ذكر الخطيب البغداديّ تسعة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه أمر الذي شكا إليه سوء الحفظ أن يستعين بالخطّ:
الأوّل: بسنده عن أبي هريرة، قال: كان رجل يشهد حديث النبيّ صلى الله عليه وآله، فلا يحفظه فيسألني، فاحدّثه، فشكا قلّة حفظه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له النبيّ: اسْتَعِنْ عَلَى حِفْظِكَ بِيَمِينِكَ- يعني: الكتابَ.
الثاني: بسنده عنه أيضاً، قال: إنَّ رجلًا شكا حفظه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: اسْتَعِنْ عَلَى حِفْظِكَ بِيَمِينِكَ- يعني: اكْتُبْ.
الثالث: بسنده عنه أيضاً، قال: إنَّ رجلًا قال: يا رسول الله إنّي لا أحفظ شيئاً. قال: اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ عَلَى حِفْظِكَ- يعني: الكِتَابَ.
الرابع: بسنده عنه، قال: إنَّ رجلًا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قلّة الحفظ، فقال عَلَيْكَ بِيَمِينِكَ يعني: الكِتَابَ.
الخامس: بسنده عنه أيضاً، قال: إنَّ رجلًا من الأنصار قال: يا رَسُولَ اللهِ! إنِّي أسْمَعُ مِنْكَ أحَادِيثَ وأخَافُ أنْ تَفَلَّتَ مِنِّي. قَالَ اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ!
السادس: بسنده عنه أيضاً، قال: جاء رجل، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي أسْمَعُ مِنْكَ حِدِيثاً كَثيراً فَاحِبُّ أنْ أحْفَظَهُ فَلَا أنْسَاهُ. فَقَالَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ!
السابع: بسنده عنه، قال: إنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يَسْمَعُ مِنَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ أشْيَاءَ تُعْجِبُهُ، كَانَ لَا يَقْدِرُ على حِفْظِهِ؛ فَقَالَ النَّبِيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ!
الثامن: بسنده عنه، قال: إنَّ رَجُلًا شَكَا إلَى النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ سُوءَ الحِفْظِ، فَقَالَ: اسْتَعِنْ عَلَى حِفْظِكَ بِيَمِينِكَ.
التاسع: بسنده عن أنس بن مالك أنّه قال: شَكَا رَجُلٌ إلَى النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ سُوءَ الحِفْظِ، فَقَالَ. اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ!
وكذلك روى الخطيب البغدادي بإسناده المتّصل ستّة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: قيّدوا العِلمَ بالكتابة.
الأوّل: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! اقَيِّدُ العِلْمَ؟! قَالَ: نَعَمْ!
الثاني: عنه أنّه قال: يَا رَسُولَ اللهِ اقَيِّدُ العِلْمَ؟! قَالَ: نَعَمْ! قُلْتُ: ومَا تَقِييدُهُ؟! قَالَ: الكِتَابُ.
الثالث: وعنه أيضاً أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قَيِّدُوا العِلْمَ! قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ومَا تَقِييدُهُ؟! قَالَ: الكِتَابُ!
الرابع: عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: اقَيِّدُ العِلْمَ؟! قَالَ: نَعَمْ- يَعْنِي: كِتَابَهُ!
الخامس: عن عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ!
السادس: عن أنس نسبه بعضهم إلى ابن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ![1]
وروى الخطيب بثلاثة أسناد متّصلة عن رافع بن خديج، وفي بعضها: قال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أشْيَاءَ أفَنَكْتُبُهَا؟! قَالَ: اكْتُبُوا وَلَا حَرَجَ!
وفي بعضها: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ ونَحْنُ نَتَحَدَّثُ فَقَالَ: مَا تَحَدَّثُونَ؟! قُلْنَا: نَتَحَدَّثُ عَنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: تَحَدَّثُوا ولْيَتَبَوَّأ مَنْ كَذَبَ عَلَيّ مَقْعَداً مِنْ جَهَنَّمَ!
قال رافع: ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله لحاجته، ونكّس القوم رؤوسهم، وأمسكوا عن الحديث، وهمّهم ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله.
فَقَالَ: مَا شَأنُكُمْ؟! ألَا تَحَدَّثُونَ؟! قَالُوا: الذي سَمِعْنَا مِنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ!
قَالَ: إنِّي لَمْ أرِدْ ذَلِكَ؛ إنَّمَا أرَدْتُ مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ. قَالَ: فَتَحَدَّثْنَا.
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أشْيَاءَ فَنَكْتُبُهَا؟! قَالَ: اكْتُبُوا ولَا حَرَجَ![2]
وروى الخطيب أيضاً بخمسة وعشرين سنداً متّصلًا عن عمرو بن شُعيْب. عن أبيه شعيب، عن جدّه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلنا: يا رسول الله! إنّا نسمع منك أشياء لا نحفظها، أفنكتبها؟! قال: بلى!
وهذه الأحاديث وإن كانت كثيرة بَيْدَ أنّها متقاربة المفاد والمضمون، وتشترك كلّها في إذن رسول الله صلى الله عليه وآله بكتابة أحاديثه. ورد بعضها بهذا اللفظ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي أسْمَعُ مِنْكَ أشْيَاءَ أخَافُ أنْ أنْسَاهَا، فَتَأذَنُ لي أنْ أكْتُبَهَا؟! قَالَ: نَعَمْ!
وجاء في كثير منها مفاد اللفظ الآتي ومضمونه: يَا رَسُولَ اللهِ! أكْتُبُ مَا أسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قُلْتُ: في الرِّضَا والغَضَبِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إنِّي لَا أقُولُ في الغَضَبِ والرِّضَا إلَّا الحَقُّ - إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لي أنْ أقُولَ إلَّا حَقَّاً.
ونقرأ في قسم منها: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مَنْ قَالَ عَلَيّ مَا لَمْ أقُلْ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.[3] قَالَ: فَمَكَثْنَا قَرِيباً مِنْ شَهْرِ لَا نُحَدِّثُ بِشَيءٍ. فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ ونَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، كَأنَّ عَلَى رُؤوسنا الطَّيْرَ، فَقَالَ: مَا لكم لا تحدَّثون؟!
فَقُلْنَا: سَمِعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَقُولُ: مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيّ مَا لَمْ أقُلْ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ!
قَالَ: فَقَالَ: تَحَدَّثُوا ولَا حَرَجَ!
قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّكَ تُحَدِّثُنَا فَلَا نَأمَنْ أنْ نَضَعَ شَيْئاً عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أفَأكْتُبُ عَنْكَ؟!
قَالَ: نَعَمْ فَاكْتُبْ عَنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: في الرِّضَا والسَّخَطِ؟! قَالَ: في الرِّضَا والسَّخَطِ.
ونجد في بعض طرق الحديث أنّ المُعَافَى بن زكريّا قال في ذيل الحديث: وفي هذا الخبر دلالة واضحة على أنّه من الصواب ضبط العلم، وتقييد الحكمة بالكتاب ليرجع إليه الناس فيذكر ما نسيه، ويستدرك ما عزب عنه، وعلى فساد قول من ذهب إلى كراهية ذلك.
وقد جاء في الأثر أنّ سليمان بن داود عليهما السلام قال لبعض من أسره من الشياطين: مَا الكَلَامُ؟! قَالَ: رِيحٌ. قَالَ: فَمَا تَقْيِيدُهُ؟! قَالَ: الكِتَابُ!
ووردت بعض الأحاديث بهذا اللفظ: قَالَ: كُنْتُ أكْتُبُ كُلَّ شَيءٍ أسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ ارِيدُ حِفْظَهُ. فَنَهتْنِي قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: إنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ ورَسُولُ اللهِ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ في الغَضَبِ والرِّضَا.[4] فأمْسَكْتُ عَنِ الكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إلَّا حَقٌّ.
ونقرأ في بعضها ما نصّه: فَأسْتَعِينُ بِيَدِي مَعَ قَلْبِي؟ قَالَ: نَعَمْ! وفي بعض آخر: شبِّكوهَا بِالكَتْبِ![5]
ونقل الخطيب ستّة أحاديث بإسناده المتّصل عن أبي هريرة أنّه قال: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله أكثر حديثاً منّي إلّا عبد الله بن عمرو فإنّه كتب ولم أكتب. وألفاظ الجميع متقاربة. وورد بعضها باللفظ الآتي: مَا كَانَ أحَدٌ أعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ مِنِّي إلَّا عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، فَإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ فَاسْتَأذَنَ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ أنْ يَكْتُبَ عَنْهُ مَا سَمِعَ فَأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ، فَكَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ ويَعِي قَلْبُهُ، وأنا كُنْتُ أعِي بِقَلْبِي.[6]
[1] «تقييد العلم» ص 68 إلى 70.
[2] «تقييد العلم» ص 72 و73.
[3] يُستشفُّ من كلام رسول الله لعبد الله بن عمرو بن العاص: مَنْ قَالَ عَلَيّ مَا لَمْ أقُلْ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ أنّ عبد الله نفسه كان ممّن نهج سبيل الكذب والافتراء ونسبة امور باطلة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله. وكما سنرى لا حقاً فإنّه استنقذ زاملتين من كتب أهل الكتاب في معركة اليرموك، ثمّ أخذ منهما أحاديث ونسبها إلى رسول الله. وعلى هذا فلا حجّيّة للصحيفة الصادقة التي كتبها نقلًا عن الزاملتين، وإسناداً إليها ولا قيمة للموضوعات المأخوذة منها، والمذكورة في كتب العامّة.
[4] المقصود من قريش هنا أبو بكر وعمر وعصابتهما وأنصارهما خاصّة، للقرائن الآتية: 1- أيّ نقل حديث باسم قريش وفيه مخالفة لرسول الله، فإنّ الأصابع تشير إليهما وأعوانهما. 2- «تفيد سائر الأحاديث أنّهما خطّأ رسول الله صلى الله عليه وآله في الشؤون الدنيويّة والعياذ بالله وأبرزا أنفسهما كصاحبَي رأى في مقابل رأيه. ورأينا سابقاً أيضاً أنّ عمر حين نوّه بأنّ قريشاً لا تنقاد لعليّ، إنّما كان يعني بذلك نفسه. 3- قرائن اخرى مختلفة أيضاً.
[5] «تقييد العلم» ص 74 إلى 82.
[6] «تقييد العلم» ص 82 إلى 84. وهذا زعمٌ زعمه أبو هريرة والشواهد والأدلّة على كذبه كثيرة. لقد صدف أبو هريرة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ولحق بمعاوية وأصبح من بطانته وامراء حكومته. وكانت له يد طولى في وضع الأحاديث الكاذبة. والحقّ أنّ العالم المصريّ السُّنِّيّ الشيخ محمود أبو ريّة قد أجمل في كتاب «أضواء على السُّنّة المحمّديّة»، وكتاب «أبو هُريرة شيخ المضيرة». وكذلك العالم اللبنانيّ الشيعيّ السيّد عبد الحسين شرف الدين العاملي في كتاب «أبو هريرة» وكتاب «النصّ والاجتهاد»، وأتيا على الموضوع من كلّ جوانبه ووفّياه حقّه وناقشاه مناقشة تامّة جزاهما الله عن الإسلام والولاية والحقّ والحقيقة خير الجزاء.