تعريف الابرار من خلال (البر)
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص96-100
2026-06-03
19
بعد أن بين الله سبحانه وتعالى عدم وجود أي تلازم بين البر ومجرد الاتجاه نحو المشرق والمغرب أثناء الصلاة ونفى اقتصار البر على هذا العمل (قبل النسخ) أو نفي أصل البر (بعد النسخ) وفقا لما أوضحناه قبل هذا تحدث سبحانه عن كل البر الموجود في العقائد والاخلاق والاعمال (الحسنة) قائلا: )وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ(.
وللوهلة الاولى قد يتبادر الى الاذهان أن خبر هذه الجملة (أي: من آمن ...) لا ينسجم في الظاهرة مع مبتدئها (وهو: البر) لان الخبر (البر) هو أنسب للمبتدأ (البر) فالبر معناه: الخير أما البر فصفة مشبهة وتعني البار أوالخير والحقيقة هي أن الله سبحانه أراد أن يصف الابرار والاخيار عبر تعريف كلمة البر والخير فيكون معنى الاية: إن البر (يكمن) في الرجال المؤمنين ذوي الاخلاق الحميدة الذين يقومون بالافعال الحسنة وهذا الكلام في الواقع يمثل تعريفا للبر والابرار أكثر من كونه بيانا للبر نفسه فيصبح معنى قوله تعالى: لكن البر (أي البار) من آمن بالله .. الخ محمول بموضوع متناسب ينسجم فيه كل من المبتدأ والخبر أما خبر جملة {ليس البر} أو بعبارة أخرى: خبر {ليس} فهو {أن تولوا} المتناسب مع مبتدأ {ليس} أو اسمها في حين أن خير {لكن البر...} هو فاعل وموصوف وليس فعلا أو صفة وكما أشرنا فإن الفاعل والموصوف لا ينسجان مع مبتدأ {لكن} أو اسمها وقد عمد أهل التفسير الى تصحيح المبتدأ أو الاسم والخبر من الجانب النحوي وقاموا بتطبيقه على عدة وجوه متسائلين فيما اذا كان البر في هذه الاية يعني (البار) أو (صاحب البر) الذي يعتبر مضافا في الاسم المحذوف أو ما إذا كانت كلمة البر محذوفة في جملة {من آمن[1]} ولا شك في أنه لا بد من المحافظة على القواعد الاساسية عند الخوض في مثل هذه المسائل النحوية لكنهم لم يخوضوا في موضوع الحذف أو الاضمار وما شابههما الا ما ورد في ذيل هذه الاية في تفسيري {آلاء الرحمن} و{الميزان} من أن المحذوف هو أسماء الافراد المعروفين بالبر والخير[2].
فأما السر - في عدم ذكر الفاعل أو الموصوف في القسم الاول فهو أن الشخص المفسد وغير البار ليس شخصية معروفة لكي يكون ذكر اسمه بمثابة أسوة للاخرين وأما السر في ذكر الشخص الموصوف الذي يعتبر مبدأ الفعل الحسن فقد أشار اليه بعض مشايخا الكبار من أمثال العلامة البلاغي والعلامة الطباطبائي قدس سره بقولهم: إن القرآن الكريم ليس كتابا علميا صرفا بل إن تعاليمه ممزوجة بالتزكية والتربية ورغم أن الاية المذكورة تهدف الى تعريف المفهوم لا الشخص كما في قولنا زيد عدل لكن بما أن تعريف المفهوم يكون أحيانا جافا وغير مؤثر من الناحية التربوية فقد أحجم القرآن الكريم عن تعريف البر من خلال تعريف مفهومه بل قام بتعريف مفهوم البر من خلال بيان أوصاف الابرار[3] ولذلك فقد قال الله تعالى في تعريف آخر له عن البر: )وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ([4] ومعنى ذلك أنه إذا أردنا معرفة البر فعلينا البحث عن المتقين. وبعبارة أخرى يعتبر القرآن الكريم كتابا للهداية والتربية وليس كتابا مخصصا للتعريف وبيان المفاهيم الاخلاقية للبر والتقوى والاحسان وما شابه ذلك فالهدف الرئيسي الذي ينشده القرآن الكريم هو تربية المتقين وتنشئة الابرار وليس تعريف مفهوم البر ولذلك نراه يسعى الى توضيح معنى البر ومفهومه من خلال مصداقه وأنموذجه فهو يعرف البر والخير ويحاول توضيح معانيها عبرتعريف الابرار والصالحين فضلا عن تقديم نماذج لذلك بغية ترغيب الاخرين وتشجيعهم على سلوك نفس الطريق سلكه الابرار ليدخلوا في حضيرتهم اذا فما تم نقله عن المبرد قوله: لوكنت ممن يقرأ القرآن لقرآت (وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ( بفتح الباء[5] ليس قولا صابئا.
ولو افترضنا البر كأرض شاسعة مترامية الاطراف (والتي تسمى بالبر في مقابل البحر) لحق لنا تشبيه البر باتساع تلك الارض ولا يستطيع أي شيء احتواء مثل ذلك الخير والبر الا صدر منشرح ولعل ما أتى به الطبري من أمثلة حول ذلك وتطرق اليه كذلك المفسرون في العهود الوسطى والمتأخرة كقولهم: الجود حاتم والشجاعة عنترة[6]. مع بيان الجوانب النحوية في ذلك – أي حذف المضاف[7] – أقول: لعل هذا يدل على أن المسألة التربوية المذكورة موجودة كذلك في غزيرة أهل الحوار. وتعتبر الاية الشريفة: (أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ[8]) من هذا القبيل أيضا حيث استعيض فيها عن بيان تعريف ووصف مفهوم الايمان وغيره بالسقاية والعمارة بتعريف الموصوف لتوضيح تلك المعاني من خلال تعريف الربانين المتصفين بتلك الصفات فقال تعالى لهم: إن قيمة سقايتكم حجاج بيت الله الحرام أو عمارة المسجد الحرام لا تعادل قيمة من آمن بالله واليوم الاخر أو من جاهد في سبيل الله ولا ريب في أن هذه الاية تشير الى مصداقها وهو أمير المؤمنين عليه السلام باعتباره المثل الاكمل والأصدق لها[9]. ومن الواضح أن هذا التأديب يعد مقدمة للتربية والتزكية يستند اليها أساس القرآن الكريم فلو كان القرآن الكريم كتابا علميا بحتا لقال: إن سقاية الحجيج وزائري بيت الله الحرام وعمارة المسجد الحرام ليس كالإيمان بالمبدأ والمعاد والجهاد في سبيل الله.
[1] راجع مجمع البيان: 1-2 م/ 474: التبيان :2/95-96
[2] تفسير آلاء الرحمن: 1/288/ الميزان: 1/ 428 و430
[3] تفسير آلاء الرحمن: 1/ 288 الميزان :1/ 428 و430
[5] الجامع لأحكام القرآن: المجلد 2.1/ 224
[6] قال: الطبري فإن قال قائل: فكيف قيل: (وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ) [البقرة: 177] وقد عملت أن {البر} فعل {من} اسم فكيف يكون الفعل هو الانسان ؟ قيل: إن معنى ذلك غير ما توهمته وإنما معناه ولكن البر بر من آمن بالله واليوم الاخر فوضع {من} موضع الفعل اكتفاء بدلالته ودلالة صلته التي هي له صفة من الفعل المحذوف كماتفعله العرب فتضع الاسماءمواضع أفعالها التي هي له صفة من الفعل المحذوف والشجاعة عنترة وإنما الجود حاتم والشجاعة عنترة ومعناه الجود وجود حاتم فتستغني بذكر حاتم اذ كان معروفا بالجود من اعادة ذكر الجود بعد الذي قد ذكرته فتضمنه موضع (جوده) لدلالة الكلام على ما حذفته استغناء بما ذكرته عما لم تذكره كما قيل: (وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا) [يوسف: 82] والمعنى: أهل القرية وكما قال الشاعر وهو ذو الخرق الطهوي حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق يريد بغام عناق أو صوت (عناق) كما يقال: حسبت صياحي أخاك يعني به: حسبت صياحي صياح أخيك ,( تفسير الطبري: 3/ 339)
[7] راجع: جامع البيان: المجلد 2,2/126
[9] راجع: بحار الانوار: 36/ 34-40
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة