نانجون» بالوحدة مع دولتي يان، وجاو لمهاجمة تشي، إلا أنه لم يُعمل بنصيحته، وذهب سوتشين إلى تشي ليعمل على تشويه صورة دولة جاو بكل الوسائل المُمكنة، جاهدًا في العمل على قطع العلاقات بينها وبين تشي، فلما تحقق له ذلك الهدف، أوفد مبعوثًا إلى دولة يان ليبلغ حاكمها، ما نصُّه: «قد أبلغني «هانوي» [وزير عظيم بدولة جاو] أن … أحد الأشخاص قد ذهب إلى «فن نانجون»، وقال له: «إن الوحيد الذي يعمل على إفساد العلاقة بين جاو وتشي، هو «سوتشين»، وهو أيضًا الذي أوعز إلى ملك تشي باستقدام «سوتشين»، وحال بينه وبين مهاجمة دولة سونغ؛ وكان هو أيضًا الذي تدبَّر الخطط مع دولة تشي، وقام بتوسيع نطاق الحملة الداعية إلى التحالف مع تشين والتآمر ضد جاو.
وكان سوتشين هو الذي دعا دولة تشي لتشكيل طاقم حراسة مسلحة لمراقبة الأمير «قون تسي»، رهينة السلام الموفد من دولة جاو؛ وإذا سمحت لي بأن أسدي إليك نصيحة مخلصة، فإني أرجو من دولة تشي ألا تقبل تكليف حراسة مسلحة بمراقبة رهينة السلام؛ لأنه لو حدث فعلًا أن قام على حراسة الأمير عدد من المُسلحين، فسوف أجعل عليك حراسًا مُسلحين يُراقبونك أنت أيضًا.» وكم كانت كلماته وقحة، تقطر ضغينة وسوء أدب. ومع ذلك، فلا عليك من ذلك كله، يا مولاي، ثم إني أعرف — مقدمًا — ومع ما يمكن أن تجلبه زيارة تشي من متاعب وتعقيدات من جانب دولة جاو، لكني خرجت لإنجاز هذا الأمر تحقيقًا لرغبتك. (واعلم) أني لو مت وانقضى أجلي، وانعقدت سحب الكراهية في أجواء العلاقات بين تشي وجاو، فسأبقى — حينئذٍ — على الرغم من موتي، قائمًا بين ظهرانيكم أو أصير كالميت الحي.
إذا تدهورت العلاقات وانقطعت بين تشي، وجاو، فسوف يحل الاضطراب والقلق والفوضى في كل الأنحاء، وكم كنت أتمنَّى أن أكون مثل جان مونتان [وزير التخطيط للملك شيانغ حاكم جاو]، ولو دعيت لأن أكون مثله؛ لاحتاجت دولتا تشي وجاو إلى من يماثل «جيبو» [داهية التخطيط السياسي].»
قد تكلم فن يانجون مع كل من «جوهوان»، و«جاوسو»، [كلاهما من كبار رجال دولة جاو] فقال لهما: «كان ملك تشي قد وجه لي الأمر — بواسطة (المدعو) «قون يودان» — بعدم السماح ﻟ «هانمين» بالقدوم إلى دولة تشي، إلا أن الطلب قد أرسل إليه باستدعائه الآن؛ هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى … فقد صدر لي الأمر أيضًا بعدم إيفاد سوتشين في مهمةٍ رسمية تتصل بالشئون السياسية الكبرى، ثم ها هو ذا يمنحه الصلات الجزيلة والإقطاعات الواسعة، ويتَّخذه رئيسًا للوزراء، (… ليس هذا فقط، بل إن جلالته قام بتوطيد علاقاته مع دولة يان … وهو الذي سبق أن …) أمرني — من قبل — بعدم إقرار الوحدة معها؛ ولم يكن لي من بين رجال البلاط جميعهم، من أَعُده الملجأ والسند والملاذ، مثل «شونزي» [أمير دولة تشي كان رهينة لضمان السلام في دولة جاو] ثم إذا به أكثر تقلبًا من أبيه؛ وكان في مبتدأ الأمر يبغض سوتشين، ثم أدرك — مع الوقت — أنه لا يمكن أن يمسَّه بسوء، وصار الآن مُقتنعًا بأنه الحكيم الفاضل ذو الخلق العظيم؛ وإذ تصافيا وقام الود بينهما، قضي الأمر، ولم يعُد لي مَن أستند إليه، وأشد أزري به في دولة تشي!» وهكذا فقد اجتاحته نوبة من الغضب العارم. ولئن كان ملك تشي يُبدي التشكك في نوايا دولة جاو، فإن رجلًا — بمفرده — مثل فن يانجون، يستطيع أن يستثمر هذه المسألة فينقلب على دولة تشي ويكيد لها كل ألوان المكايد، فإذا لم يتم استغلال فرصة القلاقل التي تملأ الأجواء في الوقت الراهن، لبذر الشقاق بين تشي وجاو، فمن المُمكن أن تجد مشاكلها حلولًا، فيصفو الود بينهما وتقوم الوحدة محل الخلافات القديمة، فلا يعود المرء قادرًا على مُمارسة أي تأثير عليهما، ولذلك، فقد طالما ظننتُ — إن تحسنت العلاقات بين البلدين بالدرجة التي تسمح بقيام الوحدة بينهما — فسأكون مُستحقًا لأبشع عقاب، ولن يكفي الموت نفسه عقابًا لي، بل إن هجر ملذات الحياة والانعزال في الكهوف البعيدة لن يمحو عني مرارة الأشجان وحرقة اللوعة، وحتى لو رُقِّيت إلى رتبة الشرف العليا [أمير البلاد] فلن أشعر بالفخر والسعادة، وقد يظن الناس أني لو شعثت شعر رأسي وارتديت الأسمال ولطخت وجهي بالقار، وملابسي بالأقذار، أتشاغل عن ذلك بما أصابني من العار، كلَّا بل إن إحساسي بالخزي سيكون أكبر من كل ذلك وأفدح.
وفوق هذا كله فما زال هناك هاجس يؤرقني، وهو أن يكون العداء بين البلدَين مرهونًا بسني حياتي، فإذا مت، عادت المياه إلى مجاريها، وقامت المُصافاة بينهما، وعاد الود من جديد؛ فذلك أكثر ما يُثير دفائن همومي، ولو كنت أعلم أن في موتي قيام الحرب بينهما لرجوتُ الموت واجتهدت في طلبه بكل وسيلة.
قد هلك، في الغابرين، الملِكان الحكيمان «ياو»، و«شون»، ولم تشفع لهما الحكمة والفضل في أن يُخلَّدا، وقديمًا، مات الملكان المقدسان «يو» و«طانغ»، فلم ينقذهما من إسار الموت ما برعا فيه من رجاحة العقل وسلامة المنطق وسداد الرأي؛ بل ذاق الموت بطل الأبطال وأشجع الشجعان «منغ بن» كما لقي حتفه المصارع الجبار أقوى الأقوياء «أواهوا»، فهل يخلد أحد من الأحياء حقًّا؟ وهل يفلت من قبضة الموت حي؟ وهل لدى جلالة الملك أدنى شك في أنه من الأجدر السعي إلى تحقيق الأمنيات وإنجاز التطلعات في إطار ذلك المنطق الذي يتبع الحقيقة الحتمية؟
ليت المرء يهرب من هاهنا حقًّا. قد أتيت إلى تشي، عبر دروب ومسالك مشيتها بأرض وي وهان، وعملتُ كل ما في وسعى لإقامة الوحدة بين تشي وتشين، ثم حاولت قدر ما أستطيع ربط هذا التحالف بدولة جاو لدعم قوتها؛ بحيث تتهيأ الظروف التي تساعد على نشوب القتال بين تشي وجاو. (وعلى الرغم من هذا، فقد كنتُ أخشى أن أزج بدولة يان في هذا المعترك).
وقد تكلم فن يانجون مع جوهران، فقال له: «إن سوتشين ينقم على ملك يان أنه لم يتخذه رئيسًا للوزراء، ولم يمنحه رتبة أمير الدولة، ولهذا فلا أظنه يسعى لإقامة أي علاقات مع دولة يان.» وهكذا، فقد كانت شكوكه هذه هي التي دفعتني للتصرف على ذلك النحو الذي لن يزج بدولة يان إلى معترك الأزمات، وهكذا فليس جلالة الملك بحاجة إلى دفع القوات.
(وتحكي كتب التاريخ القديم أن …) «آيين» قد هرب مرتين من دولة شانغ [إبان حكم الملك طانغ] إلى الطاغية «جيه» [إبان حكم أسرة شيا الملكية]، ثم هرب مرتَين آخريَين من الطاغية «جيه» لائذًا بالملك طانغ [آل شانغ] وفي آخر المطاف، اشترك في معارك «منتياو» مساندًا للملك «طانغ» في صعوده إلى عرش الإمبراطورية (وكذلك) كان «أوتزي شيو» قد هرب من دولة تشو، فنزل على دولة «أو» [كان «أوتزي شيو» أحد كبار الموظفين بدولة تشو، إبَّان عصر الدول المتحاربة، وحدث أن الملك حكم بالإعدام على أبيه وأخيه، فاضطر إلى الهرب والتنقُّل بين الممالك، حتى ثأر لأهله، وشفى غليله] ثم إنه تطوع للقتال في حرب «بوجيو»، فشفى نفسه بالثأر لأبيه وأخيه. إن هروبي بين الممالك قد أحدث اضطرابًا شديدًا في العلاقات بين جاو وتشي (وهو حدث فذ من حوادث الأيام سيخلده سجل التاريخ) وفوق ذلك كله، فإن المرء ليتساءل حقًّا، عما إذا كانت قد خلت سيرة «أصحاب الإنجازات الكبرى» من تجارب الهرب والفرار؟ (ونماذج فرار أولئك العظماء كثيرة منها: …) كان «قوانجون» قد هرب إلى دولة لو، إبان الأزمة التي اجتاحت البلاد على عهد الأمير هوان (بدولة تشي) وهرب كونفوشيوس إلى دولة «ويه» عندما اندلعت القلاقل وعمَّت الفوضى أرجاء البلاد في فترة حكم «يانهو» [الفترة المتأخرة من زمن الربيع والخريف»، أيام حكم أسرة «جيسون»]، بل قد هرب تشانغي إلى دولة تشو، وفر «بايقوي» إلى دولة تشين؛ ولما كان وانجو رئيسًا لوزراء دولة جونشان، فقد ذهب في بعثته إلى دولة جاو التي مارست عليه ضغوطًا هائلة (لكي يسلمها أجزاء من أراضي جونشان) فما كان منه إلا أن أفلت هاربًا من أحد المعابر الحدودية، واعتبرته دولة سانجين واحدًا من الفرسان العظماء والنبلاء الشجعان، ومن ثم كان الهرب على إثر حدث عظيم بعيدًا كل البعد عن دلالات الجبن أو العار أو المهانة.» وأخيرًا، فقد بذرت دولة تشين الشقاق بين تشي وجاو؛ فاتحدت هذه مع دولة يان لضرب تشي، حتى أوقعت بها شرَّ هزيمة وأثخنت فيها.