حاسة اللمس هي الأكثر استخداماً من قبل الجنين في رحم الأم.
لذا منذ أن يرى الطفل النور، يبدأ في استخدام حاسة اللمس للتعرف على الأشياء من حوله، ولحفظ ملامح الوجوه عن ظهر قلب، وايضاً لإقامة الصداقات مع الآخرين، والتواصل مع المجتمع الخارجي. لذلك لا يجدر بكِ أن تصيحي في وجهه ممنوع اللمس لأنك بذلك يمكن أن تكوني سبباً في إعاقة نموه النفسي، الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على استخدامه اللمس. ويحدث ذلك عادة على ثلاث مراحل.
منذ الولادة حتى 18 شهرا:
يولد الطفل عادة محباً للمس وتعد حاسة اللمس الأكثر استخداماً من قبل الجنين في رحم الأم: إما عن طريق حك ظهره في الحاجز الرحمي أو بالتربيت بيديه وقدميه على نفس الحاجز في حركات دائرية - وبعد ولادته، يعرف الطفل كيف يستخدم أفضل (أداة لمس) وهبه إياها الله يده، هذه اليد التي تتضمن أكثر من مائتي نهاية عصبية في السنتيمتر المربع الواحد. كما تعد أنامل الأصابع أكثر حساسية من جميع مناطق الجسم الأخرى.
ويبدأ الطفل بسرعة في اختبار الإمكانات والقدرات التي يتيحها له هذا الجهاز الحساس. ويكتشف أن أدوات الاختبار متنوعة، وتتناثر حوله في كل مكان. إلا أنه من الصعب عليه الإمساك بها أو الحصول عليها. وعلى الجانب الآخر يجد العناصر (البشرية) تتحرك في كل مكان، تتحدث في ما بينها، تتباعد وتتقارب، وتبدي الإعجاب، وتبتسم له، وما أن يصبح الطفل قادراً على التحكم في حركاته، حتى نجده يمد جسمه، ويرفع ذراعيه، في محاولة للإمساك بالوجوه التي تقترب منه. وبالتدريج، يتمكن من حفظ ملامح هذه الوجوه عن ظهر قلب، والتعرف عليها فقط بأنامله.
من 18 الى 24 شهراً:
في هذه السن، يستغل الطفل قدرته على المشي في الذهاب الى الأطفال الآخرين في الحضانة أو الحديقة، وأول ما يمده تجاههم يداه مبدياً رغبة حقيقية في لمسهم.
يقول المحلل النفسي: لا يمكن للطفل أن ينمو نفسياً دون القيام بلمس الآخرين. أما إذا حرم من هذا التواصل الحسي، فإنه يذوي، ويتوقف نموه النفسي. فالطفل، عن طريق لمس أجساد الأطفال الآخرين، يعمّق وعيه بجسده الخاص. فعندما يلمس ذراع صديقه على سبيل المثال، يشعر بشيء معين عند أطراف أصابعه، وعندما يلمس ذراعه هو، يشعر بـ (الشيء) نفسه عند أطراف اصابعه ايضاً، بالإضافة الى شيء آخر في ذراعه هو، ويبدأ في عقد المقارنات، وعمل الاستنتاجات وطرح الاسئلة. ومن هنا تبدو أهمية حاسة اللمس كوسيلة من وسائل العلم. إلا أن حاسة اللمس، في هذه السن، تتعرض لكبوة متمثلة في قائمة النواهي والمحظورات المتعلقة بحاسة اللمس. على سبيل المثال: لا تلمس مفاتيح الكهرباء. أو لا تضع أصابعك في محتويات طبقك، أو لا تحرك المزهرية ولا تعبث بالـ (ريموت كونترول). وتكون النتيجة المترتبة على هذه القائمة - كما يعلن المحلل النفسي ـ أن يدرك الطفل مع الوقت ان استخدام يده هو السبب في اكتشاف أشياء غير مرغوب فيها وهي المحظورات. وفورا، يربط الصغير بين حاسة اللمس والممنوع، فيصاب بالبلبلة وتشوش الأفكار، هذا بالإضافة إلى إحساس بالذنب يمنعه من ممارسة هواية اللمس.
من 2 الى 3 أعوام:
وخلال العام الثاني من عمره، يضع الصغير (اللمس) ضمن قائمة الممنوعات. ويعتمد على الاحتكاك الجسدي المباشر كوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي كأن يسارع مثلاً إلى الإمساك بذراع زميله ما ان يراه، أو يلتصق به... الخ، في محاولة لدفع الآخرين للاعتراف به واعتماده عضواً في الجماعة، ونظراً لحداثته في مجال العلاقات ولخبرته المحدودة، يرتكب الصغير أخطاء متعددة في سعيه الحثيث نحو الصداقة. ويعجز عن التحكم في قوته وفي حدة ضرباته أو عناقاته بفعل حماسته الشديدة للتعرف على الطرف الآخر، ما ينتج عنه أحياناً سحق اصابع طفلة رقيقة أو التسبب في سقوط طفل لم يتمكن من الصمود في مواجهة (العناق الحار). وهي حوادث يومية شبه عادية، يعلّق عليها المحلل النفسي بقوله: يحتاج الطفل في هذه المرحلة الى تدخل الكبار لتلقينه القوانين والنظم التي تحكم إقامة العلاقات مع الآخرين، ليحدث ذلك في إطار من الاحترام المتبادل.
سن ثلاث سنوات:
مع بلوغه سن الذهاب الى الحضانة، يبدأ الصغير في إضفاء صيغة اجتماعية على حاسة اللمس، ويبدأ في ممارسة بعض مظاهر الترحيب التي خبرها عندما كان في كنف أسرته وعلى رأسها القبلات.
تقول آن واجنر مديرة إحدى دور الحضانة: عندما يقبل الصغير أحد زملائه في الحضانة، فإنه يُقبله عادة في فمه. وهذا شيء منطقي، طالما أنه يستخدم فمه في التقبيل، فإنه يختار العضو نفسه لدى زميله ليتلقى تحيته وقد يبدو ذلك غريباً بالنسبة إلى بعض الآباء والأمهات، وفي الواقع، فإن الطفل لا يلجأ لذلك إلا للتعبير عن حبه للآخر، بصرف النظر عما إذا كان طفلاً أو طفلة.
وقد يشعر الطفل بأنه ارتكب جريمة عندما يُقبل آخر، بسبب ما يراه في عيون الوالدين من استنكار أو عدم ترحيب. ولذلك ينصح بعدم التدخل إلا في حالة التقبيل بدون سبب ظاهر. يقول المحلل النفسي: لمس الآخرين ظاهرة طبيعية في هذه السن، والطفل يلجأ الى استخدام حاسة اللمس لإقامة العلاقات مع الغير فلا داعي لإفساد محاولاته الايجابية بإصدار الأحكام المسبقة عليه. وتفسير تصرفاته بشكل سلبي، وإلصاق التهم به وهو بريء منها.