الاخبار بدواعي إنشاء حكم الصيام
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص279-282
2026-06-18
37
ظاهر قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) هو حكم تشريعي في إطار الجملة الخيرية بداعي الانشاء وليس الإخبار المحض رغم ما يقابل ذلك من الحديث عن وجوب سابق وفائدة وجوب الصيام وهذا يشبه ما نلاحظه في آيتي القصاص والوصية الواردتين في سياق واحد حيث يكون مفادها الانشاء وظاهرهما التشريع والوجوب لكن الاستناد العلامة الطباطبائي قدس سره حمل آية الصيام على الاخبار في قوله: فالكلام الموضوع في الايتين كما ترى توطئة وتمهيد لقوله تعالى في الاية الثالثة: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وعلى هذا فقوله تعالى في الاية الاولى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) اخبار عن تحقق الكتابة وليس بانشاء للحكم كما في قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى[1]) وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ[2]) فإن بين القصاص في القتلى والوصية للوالدين والأقربين وبين الصيام فرقا وهو أن القصاص في القتلى أمر يوافق حس الانتقام الثائر في نفوس أولياء المقتولين ويلائم الشح الغريزي الذي في الطباع أن ترى القاتل حيا سالما يعيش ولا يعبأ بما جنى من القتل وكذلك حس الشفقة والرأفة بالرحم يدعو النفوس الى الترحم على الوالدين والأقربين وخاصة عند الموت والفراق الدائم فهذان – أعني: القصاص والوصية - حكمان مقبولان بالطبع عند الطباع موافقان لما تقتضيها فلا يحتاج الانباء عنها بإنشائها الى تمهيد مقدمة وتوطئة بيان بخلاف حكم الصيام فإنه يلازم حرمان النفوس فهو ثقيل على الطبع كريه عند النفس يحتاج في توجيه حكمه الى المخاطبين وهم عامة الناس من المكلفين الى تمهيد وتوطئة تطيب بها نفوسهم وتحن بسببها الى قبوله وأخذه طباعهم ولهذا السبب كان قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) إنشاء للحكم من غير حاجة الى تمهيد مقدمة بخلاف قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) فإنه إخبار عن الحكم وتمهيد لإنشائه بقوله: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[3]).
وقد صدق الاستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره في قوله بوجود الاختلاف بين الصيام والقصاص سيما في الامور السياسية ومسألة الوصية في المسائل المالية الاسلامية لكن لابد لنا أن نعلم بأن أي حكم شاق ليس بالضرورة أن يكون بحاجة الى توطئة أو مقدمة كما هي الحال في موضوع الجهاد والدفاع حيث صدر الحكم بذلك دون أية مقدمة أو تمهيد بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ[4])، ولم يذكر سبحانه شيئا عن كون مسألة القتال والجهاد هي أشق على النفس من الصيام ليستخدم تعبيرات مثل قوله سبحانه: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) أو رفع التكليف عن الشخص المعذور (مع البدل أو بدونه) لتسهيل الحكم المذكور وإن ذكرت في آيات اخرى ما قد يعتبر استثناء مثل قوله تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ[5]).
وربما يقال بأن موضوع الجهاد عائد الى موضوع الدفاع وهذا الاخير هو أمر معقول ولذلك يكون مقبولا بسهولة خلافا للصيام الذي يلازمه حرمان النفوس من الملذات لكن ينبغي الانتباه هنا الى أن كلا من الجهاد والصوم هما أمران معقولان من خلال التحليل العلمي إلا أن منهما لن يكون مقبولا من الناحية العملية وعندما يقال عن القتال: (وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ) فإن الامر نفسه كذلك مع الصيام الذي يعتبر شاقا للكثير من الناس.
وثانيا إذا كان حكم ما بحاجة الى مقدمة وتمهيد فإن بإمكان الامر (أو المشرع) الاتيان بالمقدمة التمهيدية والحكم الانشائي معا كما حدث في موضوع الصيام عندما صدر الامر في بدايته الى الجميع بشكل عام ثم استثناء البعض من ذلك الحكم هكذا صدر الحكم الكلي بهذا الشكل: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[6]).
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة