الثاني: في المصلّي:
تجب الصلاة على الميت كفاية على جميع المكلّفين، وإن كان أحقّ الناس بذلك أولاهم بميراثه، وأقربهم إليه من الرحم التي تجرّه إليها فيصلّي هو أو يأمر من يحبّ بالصلاة عليه، ولا منافاة بين وجوبها على الجميع؛ بمعنى عقاب الجميع بترك الصلاة مع إذن الولي وامتناعه أو فقده، وبين إناطة خصوص المباشرة لذلك برأي الوليّ، والأب أولى من الابن عند التعارض، والولد أولى من كل من الجدّ والأخ والعمّ.
ولو كان الولد صغيرا لم يبعد كون الولاية للجدّ مع وجوده، ولو تعدّد الولد اشتركا في الولاية ولم يختصّ أكبرهم بها على الأقوى، والأخ من الأبوين أولى من الأخ للأب خاصّة، بل ومن الأخ للأم خاصة أيضا في وجه، والزوج أولى بزوجته من جميع أقاربها. ولو تعدّدت إحدى المراتب وكانوا مختلفين في الذكورة والأنوثة فالذكر أولى من الأنثى، كما أنّهم لو كانوا مختلفين في الحرّية والرقيّة فالحرّ أولى من الرّق في وجه، ولو تساووا في الذكورة والحريّة فقيل: يقدّم الأفقه، فالأقرأ، فالأسنّ، فالأصبح، ولم يثبت. نعم، هو أولى وأحوط (1).
ويجوز للولي أن يصلّي على الميت منفردا، ولو أرادوا الصلاة جماعة فإن كان الوليّ جامعا لشرائط الإمامة، وإلّا أذن لصالح للإمامة أنّ يؤمّ بهم، والأفضل أن يختار أحقّ النّاس بالإمامة من العدول كالفقيه والهاشمي ونحوهما، وليس لمن استنابه الولي في الصلاة أن يستنيب آخر بدون إذن الولي (2).
ويجوز للولي الرجوع عن الإذن إلى المباشرة، أو الإذن لآخر ما لم يشرّع المأذون أوّلا في الصلاة (3)، وأمّا بعد شروعه فيها ففي جواز رجوعه في الإذن ليقطعها المأذون أو لا وجه غير بعيد، وإن كان ترك الرجوع حينئذ أحوط (4).
ولا يجوز أن يتقدّم أحد إلا بإذن الولي سواء كان بشرائط الامامة (5) أو لم يكن، بعد أن يكون الولي أهلا للولاية بالبلوغ والعقل.
ولو انحصر الولي في الصغير أو المجنون أو الغائب الذي لا يمكن استئذانه قبل فوت الصلاة فلا ولاية لأحد، بل يتقدّم من شاء من المسلمين (6)، وإن كان استئذان الحاكم أحوط بل لا يخلو من وجه (7).
ولو أوصى الميّت بصلاته إلى غير وليّه ففي نفوذ وصيته وتقدّمه على الولي وجه قوّي (8).
ولو مات أحد ولم يوصِ بالصلاة إلى أحد ولم يكن له وليّ من أقاربه فأولى الناس به الحاكم أو نائبه (9)، فإن فقدا فعدول المسلمين على الأحوط، إن لم يكن أقوى (10).
وهل يختصّ اشتراط إذن الولي بإرادة الإمامة في الصلاة على الميت، أو يعمّها والصلاة فرادى، أو يعمّها والائتمام بمن قدّمه الولي، وجوه، أضعفها الأخير، وأحوطها الثاني، وإن كان الأوّل أشبه.
وإذن الوليّ فحوى بحيث تعدّ من الظواهر اللفظيّة كإذنه صريحا، وفي شاهد الحال وجه بالكفاية إلّا أنّ الأحوط عدم الاكتفاء به (11).
ولو تقدّم أحد بغير إذن الولّي فعل حراما، وفي بطلان صلاته وجه غير بعيد موافق للاحتياط (12)، وفي بطلان صلاة من ائتمّ به تأمّل.
وإمام الأصل (13) سلام اللّه عليه أولى بالصلاة على الميت من كلّ أحد حتّى الأب، فإذا حضر صلّى بغير استئذان الولّي. وفي ثبوت ذلك للفقيه العدل في زمان الغيبة-إن كان ممّن يخالف هواه - وجه (14).
ويجوز أن تؤمّ المرأة النساء في صلاة الجنازة مع العدالة، ولا تتقدّم حينئذ على المأمومات، بل تقف في وسط صفّهن.
والأحوط ألّا تؤمّهن مع وجود الرجال، والأحوط ستر العورة في هذه الصلاة بما تيسّر، ويجوز ائتمام بعض العراة من الرجال ببعض فيها، وحينئذ يقف الإمام في وسط الصف ولا يتقدّم عليهم.
ويتقدّم الإمام الساتر لعورته، ولو كان المأموم واحدا، وإذا اقتدت النساء بالرجل وقفن خلفه، وإن كان وراءه رجال فالأفضل وقوفهنّ خلفهم، ولو كانت فيهنّ حائض انفردت عن صفّهنّ ووقفت خلفهنّ وجوبا على الأحوط بل الأقرب.
وأفضل الصفوف في صلاة الجنازة آخر صفوف الرجال فيما لو كانت هناك نساء مقتديات خلف الرجال (15).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه مسائل عديدة بعضها مجمع عليها والأخرى مشهورة بين الفقهاء تتضّمن أبحاثا مبسطة راجع جواهر الكلام: 4/ 30.
(2) لمّا كانت صحّة الصلاة في المقام منوطة بإذن الولي، فعليه التعدّي عمّا أجازه الولي لا يجوز، وهو واضح.
(3) من لوازم اختيار الولي في الإجازة الرجوع فيها ما دام المحل قابلا للرجوع.
(4) القائل بعدم جواز القطع ينظر إلى أنّها عبادة، والعبادة الواجبة بعد التلبّس بها لا يجوز قطعها إلّا في موارد خاصة، وهذا المورد ليس من تلك الموارد فلا يجوز، والذي يدّعي الجواز ينظر إلى أن إطلاق الصلاة على صلاة الميت بنحو عناية وتوسّع في الإطلاق؛ لأنّها لا تتوقّف على الطهارة لا على كثير ممّا يتحقّق بها الصلاة، بل هي بمعناه اللغوي وهو الدعاء، ولا مانع من قطع الدعاء بلا ريب، وللبحث صلة راجع الكتب الفقهيّة الاستدلاليّة.
(5) شرائط الإمامة هي: البلوغ، والعقل، والعدالة، وطهارة المولد، واشترط بعض الفقهاء شروطا أخر لصحّة إمامة إمام الجماعة راجع جواهر الكلام: 13/327.
(6) لأنّ المصلّي يقوم بما يجب عليه من دون مانع؛ لأنّ إذن الولي كان شرطا في صحّة الصلاة والمفروض عدم وجوده أو عدم التمكّن منه، فتكون صلاة من شاء من المسلمين بلا مانع، والأحوط عندي استئذان الحاكم الشرعيّ.
(7) لأنّ الحاكم الشرعي وليّ من لا وليّ له، ووليّ من عسر الاستئذان من الولي من ضرر المولى عليه بالتأخير.
(8) لأنّ الميّت له التصرّف في جميع شؤونه الماديّة والمعنويّة في حال حياته والمورد منها، وناقش فيه جمع من فقهائنا.
(9) لأنّه ولي من لا وليّ له.
(10) الأمور العامّة والضرورات كلّها إذا فقد صاحبها كان رعايتها للإمام أو نائبه أو عدول المؤمنين، أو فسّاق المؤمنين على الترتيب المذكور حسبة يتقرّب إلى اللّه سبحانه بالقيام بها.
(11) كلّ هذه صور ذكرها فقهاؤنا، وهي من الموارد الاستنباطيّة التي تظهر بها قوّة الفقيه في الاستدلال.
(12) النهي في العبادة يوجب البطلان، ولكن صلاة الميت هل هي من العبادات أم أنّها من الواجبات، والاحتياط هو إعادة الصلاة بإذن الولي، واللّه العالم.
(13) أي الإمام المعصوم عليه الصلاة والسّلام وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ لأنّه حائز مقام الخلافة الالهيّة، الوسائل: 2/801 باب 23 حديث 3، والحكم اجماعي بل ادّعى عليه ضرورة المذهب.
(14) لأنّ الإمام (عليه السّلام) نزّل الفقيه المخالف لهواه - مع شروط أخر - منزلة نفسه المقدّسة في رعاية مصالح المسلمين.
(15) جواهر الكلام: 4/264.