

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
كلام الشيخ محمود أبو ريّة في كيفيّة التدوين عند أهل السنّة
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج14، ص288-301
2026-04-25
31
نبيّن قبل كل شيء شرحاً للعالم الواعي السنّيّ المصريّ المتحرّر من التعصّب المرحوم الشيخ محمود أبو ريّة حشره الله مع أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين، وأبعده ممّن يتبرّأ منه ويُبغضه في كتابه القيِّم الكريم «أضواء على السنّة المحمّديّة» الذي أرى من الضروريّ لكلّ طالب علم يخطو في طريق الحديث والفقه والاصول أن يطالعه بدقّة ويُنعم النظر فيه من أوّله إلى آخره.
تحدّث هذا العالم الجليل عن تدوين الحديث تحت عنوان: كَيْفَ نَشأ تَدوِينُ الحَدِيثِ؟ وبلغ في حديثه قوله: وقد رأيتَ فيما تقدّم من الفصل السابق أنّ الصحابة في عهد أبي بكر قد جمعوا القرآن في موضع واحد، ممّا كان قد كتب في حياة الرسول صلوات الله عليه، وما حفظ في الصدور، وأنّهم قد عنوا بذلك عناية فائقة. أمّا أحاديث الرسول فإنّهم لم يكتبوها ولم يجمعوها، لأنّها لم تُكتب في عهد النبيّ كما كتب القرآن... إلى أن قال: وقال الشيخ أبو بكر بن عقال الصقليّ في فوائده على ما رواه ابن بشكوال: إنّما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وآله في مصحف كما جمعوا القرآن، لأنّ السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها، فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم، ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك. وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله، فكانوا في الذي جمعوه من القرآن مجتمعين. وفي حروف السُّنن ونقل نظم الكلام نصّاً مختلفين، فلم يصحّ تدوين ما اختلفوا فيه.[1]
وقد ظلّ الأمر في رواية الحديث على ما ذكرنا. تفعل فيه الذاكرة ما تفعل. لا يُكتب ولا يدوّن طوال عهد الصحابة وصدراً كبيراً من عهد التابعين إلى أن حدث التدوين- على ما قالوا- في آخر عهد التابعين.[2]
قال الهرويّ:[3] لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث، إنّما كانوا يؤدّونها لفظاً، ويأخذونها حفظاً، إلّا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت، أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزميّ[4] فيما كتب
إليه: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ سُنَّةٍ أوْ حَدِيثٍ فَاكْتُبْهُ. وقال مالك في «الموطّأ» رواية محمّد بن الحسن: إنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: أنِ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ، أوْ سُنَنِهِ فَاكْتُبْهُ لي! فَإنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وذَهَابَ العُلَمَاءِ! وأوصاه أن يكتب له ما عند عُمرة ابنة عبد الرحمن الأنصاريّة- وكانت تلميذة عائشة رضي الله عنها- والقاسم بن محمّد بن أبي بكر.
أمّا أمر عمر بن عبد العزيز فقد كان على رأس المائة الأولى.[5]
ويبدو أنّه لمّا عاجلت المنيّة عمر بن عبد العزيز، انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث، وبخاصّة لمّا عزله يزيد بن عبد الملك عند ما تولّى بعد عمر بن عبد العزيز سنة 101 هـ. وكذلك انصرف كلّ من كانوا يكتبون مع أبي بكر. وفترت حركة التدوين إلى أن تولّى هشام بن عبد الملك سنة 105 هـ. فجدّ في هذا الأمر ابن شهاب الزهريّ.[6] بل قالوا: إنّه أكرهه على تدوين الحديث، لأنّهم كانوا يكرهون كتابته- كما سيتبيّن لك بعدُ- ولكن لم تلبث هذه الكراهيّة أن صارت رضيً. ولم يلبث ابن شهاب أن صار حظيّاً عند هشام فحجّ معه، وجعله معلّم أولاده إلى أن توفّي قبل هشام بسنة، وتوفّي هشام سنة 125 هـ. وبموته تزعزع ملك بني اميّة ودبّ فيه الاضطراب.
ثمّ شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهريّ، وكان ذلك بتشجيع العبّاسيّين. وقد اعتبر ابن شهاب الزهريّ أوّل من دوّن الحديث، ولعلّ سبب ذلك أخذ بني اميّة عنه.
وجاء في «تذكرة الحفّاظ»: أنّ خالد بن معدان الحِمْصيّ لقي سبعين صحابيّاً. وكان يكتب الحديث وله مصنّفات، ولكن لم يأت لهذه المصنّفات ذِكر في كتب الحديث. ومات ابن معدان سنة 104 هـ.
وقال الحافظ ابن حجر في مقدّمة «فتح الباري» بعد أن بيّن أنّ آثار النبيّ لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدوّنةً في الجوامع ولا مرتّبة، لأنّهم نهوا عن ذلك، كما ثبت في «صحيح مسلم»: ثمّ حدث في أواخر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار، لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض... إلى آخره.
وروى البخاريّ، والترمذيّ عن أبي هريرة أنّه قال: ما من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله أحد أكثر حديثاً منّي إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنّه كان يكتب ولا أكتب.[7] والمحدّثون لا يعدّون ما يوجد في صحيفة محدّث أو عالم رواية صحيحة عنه إلّا أن حدّث أنّه سمعها من صاحبها. ويسمّونها «الوِجادة».
وقال العلّامة الشيخ مصطفى عبد الرزّاق: ممّا أكّد الحاجة لتدوين السُّنن شيوع رواية الحديث، وقلّة الثقة ببعض الرواة، وظهور الكذب في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لأسباب سياسيّة أو مذهبيّة. أمّا أوّل تدوين للسُّنن بالمعنى الحقيقيّ فيقع ما بين سنة 120 هـ وسنة 150 هـ.[8]
لم يدوِّنوا الحديثَ إلّا مُكرَهِين
لمّا امِروا بتدوين الحديث لم يستجيبوا للأمر إلّا مكرهين، ذلك بأنّهم كانوا يتحرّجون من كتابته بعد أن مضت سنّة مَن كان قبلهم من الصحابة على عدم تدوينه.
فقد حدّث مَعْمَر عن الزُّهريّ قال: كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ العِلْمِ حتى أكْرَهَنَا عَلَيْهِ[9] هَؤْلَاءِ الامَرَاءُ فَرَأيْنَا ألَّا نَمْنَعَهُ أحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ.[10]
وقال الزُّهريّ كذلك: اسْتَكْتَبَنِي المُلُوكُ فَاكْتَتَبْتُهُمْ، فَاسْتَحْيَيْتُ اللهَ إذْ كَتَبَهَا المُلُوكُ ألَّا أكْتُبَهَا لِغَيْرِهِمْ.[11]
وذلك لأنّ المسلمين كان همّهم في أوّل الإسلام مقصوراً على كتابة القرآن، أمّا الحديث فقد كانوا يتناقلونه من طريق الرواية معتمدين في ذلك على ذاكرتهم.
لم يعتبروا التدوين في عصر بني اميّة تدويناً منسّقاً
لم يعتبر العلماءُ عصرَ بني اميّة عصر تصنيفٍ منسّق، لأنّهم لم يجدوا من آثار هذا العصر كتباً جامعة مبوّبة، وإنّما وجدوا أنّ ما صنعوه إنّما كان في مجموعات لا تحمل علماً واحداً، وإنّما كانت تضمّ الحديث والفقه واللغة والخبر، وما إلى ذلك.
قال الاستاذ العالم أحمد السكندريّ في كتابه «تاريخ آداب اللغة العربيّة»[12]: انقضى عصر بني اميّة ولم يدوّن فيه غير قواعد النحو، وبعض الأحاديث، وأقوال فقهاء الصحابة في التفسير. ويروي أنّ خالد بن يزيد[13] وضع كتباً في الفلك والكيمياء، وأنّ معاوية استقدم عبيد بن سارية[14] من صنعاء، فكتب له كتاب «الملوك والأخبار الماضية». وأنّ وهب بن منبّه، والزهريّ، وموسى بن عقبة كتبوا في ذلك أيضاً كتباً. ولكن ذلك لم يُقنع الباحثين في تأريخ العلوم وتصنيفها أن يعتبروا عصر بني اميّة عصر تصنيف، إذ لم تتمّ فيه كتب جامعة حافلة مبوّبة مفصّلة. وإنّما كان كلّ ذلك
مجموعات تدوّن حسب ورودها واتّفاق روايتها.[15]
وقال الغزّاليّ في «إحياء العلوم»: بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منهما في زمن الصحابة وصدر التابعين. وإنّما حدث بعد سنة 120 هـ، وبعد وفاة جميع الصحابة وجلّ التابعين رضي الله عنهم، وبعد وفاة سعيد بن المسيِّب (توفّي سنة 105 هـ)، والحسن البصريّ (توفّي سنة 110 هـ)، وخيار التابعين، بل كان الأوّلون يكرهون كتب الحديث، وتصنيف الكتب، لئلّا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن، وعن التدبّر والتذكّر، وقالوا: احفظوا كما كنّا نحفظ ... .[16]
والذي يخلص من ذلك كلّه: أنّ أوّل تدوين الحديث قد نشأ في أواخر عهد بني اميّة، وكان على طريقة غير مرتّبة من صحف متفرّقة تلفّ وتدرج بغير أن تقسّم على أبواب وفصول. ولعلّ هذا التدوين كان يجري على نمط ما كان يُدرس في مجالس العلم في زمنهم، إذ كانت غير مخصّصة لعلم من العلوم، وإنّما كان المجلس الواحد يشتمل على علوم متعدّدة.
قال عطاء: ما رأيتُ مجلساً أكرم من مجلس ابن عبّاس، ولا أكثر فقهاً ولا أعظم هيبة. أصحاب القرآن يسألونه، وأصحاب العربيّة يسألونه، وأصحاب الشعر يسألونه، فكلّهم يصدر من وادٍ فسيح.[17]
وقال عمر بن دينار: ما رأيتُ مجلساً أجمع لكلّ خير من مجلسه (ابن عبّاس)، الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربيّة والشِّعر. وهذا هو الطور الأوّل من التدوين ولم يصل إلينا منه أيّ كتاب.
التدوين في العصر العبّاسيّ
وقال السكندريّ: هبّ العلماء في العصر العبّاسيّ إلى تهذيب ما كُتب في الصحف وتدوين ما حُفظ في الصدور، ورتّبوه وبوّبوه وصنّفوه كتباً. وكان من أقوى الأسباب في إقبال العلماء على التصنيف في هذا العصر حَثُّ الخليفة أبي جعفر المنصور[18] عليه، وحمله الأئمّة الفقهاء على جمع الحديث، والفقه. وأنّه قد بذل- على بخله- في هذا السبيل أموالًا طائلة.
وذكروا أنّ عنايته بالعلم لم تقف عند تعضيد العلوم الإسلاميّة، بل إنّه حمل العلماء والمترجمين من السريان والفرس أن ينقلوا إلى العربيّة من الفارسيّة واليونانيّة علوم الطبّ والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب والمنطق وغيرها.[19] فكان بذلك أوّل حاكم ترجمت له الكتب من اللغات الاخرى إلى العربيّة، على أنّ عنايته بالحديث وجمعه وتدوينه كانت فائقةً، حتى لقد قيل له: هَلْ بَقِي مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا شَيْءٌ لَمْ تَنَلْهُ؟! فَقَالَ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ: أنْ أقْعُدَ في مِصْطَبَةٍ وحَوْلِي أصْحَابُ الحَدِيثِ!
وهو الذي أشار على مالك بن أنس أن يضع كتاب «الموطّأ» في بعض الروايات.
وقال الصوليّ: كان المنصور أعلم الناس بالحديث والأنساب.
ولا عجب في أن يكثر رجال الحديث في عهد المنصور، ولا في أن يشتدّ العلماء في طلب آثار الرسول، وفي أن يرغبوا في جمعها وتدوينها. وقد قال عمر بن عبد العزيز: إنَّ السُّلْطَانَ بِمَنزِلَةِ السُّوقِ يُجْلَبُ إلَيْهَا مَا يَنْفَقُ فِيهَا؛ فَإنْ كَانَ بَرَّاً أتَوْهُ بِبِرِّهِمْ، وإنْ كَانَ فَاجِراً أتَوْهُ بِفُجُورِهِمْ.[20]
قال ابن تغري بردي في حوادث سنة 143 ما يلي: قال الذهبيّ: وفي هذا العصر (سنة 143 هـ) شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير:
فصنّف ابن جُريح[21] التصانيف بمكّة (مات سنة 150 هـ).
وصنّف سعيد بن أبي عروبة (مات سنة 156 هـ).
وحمّاد بن سلمة (مات سنة 167 هـ) وغيرهما بالبصرة.
وصنّف أبو حنيفة الفقه والرأي بالكوفة (مات سنة 150 هـ).
وصنّف الأوزاعيّ بالشام (مات سنة 156 أو 157 هـ).
وصنّف مالك «الموطّأ» بالمدينة (مات سنة 179 هـ).
وصنّف ابن إسحاق المغازي (مات سنة 151 هـ).
وصنّف مَعْمَر باليمن (مات سنة 153 هـ).
وصنّف سفيان الثوريّ كتاب «الجامع» بالكوفة (مات سنة 161 هـ).
ثمّ بعد يسيرٍ صنّف هشام[22] كتبه (مات سنة 188 هـ).
وصنّف الليث بن سعد (مات سنة 175 هـ).
وصنّف عبد الله بن لهيعة (مات سنة 174 هـ).
ثمّ ابن المبارك (مات سنة 181 هـ).
والقاضي أبو يوسف يعقوب (مات سنة 182 هـ).
وابن وهب (مات سنة 197 هـ).
وكثر تبويب العلم وتدوينه، ورُتِّبت ودُوِّنت كتب العربيّة واللغة والتأريخ وأيّام الناس. وقبل هذا العصر كان سائر العلماء- وفي رواية (كان الأئمّة)- يتكلّمون عن حفظهم ويروون العلم عن صحف غير مرتَّبة ... إلى آخر كلام الذهبيّ.[23]
ولأنّهم كانوا في عصر واحد فإنّه لا يُعلم على التحقيق أيّهم كان الأسبق بالتدوين فبعضهم قال: إنّ أوّل من صنّف سعيد بن أبي عروبة، وبعضهم قال: ابن جريح، وبعضهم قال: الربيع بن صبيح، وبعضهم قال: حمّاد بن سلمة.
وقال ابن حجر: أوّل من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، إلى أن قام كبار الطبقة[24] الثالثة فدوّنوا الأحكام. فصنّف مالك
«الموطّأ»، وتوخّى فيه القويّ من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم.
وقال الحافظان ابن حجر، والعراقيّ: وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يُدري أيّهم أسبق. ثمّ تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، إلى أن رأى بعض الأئمّة منهم أن يفرد حديث النبيّ خاصّة، وذلك على رأس المائتين.
ولم يصل إلينا من هذه المجموعات إلّا موطّأ مالك، ووصف لبعض المجموعات الاخرى. وكذلك كان التدوين في هذا العصر يمزج الحديث بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين، ومن بعدهم كما قال ابن حجر. وظلّ على ذلك إلى تمام المائتين. وهذا هو الطور الثاني من أطوار التدوين.
التدوين بعد المائتين
أخذت طريقة تدوين الحديث بعد المائتين صورة اخرى، ذلك أن يفرد حديث النبيّ خاصّة بالتدوين، بعد أن كان مشوباً بغيره ممّا ليس بحديث. فصنّف عبيد الله بن موسى العبسيّ الكوفيّ (م 213 هـ) مسنداً، وصنّف مسدد بن مسرهد البصريّ (م 228 هـ) مسنداً، وصنّف الحميديّ (م 219 هـ) مسنداً، وغيرهم. واقتفى الأئمّة بعد ذلك أثرهم كالإمام أحمد (م 241 هـ)، وإسحاق بن راهويه (م 237 هـ) وغيرهما.
ولئن كانت هذه المسانيد قد أفردت الحديث وحده بالتدوين، ولم تخلط به غيره من أقوال الصحابة ولا غيرهم وأنّها كانت تجمع بين الصحيح وغير الصحيح، ممّا كان يحمله سيل الرواية في هذا الزمن من الأحاديث، إذ لم يكن قد عُرف إلى هذا العصر تقسيم الحديث إلى ما تعارفوا عليه من صحيح، وحَسَن، وضعيف. ولذلك كانت هذه المسانيد دون كتب السُّنن في المرتبة، ولا يسوغ الاحتجاج بها مطلقاً. وسنتكلّم عن هذه المسانيد فيما بعد، وعن منزلتها بين كتب الحديث المعروفة.
وقد استمرّ التدوين على هذا النمط إلى أن ظهرت طبقة البخاريّ، ومن ثمّ أخذ صورة اخرى ودخل في دور جديد، هو دور التنقيح والاختيار. قال الحافظ ابن حجر في مقدّمة «فتح الباري»: لمّا رأى البخاريّ هذه التصانيف ورواها، وانتشق رياها، واستجلى مُحيّاها، وجدها بحسب الوضع جامعةً بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف.[25] فلا يقال لغة سمين؛ فحرّك همّته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقويّ عزمه على ذلك ما سمعه من استاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ المعروف بابن راهويه... .
قال أبو عبد الله بن إسماعيل البخاريّ: كنّا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنّة رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم! قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح.[26]
الأطوار التي تقلّب فيها التدوين
تبيّن لك فيما تقدّم أنّ أحاديث رسول الله صلوات الله عليه لم تدوّن في حياته ولا في عصر الصحابة وكبار تابعيهم، وأنّ التدوين لم ينشأ إلّا في القرن الثاني للهجرة في أواخر عهد بني اميّة، وأنّه لم يتّخذ طريقاً واحداً، بل تقلّب في أطوار مختلفة.
فكان في أوّل أمره جمعاً من رواية الرواة ممّا وعت الذاكرة من أحاديث رسول الله. وكان ذلك في صحف لا يضمّها مصنَّف جامع مبوَّب. وكانت هذه الصحف تضمّ مع الحديث فقهاً ونحواً ولغة وشعراً، وما إلى ذلك، ممّا يقضي به طفولة التدوين. وهذا هو «الطور الأوّل» من التدوين. ولم يصل إلينا منه شيء في كتاب خاصّ جامع.
ثمّ أخذ التدوين في طوره الثاني في عصر العبّاسيّين، فهذّب العلماء- بما اقتبسوا من مدينة فارس- ما في هذه الصحف ورتّبوه، بعد أن ضمّوا إليه ما زادته الرواية في هذا العصر. وصنّفوا من كلّ ذلك كتباً كسروها على الحديث، وما يتّصل به من أقوال الصحابة، وفتاوى التابعين، ولم يُدخلوا فيها أدباً ولا شعراً. وكان كثير من المتقدّمين يطلقون اسم الحديث على ما يشمل آثار الصحابة والتابعين.
وأخذ التدوين هذا النمط تبعاً لارتقاء التأليف في العصر العبّاسيّ. وتميّزت العلوم بعضها من بعض، وجُمعت مسائل كلّ علم على حدة. وظلّ التأليف يجري على هذه السنن إلى آخر المائة الثانية. ولم يصل إلينا من الكتب المبوّبة في هذا الطور إلّا موطّأ مالك رحمه الله.
وبعد المائة الثانية أخذ التدوين يسير في طريق اخرى دخل بها في الطور الثالث، فأنشأ العلماء يُفردون كلّ ما روى من الأحاديث في عهدهم بالتدوين بعد أن كان من قبل مشوباً بأقوال الصحابة وغيرهم- كما بيّنّا- وصُنّفت في ذلك مسانيد كثيرة أشهرها «مسند أحمد»، وهو لا يزال موجوداً بيننا. وسنتحدّث عنه عند الكلام على كتب الحديث، ونبيِّن منزلته من الصحّة وقيمته بينها.
والمُسْنَدُ أن يجعل جميع ما يروي عن كلّ صحابي- أي ما يسند إليه- في باب على حدة مهما كان موضوع الحديث، وأيّاً كانت درجته من الصحّة إذ لم يكن قد ظهر تمييز الصحيح من غير الصحيح في التأليف.
ولقد كانت هذه المسانيد تحمل الأحاديث الصحيحة والموضوعة كما قلنا. وجرى العمل على هذا النهج حتى ظهر البخاريّ وطبقته، فانتقل التدوين إلى الطور الرابع، وهو طور «التنقيح والاختيار» كما ذكرنا آنفاً. فوضعوا كتباً مختصرة في الحديث اختاروا فيها ما رأوا أنّه من الصحيح على طريقتهم في البحث، كما فعل البخاريّ، ومسلم، ومن تبعهما. وسنتكلّم عن هذه الكتب كلّها عند الكلام على كتب الحديث. وهذا الطور من التصنيف هو الأخير، إذ أصبحت هذه الكتب هي المعتمدة عند أهل السُّنّة. أمّا الشيعة فلهم كتب في الحديث يعتمدون عليها ولا يثقون إلّا بها، ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُهَا.
وبهذا يخلص لك أنّ التدوين المعتمد لدى الجمهور لم يقع إلّا حوالي منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع.[27]
[1] «شرح شروط الأئمّة الخمسة» للحازميّ، ص 48 و49.
[2] آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة. والحدّ الفاصل بين المتقدّم والمتأخّر هو رأس سنة 300 هـ.
[3] «إرشاد الساري» شرح القسطلانيّ، ج 1، ص 7؛ شرح الزرقانيّ على «الموطّأ» ج 1، ص 10.
[4] أبو بكر بن محمّد الأنصاريّ. لجدّه صحبةٌ وهو تابعيّ فقيه. استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها. قال مالك: لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن حزم. مات سنة 120 هـ.
[5] تولّى عمر بن عبد العزيز سنة 99 هـ ومات سنة 101 هـ لعدله بالسمّ. وإليك كلمة بليغة للجاحظ في هذا الإمام العادل: قال في كتاب فضل هاشم على عبد شمس: والذي حسّن أمرهـ يريد عمر بن عبد العزيز- وشبّه على الأغبياء حاله، أنّه قام بعقب قوم قد بدّلوا عامّة شرائع الدين وسنن النبيّ صلى الله عليه وآله، وكان الناس قبله من الظلم والجور والتهاون بالإسلام في أمر صغر في جنبه ما عاينوا منه وألفوه عليه فجعلوه لما نقص من تلك الامور الفظيعة في عداد الأئمّة الراشدين. («رسائل الجاحظ» ص 91، جمع السندوبيّ؛ و«تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة» للعلّامة مصطفى عبد الرزّاق، ص 204).
[6] هو محمّد بن مسلم بن شهاب الزهريّ أحد أئمّة العامّة، توفّي سنة 124 هـ.
[7] ذكر البغداديّ أنّ ما دوّنه عبد الله بن عمرو في صحيفته التي يسمّيها «الصادقة». وكان يحرص عليها حرصه على نفسه. إنّما كانت أدعية وصلوات كان يرجع إليها. (يُرْجَعُ إلى كتاب «شيخ المضيرة» لمعرفة ما في هذه الصحيفة).
[8] «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة» ص 195 و198.
[9] قال أبو المليح: كان هشام هو الذي أكره الزُّهريّ على كتاب الحديث، فكان الناس يكتبون بعد ذلك. ورواية ابن سعد في «الطبقات»: فرأينا ألّا يمنعه أحدٌ من المسلمين، ج 2، ق 2، ص 135.
[10] «تقييد العلم» للخطيب البغداديّ، ص 107.
[11] «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرّ، ج 1، ص 77.
[12] «تاريخ آداب اللغة العربيّة» ص 72.
[13] ذكروا أنّ خالد بن يزيد بن معاوية ترجم كتب الفلاسفة والنجوم والكيمياء والطبّ والحروب وغيرها. وكانت الترجمة أحياناً من اللغة اليونانيّة إلى العبرانيّة، ومن العبرانيّة إلى السريانيّة، ومن السريانيّة إلى العربيّة. وهو أوّل من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة- توفّي سنة 85 هـ.
[14] عبيد بن سارية، وفي رواية شرية الجرهميّ، استحضره معاوية من اليمن إلى الشام ليسأله عن أخبار ملوك العرب والعجم. وأمر أن يدوّن ما يقول وينسب إليه، فكان ذلك أوّل التدوين في التأريخ. («الفهرست» لابن النديم، ص 89، طبعة ليبسك)؛ وقال الجاحظ في «البخلاء»: إنّه كان لا يعرف إلّا ظاهر اللفظ، أي: أنّه كان راوية فقط.
[15] ذكر أبو ريّة هذا الكلام نقلًا عن كتاب «تاريخ آداب اللغة العربيّة في العصر العبّاسيّ» المطبوع في مطبعة السعادة بمصر، سنة 1330 هـ، عن التدوين والتصنيف في العصر العبّاسيّ، ج 1، ص 71 إلى 74، تأليف الشيخ أحمد الإسكندريّ المدرّس في مدرسة دار العلوم، بناءً على ما جاء في هامش «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» ج 1، ص 351، طبعة دار الكتب المصريّة، الطبعة الأولى، سنة 1348.
[16] «إحياء العلوم» ج 1، ص 79، طبعة بولاق، سنة 1296 هـ.
[17] عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أنّه قال: كنّا نكتب الحلال والحرام. وكان ابن شهاب يكتب كلّ ما سمع. («جامع بيان العلم وفضله» ج 1، ص 73).
[18] كان أبو جعفر أوّل خليفة تُرجمت له الكتب السريانيّة والأعجميّة بالعربيّة، وأوّل من أوقع الفرقة بين بني العبّاس والعلويّين، بعد أن كان أمرهم واحداً. تولّي سنة 136 هـ، ومات سنة 158 هـ.
[19] «تاريخ آداب اللغة العربيّة» للسكندريّ، ص 71.
[20] هناك رواية أُخري، أنّ أبا حازم الأعرج قال لسليمان بن عبد الملك: إنّما السلطان سوق، فما ينفق عنده حمل إليه.
[21] هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريح الروميّ.
[22] هو هشيم، وكان بواسط.
[23] «النجوم الزاهرة» ج 1، ص 351؛ و«تاريخ الخلفاء» للسيوطيّ، ص 101؛ كما جاء في هامش أبي ريّة. ونظرنا في كتاب «النجوم الزاهرة» لتطبيق ما ذكره أبو ريّة عليه، فوجدناه مطابقاً تماماً إلّا في سنين وفاة هؤلاء العلماء من أهل التدوين، فإنّ المرحوم أبا ريّة أضافها من عنده. وختام كلام الذهبيّ الذي أشار إليه أبو ريّة هو قوله: فَسَهُل وللّه الحمد تناولُ العلم، فأخذ الحفظ يتناقص، فللّه الأمر كلّه ـ انتهى كلام الذهبيّ.
[24] الطبقة في إصطلاح المحدّثين عبارة عن جماعة اشتركوا في السنّ ولقاء المشايخ.
[25] قال أبو ريّة في الهامش: بل الوضع كما سيتبيّن لك.
[26] «فتح الباري» لابن حجر، المقدّمة، ص 4.
[27] «أضواء على السُّنّة المحمّديّة، أو دفاع عن الحديث» ص 258 إلى 268، الطبعة الثالثة، دار المعارف بمصر.
الاكثر قراءة في فرق واديان ومذاهب
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)