

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
اقتسام أملاك مصر في السودان (الأملاك المصرية في بحر الغزال وخط الاستواء)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 360 ــ 372
2026-04-15
34
«منذ تسليم لبتون» (Lupton) في بحر الغزال 1884م، وانعزال أمين باشا في خط الاستواء بقيت هاتان المديريتان من الناحية العملية بدون حكومة. وكانت سلطة الخليفة عبد الله لا أثر لها هناك. ومن المحتمل أن الخليفة نفسه لم يكن يرحب بإنشاء عمالات في هذه الجهات البعيدة، لا يلبث الأمراء الموفدون إليها حتى يستقلوا بالحكم فيها. ولذلك فقد احتفظ الخليفة بمخفر أمامي فقط في الرجاف، اتخذ منه منفى للمغضوب عليهم. وبقي الخليفة ورجال حكومته يجهلون ما يقع من حوادث في هاتين المديريتين حتى بدأت تروج الشائعات في أم درمان منذ 1892م عن وجود أوروبيين لا يعلم أحد عنهم شيئًا في هذه المنطقة.
أما هؤلاء الأوروبيون في بحر الغزال، فكانوا من البلجيكيين والفرنسيين الذين أرادوا التوغل في هذا الإقليم من ناحية، ثم كانوا من الإنجليز الذين أرادوا التوغل في خط الاستواء.
ولقد تَرَتَّب على نشاط هؤلاء وهؤلاء أن فقدت مصر أملاكها في هذه الجهات (أو جزء كبير منها) لحساب إنجلترا وفرنسا وبلجيكا خصوصًا.
محمية أوغندة (Uganda Protectorate)
يبدأ النفوذ الإنجليزي في أوغندة من وقت حملة «ستانلي» لإنقاذ أو انتزاع أمين باشا من مديرية خط الاستواء في الظروف التي مرَّت بنا (1889م). وعندما وصل أمين إلى زنجبار: «إلى باجامويو» (Bagamayo) مع حملة ستانلي، رفض العودة إلى أوروبا، ودخل في خدمة الحكومة الألمانية، وعاد إلى بحيرة ألبرت لينشئ منطقة نفوذ ألمانية في خط الاستواء، ولكن قتله تجار الرقيق العرب في 23 أكتوبر 1892م.
وكان الألمان قد بدءوا يتوغلون في داخل أفريقيا الشرقية منذ أن انتهزوا فرصة ضعف سلطان زنجبار «سيد برغش»، فعقدوا المعاهدات مع طائفة من رؤساء القبائل في الداخل، وأسسوا في سنة 1885م «شركة أفريقيا الشرقية الألمانية»؛ الأمر الذي جعل الإنجليز يؤسسون عندئذٍ «شركة أفريقيا الشرقية البريطانية» (British East Africa Association) برئاسة السير وليم ماكينون (Sir William Mackinnon)، وتنافست الشركتان على مناطق النفوذ. وعقدت إنجلترا وألمانيا في 19 أكتوبر وأول نوفمبر 1886م أول اتفاق لتحديد مناطق نفوذهما على حساب سلطنة زنجبار التي انكمشت حدودها إلى شريط ضيق على امتداد الساحل، بعد أن استأجرت الشركتان الأراضي اللازمة لهما من زنجبار. وفي اتفاق آخر في 2 يوليو 1887م أُطلقت يد ألمانيا في الأراضي الواقعة جنوب بحيرة فكتوريا، بينما جعلت لبريطانيا الأراضي الواقعة شمال البحيرة. وفي 1890م ألغت الحكومة الألمانية الشركة الأفريقية الشرقية الألمانية، وابتاعت من سلطان زنجبار الأراضي التي كانت تستأجرها الشركة. وفي 14 يونيو 1890م أبرمت ألمانيا وإنجلترا معاهدة، تنازلت ألمانيا بموجبها عن سلطنة ويتو (Wito) والمنطقة الواقعة بين هذه وبين «قسمايو»، وهي الأراضي التي كانت ألمانيا استولت عليها حديثًا (1889م). وبفضل هذه المعاهدة امتدت أراضي الألمان في الشمال، فصار يحدها خط يمتد من الشاطئ الغربي لبحيرة فكتوريا إلى حدود ولاية الكونغو الحرة البلجيكية، إلى الجنوب قليلًا من بحيرة ألبرت، فأبعدهم هذا الخطر من أقاليم النيل الأعلى، بينما فصل خط الحدود في الجنوب بين أملاكهم وبين أفريقيا الوسطى البريطانية. وهكذا تنازلت ألمانيا عن كل ادعاءاتها على أوغندة، واعترفت بانفراد بريطانيا بحق الحماية على جزيرتي بمبا (Pemba) وزنجبار؛ وبذلك قُسِّمت نهائيًّا أراضي سلطان زنجبار.
وكان في هذه الأثناء أن وصل أمين باشا إلى «باجامويو» مع ستانلي من خط الاستواء (في 3 ديسمبر 1889م). ورفض أمين — كما عرفنا — العودة إلى مصر وأوروبا، والتحق بخدمة الشركة ثم الحكومة الألمانية، وعاد إلى «كافالِّي» التي بلغها في يوليو 1891م ليعمل على ضم مديرية خط الاستواء للشركة (أو الحكومة) الألمانية. ولكن تجار الرقيق العرب الذين ساءهم مصادرة أمين بوصفه موظفًا ألمانيًّا لمتاجرهم وإطلاق سراح الرقيق الذي معهم، وذلك في المنطقة التي حاول أن يُدخلها أمين في دائرة نفوذه؛ سرعان ما انتقموا منه بقتله في 23 أكتوبر 1892م كما قدمنا.
على أن حادث «إنقاذ» أمين وخروج حملة ستانلي لهذه الغاية كانت أثارت اهتمام الاستعماريين الألمان، الذين جهزوا حملة إنقاذ لحسابهم الخاص في سنة 1888م برئاسة الدكتور كارل بيترز (Karl Peters) الذي كان يرجو أن يسبق حملة ستانلي في الوصول إلى أوغندة وإنقاذ أمين. ومع أن هذه الحملة لم تنل أي تعضيد من جانب الحكومة الألمانية التي لم توافق عليها، فقد قال عنها «كارل بيترز»: «إنها لم تكن لمجرد النزهة، ولكنها مجهود استعماري وسياسي على نطاق واسع». ذلك أن الاستعماريين أرادوا انتهاز الفرصة لوقف النفوذ الإنجليزي في أفريقيا الشرقية والوسطى. وكان «كارل بيترز» كبير الأمل في أن يسبق ستانلي في الوصول إلى أمين، فيدخله في خدمة الحكومة الألمانية، ويعتمد عليه في توسيع سلطان حكومته إلى بحيرة فكتوريا والمستعمرة الألمانية الواقعة إلى الجنوب وهي «أفريقيا الشرقية الألمانية»، وبذلك يقطع على الإنجليز طريق التوسع في الداخل، بينما يصل سلطان الألمان إلى النيل الأعلى.
ومع أن ستانلي سبق في الوصول إلى أوغندة وإنقاذ أمين، فقد شاهدنا كيف كادت هذه المشاريع تتحقق عندما دخل أمين فعلًا في خدمة الحكومة الألمانية.
أما «كارل بيترز» نفسه، فقد اتجه في سيره صوب الشمال على طول الساحل حتى تخطى نهر «تانا» متوغلًا في الداخل. وفي مارس 1890م كان قد بلغ أوغندة، وعقد مع ملكها «موانجا» (Mwanga) ابن «إمتيسا» (Metesa) معاهدة وضعت بلاد هذا الأخير تحت حماية ألمانيا.
ولكن كل هذه الجهود ذهبت سدًى، عندما أبرم الإمبراطور وليم الثاني مع إنجلترا في 14 يونيو 1890م المعاهدة التي سبقت الإشارة إليها، والتي تنازل فيها الإمبراطور عن كل ادعاءات للألمان على أوغندة. وفي اتفاق آخر في أول يوليو 1890م تنازل الإمبراطور كذلك عن ادعاءات حكومته على أراضٍ أخرى في الداخل.
وكان معنى انتهاء هذه المنافسة على النفوذ في أوغندة وخط الاستواء من جانب الألمان أن الأمير لا يلبث حتى يخلص للإنجليز في النهاية ينشرون ويدعمون نفوذهم في هذه الجهات. وتفصيل ذلك أن انعزال أمين باشا في خط الاستواء ومحاولة إنقاذه كما أثار اهتمام الألمان لتوسيع دائرة استعمارهم في أفريقيا الشرقية والوسطى؛ فقد أثار اهتمام ليوبولد الثاني ملك البلجيك الذي كان يحاول من مدة سابقة الاستيلاء على مديرية خط الاستواء. ولقد سبق عند الكلام عن مأمورية غوردون في الخرطوم (1884م) أن ذكرنا أن ليوبولد كان عرض على غوردون الدخول في خدمته والذهاب إلى وسط أفريقيا، ووافق غوردون ولم يمنعه من الذهاب سوى تقرير حكومته إرساله إلى الخرطوم، كما ذكرنا، أن من المشروعات التي عرضها غوردون على حكومته أثناء حصار الخرطوم كان الخروج إلى الجنوب، ووضع مديريتَي بحر الغزال وخط الاستواء تحت حكم ليوبولد ملك البلجيك. وقضى على هذه المشروعات مقتل غوردون وسقوط الخرطوم (يناير 1885م). ولكن لم يلبث أن جدَّ عاملان أحييا آمال ليوبولد؛ أولهما تقرير إرسال حملة ستانلي لإنقاذ أمين باشا، وكان ستانلي في خدمة ليوبولد سنوات كثيرة. وثانيهما أن شركة أفريقيا الشرقية البريطانية برئاسة السير وليم ماكينون كانت عظيمة الاهتمام بفتح أفريقيا الشرقية والكشف عن مجاهلها، وكان ماكينون على وجه الخصوص يهتم بهذه المسألة اهتمامًا كبيرًا، فجمعت هذه الرغبة في التوغل في أفريقيا بينه وبين الملك ليوبولد. وكان السير وليم ماكينون يسعى منذ سنة 1885م لاستئجار ممتلكات سلطان زنجبار في الداخل، ويضع مشروعًا لبناء سكة حديدية تبدأ من «ممبسة» على الساحل، وتنتهي عند بحيرة فكتوريا.
وعلى ذلك فقد كان بين هؤلاء الثلاثة إذن — ليوبولد، ماكينون، ستانلي — أن تم تنظيم حملة ستانلي لإنقاذ أمين باشا. وكان من بين عروض ستانلي علي أمين أن يبقى هذا الأخير في إدارة خط الاستواء تابعًا لحكومة ولاية الكونغو الحرة البلجيكية. وعندما رفض أمين هذا العرض، تقدم إليه ستانلي بعرض آخر هو أن يقوم أمين بإدارة المديرية في خدمة شركة أفريقيا الشرقية البريطانية. ولم ينفذ شيء من هذا الاقتراح الثاني بسبب ما ظهر من عجز أمين الذي كان قد فقد كل نفوذ له على رجاله؛ وقد أرغم ستانلي «أمينًا» حينئذٍ على الانسحاب مع الحملة إلى الساحل. فلم تسفر إذن كل هذه المجهودات التي اقترنت بحملة الإنقاذ إلا عن شيء واحد فقط؛ هو أنها تركت مديرية خط الاستواء أرضًا لا يملكها أحد، لو أنها وقعت في قبضة الدراويش لكان مصيرها مصير سائر أقاليم السودان التي خضعت لسلطان الخليفة عبد الله. ولكن الخوف كان من أن تقع هذه الأراضي في يد دولة أوروبية كبرى؛ حيث كان معروفًا أن دعاة الاستعمار الألمان يعتمدون على الحملة التي أرسلوها برئاسة «كارل بيترز» — وهي الحملة التي سبق الكلام عنها — لإنقاذ أمين، في بسط حماية ألمانيا على مديرية خط الاستواء «بما في ذلك أوغندة».
ولذلك فقد تقرر إرسال الكابتن فردريك لاجارد (Frederick Lugard) من قِبل شركة أفريقيا الشرقية البريطانية — الذي أعارته إياها وزارة الحربية الإنجليزية — ليعقد مع ملك أوغندة معاهدة لإدخال بلاده تحت الحماية البريطانية.
في أوائل مايو 1890م وصل «لاجارد» إلى ممبسة. وفي 6 أغسطس غادرها إلى الداخل، ولخَّص «لاجارد» تعليماته في قوله إنه كان مطلوبًا منه أن يعرض على «موانجا» ضمانات للسلام في مملكته، وأن يجعله يؤمن بسلطان وقوة الشركة، وأن يضغط عليه ضغطًا متصلًا لغرض الحصول على السيطرة والإشراف على كل الشئون المتعلقة بالبيض في البلاد.
وفي 26 ديسمبر 1890م ضغط «لاجارد» على ملك أوغندة «موانجا» حتى جعله يوقع في «منجو» (Mengo) — مقر موانجا — على معاهدة وضعت أوغندة تحت حماية بريطانيا. واستطاع «لاجارد» أن ينشئ في المنطقة بين بحيرتَي ألبرت إدوارد وألبرت عددًا من المراكز التي وضع فيها حاميات من الجنود الذين كانوا تركوا خدمة أمين باشا؛ وذلك في كافالِّي، وعلى حدود الأونيورو، وفي روباجا وغيرها. ثم قضى «لاجارد» على الحزب الكاثوليكي — وكانت الكاثوليكية والبروتستانت انتشرت في أوغندة نتيجة لنشاط الرسالات التبشيرية — الذي اصطدم مع البروتستانت الموالين لإنجلترا (Wa-Ingleya) في يناير 1892م فأوقع الأهلون مذبحة كبيرة بمواطنيهم الكاثوليك في 24 يناير من هذا العام. وكان الحزب الكاثوليكي (Wa-Fransa) هو الحزب الموالي لفرنسا. وعقد «لاجارد» المعاهدات مع كبار الزعماء المحليين لرفع علم الشركة. وفي 30 مارس 1892م عقد مع «موانجا»، وبوصفه مندوبًا عن شركة أفريقيا الشرقية البريطانية، معاهدةً في كمبالا (Kampala)، أو منجو تعهدت الشركة بموجبها أن تقوم بحماية مملكة أوغندة واعترف «موانجا» بسيادة الشركة. ولكن هذه المعاهدة لم يتم التصديق عليها. وفي 16 يونيو 1892م غادر «لاجارد» أوغندة، فوصل إلى «ممبسة» في أول سبتمبر، وغادرها في 14 سبتمبر إلى لندن عن طريق السويس حيث قصد إلى القاهرة أولًا ليتوسط لدى الحكومة المصرية لتدفع المرتبات المتأخرة للذين بقوا معه من جنود أمين باشا وغيرهم في مديرية خط الاستواء. ولم ينجح «لاجارد» في هذا السعي. وأخيرًا وصل إلى لندن (في 3 أكتوبر 1892م).
وأثارت عودة «لاجارد» والحملة الواسعة التي قام بها من أجل التمسك بأوغندة مسألة أوغندة بحذافيرها، حيث كانت الحكومة البريطانية قد صارت وقتئذٍ مرغمة على التفكير جديًّا في احتمال أن تحل الحكومة محل شركة أفريقيا الشرقية البريطانية في إدارة أملاك تمتد من «ممبسة» إلى النيل الأبيض، وتبلغ مساحتها 300000 ميل مربع.
وكانت شركة أفريقيا الشرقية البريطانية في أثناء ذلك قد أعلنت في يوليو 1891م أنه سوف تضطر إلى الانسحاب من أوغندة؛ لأنها لم تقدم على احتلال أوغندة في سنة 1890م — كما قالت — إلا بسبب الزحف الألماني من جهة، وبسبب ضغط الحكومة البريطانية على الشركة من جهة أخرى، أما الآن فهي عاجزة عن الإنفاق على إدارة تكلفها سنويًّا من أربعين إلى خمسين ألفًا من الجنيهات. وعندئذٍ تدخَّل جماعة المبشرين، فأقرضوا الشركة أربعين ألفًا من الجنيهات لتستمر في أعمالها سنة أخرى تنتهي في 31 ديسمبر 1892م. ورأت حكومة المستر غلادستون «في حكومته الأخيرة»، وكان وزير خارجيتها اللورد روزبري (Rosebery) ضرورة التمسك بأوغندة، ليس فقط لمنع الزحف البلجيكي والفرنسي والألماني في النيل الأعلى وفي نهر الكونغو، بل ولأن السير ريجنالد ونجت (Reginald Wingate) ضابط المخابرات في الجيش المصري كان قد وضع مذكرة في أبريل 1892م يبين فيها الأضرار التي تعود على مصر من التخلي عن أوغندة من جهة، ويلح في ضرورة العمل على استرجاع السودان من جهة أخرى. وفي 30 سبتمبر 1892م قررت الحكومة البريطانية أن تتحمل نفقات احتلال أوغندة لغاية 31 مارس 1893م، وذلك إلى أن تتمكن في أثناء ذلك من الحصول على معلومات وافية في الموضوع، وقررت إرسال السير جيرالد بورتال (Gerald Portal) قنصلها العام في زنجبار ليقوم بالفحص المطلوب في أوغندة.
وكانت تعليمات السير جيرالد بورتال: «أن يضع تقريرًا عن أفضل الوسائل للمعاملة، أو لتناول شئون هذه البلاد، إما عن طريق (أو بواسطة) زنجبار أو بوسيلة أخرى.»
أي إبداء الرأي فيما إذا كان من الأوفق أن تحل الحكومة محل الشركة. وكان من الواضح أن النتيجة التي سوف يصل إليها «بورتال» من حيث التوصية، بإنهاء عهد الشركة، وإعلان الحماية البريطانية على أوغندة كانت أمرًا مفروغًا منه.
وترك بورتال زنجبار في أول يناير 1893م، فوصل إلى «منجو» عاصمة أوغندة ومقر «موانجا» في 17 مارس 1893م، وبعد إقامة حوالي أسبوعين أي في أول أبريل 1893م أنزل علم الشركة، ورفع مكانه العلم البريطاني في كامبالا في 29 مايو 1893م أبرم «بورتال» مع «موانجا» معاهدة نهائية كانت الثالثة في ترتيب المعاهدات التي عُقدت مع موانجا؛ وضعت أوغندة تحت الحماية البريطانية، وأخذ «بورتال» يبعث بالتقارير المطولة إلى حكومته عن الأحوال السائدة في أوغندة، من ناحية التجارة حيث كان من المنتظر أن تصبح أوغندة سوقًا كبيرًا لاستهلاك المصنوعات الأوروبية؛ ومن ناحية نشاط التبشير للمسيحية. وكان من رأي «بورتال» أن انسحاب البريطانيين من هذه البلاد إنما يؤدي إلى قيام حرب دينية مهلكة بين حزبَي الكاثوليك والبروتستانت. وفي آخر تقاريره من زنجبار، في أول نوفمبر 1893م لخص «بورتال» آراءه في ضرورة احتفاظ الإنجليز بأوغندة، فقال إنها ذات موقع استراتيجي عظيم الأهمية؛ لأنها تسيطر على شواطئ بحيرة فكتوريا الشمالية والغربية، وتحكم المدخل الوحيد تقريبًا إلى بحيرتَي ألبرت وألبرت إدوارد، وتسيطر على مساقط مياه نهر النيل، وهي كذلك المفتاح الطبيعي لكل حوض النيل وأغنى بقاع أفريقيا الوسطى. أما إذا انسحبت إنجلترا وتخلت عن أوغندة فإن دولة أخرى، ومن المحتمل أن تكون هذه ألمانيا سوف تستولي عليها؛ وبذلك تفقد إنجلترا كل هذه الأراضي الشاسعة التي حفظها الاتفاق الإنجليزي-الألماني «المبرم في أول يوليو 1890م»، والخاص بتحديد مناطق النفوذ في هذا القسم من القارة الأفريقية. ووقوع أوغندة تحت سيطرة إحدى الدول الأخرى معناه امتداد سيطرة هذه الدولة حتمًا ليس فقط على أوغندة والجهات الملاصقة لها مباشرة، بل سوف تشمل كل البلاد المجاورة والبحيرات العظمى وحوض النيل والطرق الطبيعية الكبيرة للمواصلات في الداخل. إن السيطرة على أوغندة يعني استعلاء النفوذ، والتفوق التجاري في أغنى أجزاء أفريقيا وأكثرها سكانًا في خلال سنوات قليلة.
هذا التقرير أذاعته الحكومة الإنجليزية في 11 أبريل 1894م. وفي اليوم التالي أعلنت هذه الحكومة قرارها بأن تعلن الحماية رسميًّا على أوغندة (12 أبريل 1894م). وقد صدر إعلان هذه الحماية رسميًّا في 18 يونيو 1894م.
وكان «بورتال» عندما رفع العلم البريطاني على أوغندة (في أول أبريل 1893م)، طلب من حكومته إرسال بعض الضباط البريطانيين الملمين باللغة العربية؛ ليتولوا الإشراف على إدارة البلاد، فاختارت الحكومة أربعة كان منهم الكولونيل السير هنري كولفيل (Sir Henry Colville) وهو الذي خلف «بورتال» فيما بعد في إدارة المحمية. قال «كولفيل» أنه جاءته برقية في (4 أغسطس 1893م) من وزارة الحربية الإنجليزية تسأله إذا كان يقبل العمل تحت إمرة السير جيرالد بورتال في أوغندة. وفي 31 أغسطس كان «كولفيل» وزملاؤه قد وصلوا إلى زنجبار، ثم لم يلبثوا أن بارحوها في 4 سبتمبر، فدخلوا كامبالا (أو منجو) عاصمة أوغندة في 10 نوفمبر 1893م. وبدأ «كولفيل» بإخضاع كباريجا (Kabarega) ملك أونيورو، فأرسل في بداية 1894م الماجور «أوين» (Owen) لمطاردته؛ وتعقبه «أوين» في كل مكان حتى أفنى قوته، وضم أجزاء واسعة من مملكته إلى أوغندة، وأنشأ سلسلة من المحطات المحصنة بين بحيرتَي فكتوريا وألبرت وبناء على تعليمات من «كولفيل» أرسل «أوين» اثنين من ضباطه: «الماجور كاننجهام» (Cunningham)، والملازم فاندلور (Vandeleur) ليرفعا العلم البريطاني على ودلاي، فغادر الضابطان «كيبرو» (Kibero) «على بحيرة ألبرت» في 8 يناير 1895م ورفعا العلم البريطاني على «ودلاي»، التي أقاما بها بضعة أيام، ثم غادراها إلى «الدفلاي» — ووادلاي والدفلاي في مديرية خط الاستواء القديمة — ومن «الدفلاي» عادا إلى «هوما» (Hoima) مركز القوات البريطانية في أونيورو.
وكان «كولفيل» منذ مايو 1894م قد تسلَّم رسميًّا إدارة محمية أوغندة الجديدة خلفًا للماجور ماكدونالد (Macdonald) الذي كان السير جيرالد بورتال عهد إليه مؤقتًا بإدارة الأعمال في أوغندة عند مبارحته لها. وفي 27 أغسطس 1894م عقد «كولفيل» مع «موانجا» في كامبلا معاهدة صدَّقت عليها الحكومة البريطانية في 4 يناير 1895م تأكدت بموجبها المعاهدة التي عقدها السير جيرالد بورتال مع «موانجا» في 29 مايو 1893م.
أما «ماكدونالد» فقد عاد مرة ثانية على رأس حملة جديدة إلى أوغندة، غادرت بومباي في الهند في 18 يونيو 1897م، ووصلت إلى «ممبسة» في 9 يوليو، وبعد ثلاثة شهور وصلت الحملة إلى أوغندة، وعملت على تدعيم الحملة بهزيمة «موانجا» نهائيًّا في يناير من العام التالي (1898م)، ثم «كباريجا»؛ ووقع كلاهما في الأسر، واستمرت عمليات «ماكدونالد» إلى مايو 1898م. وكان السبب في إرسال «حملة ماكدونالد» أن الإنجليز قرروا الزحف على فاشودة في 1897م للوصول إليها قبل حملة الكولونيل مارشان (Marchand) الفرنسي — في ظروف سوف يأتي ذكرها — وتقرر أن يكون هذا الزحف من الشمال من دنقلة التي استرجعها المصريون والبريطانيون بقيادة كتشنر منذ 1896م — واحتلال دنقلة كان في 23 سبتمبر 1896م — ومن الجنوب في الوقت نفسه من أوغندة، استقر الرأي على أن يكون الزحف من الشمال وليس من الجنوب على أقاليم النيل الأعلى.
على أن الذي نريد ملاحظته الآن؛ هو أن في سنة 1898م كان قد تم توطيد أركان الحماية البريطانية على أوغندة، بالدرجة التي أمكن بها أن يوضع موضع الاختبار ما سبق أن أشار إليه كثيرًا السير جيرالد بورتال في تقريره إلى حكومته، عن ضرورة التمسك بأوغندة وعدم الانسحاب منها؛ ونعني بذلك أهمية أوغندة الاستراتيجية كقاعدة، يمكن منها امتداد السيطرة البريطانية على حوض وادي النيل.
وأما حدود هذه المجمعة البريطانية الجديدة — مجمعة أوغندة — فقد أمكن تخطيطها على الوجه التالي:
(1)في 18 يونيو 1894م أُعلنت الحماية البريطانية على أوغندة، وعلى أن تشمل هذه المحمية، على أساس معاهدة السير جيرالد بورتال مع «موانجا» في 29 مايو 1893م؛ الأراضي الآتية: الأراضي المعروفة باسم أوغندة الأصلية والتي تحدها الأراضي المعروفة باسم أوزوجا (Usoga)، أونيورو (Unyoro)، أنكولي (Ankoli)، كوكي (Koki)، وصدر بذلك بلاغ من وزارة الخارجية نشرته جريدة «لندن غازيت» (London Jazette) في 19 يونيو 1894م. وتضمن هذا البلاغ إعلان الحماية على أوغندة، أو وضع مملكة أوغندة تحت حماية جلالة ملكة بريطانيا بموجب معاهدة 29 مايو 1893م، كما تضمَّنت النشرة ذكر الأراضي التي تتألف منها المحمية بالصورة التي أوضحناها.
(2) في 15 يونيو 1895م أصدرت وزارة الخارجية بلاغًا آخر نشرته أيضًا جريدة «لندن غازيت» بتاريخ 18 يونيو 1895م، جاء فيه:
أن الأراضي التي تقع في أفريقيا الشرقية تحت نفوذ بريطانيا العظمى، وموقعها بين محمية أوغندة والساحل، وبين نهر جوبا والحدود الشمالية لمنطقة النفوذ الألماني، والتي لم تكن قد دخلت بعد تحت الحماية البريطانية؛ صارت بمقتضى هذا البلاغ موضوعة تحت حماية جلالة ملكة بريطانيا.
(3)
في 30 يونيو 1896م أصدرت وزارة الخارجية كذلك بلاغًا نشرته جريدة «لندن غازيت»، جاء فيه:
أن أراضي أونيورو مع ذلك الجزء من منطقة النفوذ البريطاني الذي يقع إلى الغرب من أوغندة وأونيورو، والذي لم يكن بعد قد أُدخل في محمية أوغندة؛ صارت بمقتضى هذا البلاغ موضوعة داخل حدود محمية أوغندة — وهي التي تشمل كذلك «أوزوجا» والأراضي الأخرى الواقعة إلى الشرق — وتحت إدارة مندوب وقنصل جنرال جلالة الملكة المعين لهذه المحمية.
وهكذا تكون حدود محمية أوغندة، وحدود أفريقيا الشرقية البريطانية، وهي المحمية التي تدخل ضمنها محمية أوغندة ذاتها؛ قد تحددت، أو خُططت نهائيًّا من كل الجهات، ما عدا الجهة المتصلة بحوض النيل، حيث بقيت الحدود في هذه الناحية تسير في خط واحد مع الحدود التي ينتهي إليها عرفًا حوض نهر الكونغو.
حاجز لادو (Lado Enclave)
لم يفقد ليوبولد الثاني ملك البلجيك الأمل في التوسع صوب حوض النيل، فقد امتد النفوذ البلجيكي في حوض الكونغو، ووافق مؤتمر برلين (1884م)، الذي نظر في تقسيم مناطق النفوذ بين الدول في أفريقيا وتنظيم الملاحة في نهري الكونغو والنيجر، على إنشاء «ولاية الكونغو الحرة» (The Congo Free State) تحت سيادة ملك بلجيكا «ليوبولد الثاني»، ووافق البرلمان البلجيكي على إنشاء هذه «الولاية» تحت سيادة الملك البلجيكي في أبريل 1885م. ولقد شاهدنا كيف أن ليوبولد أراد استخدام «غوردون» في توسيع أملاك الكونغو، ثم انتهاز فرصة إرسال «ستانلي» في الحملة لإنقاذ أمين باشا؛ ليضم إليه مديرية خط الاستواء، ولكن ليوبولد استطاع بعد ذلك أن يرسم حدود هذه «الولاية الحرة» الجديدة، وبعد أن نجح في توسيع رقعتها كذلك، بأن عقد طائفة من المعاهدات مع البورتغال، والفرنسيين والإنجليز على الوجه التالي:
مع البورتغال: معاهدة بين البورتغال وولاية الكونغو الحرة في 14 فبراير 1885م، ثم أخرى في 25 مايو 1891م، ثم ثالثة في 25 مارس 1894م، فاعترف البورتغال، في شمال النهر «الكونغو»، بتبعية حاجز كابيندا (Kabinda Enclave) لولاية الكونغو، كما اتصلت «الولاية» بالشاطئ الأيسر للنهر عند «متيدا» (Matédi) بينما بقي كل شاطئ النهر للولاية.
مع فرنسا: اتفاق في 23 أبريل 1884م، واتفاق آخر في 5 فبراير 1885م، ثم معاهدة في 29 أبريل 1887م لتخطيط الحدود بين ولايتي الكونغو الحرة، ومستعمرة الكونغو الفرنسي على طول مجرى نهر الأوبانجي — فرع نهر الكونغو الغربي — ثم في 14 أغسطس 1894م، وكان البلجيكيون لتحقيق أطماعهم في مديريتَي خط الاستواء وبحر الغزال قد تجاوزوا الحدود التي رسمها اتفاق مؤتمر برلين (نوفمبر 1885م)، ثم معاهدتهم مع فرنسا — بين فرنسا وولاية الكونغو — في 29 أبريل 1887م، فقد أرسلوا حملة بقيادة فان كركهوفن (Van Kerckhoven) في سبتمبر 1890م استطاعت التوغل حتى وصلت إلى النيل، واحتلت الدفلاي (دوفيله) في أوائل 1893م. كما تقدمت في الوقت نفسه حملات أخرى نحو الشمال، فاحتلت جملة مراكز بين عامَي 1891م، 1892م، حتى وصلت قريبًا من «ديم الزبير» في عام 1893م، ومن حدود دارفور وحفرة النحاس في عام 1894م. وعلى ذلك تجاوز البلجيكيون خط عرض أربع درجات الذي تعيَّن في الاتفاقات السابقة، ومدوا مراكزهم على الشاطئ الأيمن لنهر الأوله (الولي) (Ouellé) «الذي هو امتداد لنهر الأوبانجي» حتى خط عرض خمس درجات. وفي معاهدة 14 أغسطس 1894م بين فرنسا وولاية الكونغو الحرة ثبتت أقدام البلجيكيين في هذه الجهات، وصار لولاية الكونغو الحق في التوسع شمالًا وشرقًا مسافة أخرى، وتعهدت ولاية الكونغو بعدم احتلال أية أراضٍ في شمال لادو.
مع إنجلترا: كانت أولى الاتفاقات، معاهدة بين الكونغو الحرة وشركة أفريقيا الشرقية البريطانية، وُقِّعت في لندن في 24 مايو 1890م عرفت باسم «معاهدة ماكينون» نسبة للسير وليم ماكينون رئيس الشركة. اعترفت الشركة بموجبها بحقوق ولاية الكونغو الحرة في السيادة إلى الغرب من خط يمتد من الطرف الجنوبي الغربي لبحيرة ألبرت، ويسير شمالًا على طول النيل إلى لادو. بينما اعترفت حكومة الكونغو الحرة بحقوق السيادة للشركة على شريط من الأرض عرضه خمسة أميال يمتد من الشاطئ الجنوبي لبحيرة ألبرت إدوارد إلى الطرف الشمالي لبحيرة تنجانيقا.
وفي 12 مايو 1894م عقدت حكومة الكونغو الحرة (أي عقد ليوبولد بوصفه صاحب السيادة على ولاية الكونغو) اتفاقًا مع إنجلترا، أجرت إنجلترا بمقتضاه، أولًا: لولاية الكونغو الحرة — ليوبولد وخلفائه — بمقتضى المادة الثانية من الاتفاق منطقة كبيرة من بحر الغزال تقع بين خطَّي 30، 25 درجة شرقًا، وخطَّي عرض 10، 4 درجة شمالًا؛ ثانيًا: إلى ليوبولد الثاني شخصيًّا ولمدى الحياة فقط؛ أي بصفة مؤقتة، المنطقة من بحر الغزال أيضًا التي تقع على الشاطئ الأيسر للنيل من عند ماهاجي (Mahagi) على الشاطئ الغربي الشمالي لبحيرة ألبرت، إلى فاشودة. على أن تسترجع إنجلترا هذه المنطقة عند وفاة ليوبولد. وفي مقابل ذلك أجرت ولاية الكونغو الحرة لإنجلترا شريطًا من الأرض «معبرًا» من بحيرة إدوارد إلى بحيرة تنجانيقا؛ أي مسافة درجتين ونصف درجة عرضية تقريبًا، بعرض 25 كيلو مترًا. وهكذا كما قال «دارسي» (Darcy): «تنازلت إنجلترا لولاية الكونغو عن كل بحر الغزال، وعن نصف حوض الأوبانجي، الذي لم يرفرف عليه إطلاقًا العلم البريطاني.» وكان ضباط بلجيكيون في الوقت الذي عُقدت فيه معاهدة 12 مايو 1894م هذه يزحفون على الأوبانجي العليا، ويحتلون فعلًا بعض المراكز في إقليم بحر الغزال.
وقد احتجت فرنسا على هذه المعاهدة الإنجليزية-البلجيكية؛ لأنها متناقضة مع الاتفاقات الدولية التي حصلت في مؤتمر برلين 1884م، ومع فرنسا في 1885م وفي 1887م، بشأن تخطيط الحدود وتقرير حياد الكونغو في قرار برلين 1885م؛ ولأن بلجيكا نفسها قد تقرَّر حيادها في معاهدة لندن 1831م بصورة دائمة؛ ولأن حقوق مصر في السيادة على هذه المناطق في بحر الغزال ومديرية خط الاستواء ثابتة بمقتضى الفرمانات العثمانية، ومعترف بها دوليًّا. وضغط «هانوتو» (Hanotaux) وزير خارجية فرنسا وقتئذٍ على الملك ليوبولد ليتنازل عن «الإيجار» ونظم «دلكاسي» (Delcassé) بوصفه وزير المستعمرات الفرنسية حملة بقيادة الكولونيل «مونتي» (Monteil) لطرد البلجيكيين إذا دعا الحال، فاضطر ليوبولد للتسليم، وانسحب الضباط البلجيكيون من الأوبانجي العليا، التي فُصلت من الكونغو الفرنسي، وجُعلت إدارة منفصلة وقائمة بذاتها، وبقيت حملة «مونتي» على قدم الاستعداد، بينما تألفت حملة أخرى بقيادة «ليوتار» (Liotard) لم تُعرف التعليمات الصادرة إليها وقتئذٍ، ولكنها أُذيعت بعد ذلك بأربع سنوات عندما وجه البرنس هنري دورليان (Henri d’Orlean) خطابًا مفتوحًا لمسيو دلكاسي نشرته جريدة الطان في 21 نوفمبر 1898م، جاء فيه: أن الكولونيل «مونتي» الذي وُضع في سنة 1894م على رأس حملة مكلفة بالزحف من الكونغو إلى النيل الأبيض؛ سأل الحكومة أن تعهد بمهمة إلى البرنس هنري دورليان هي أن يذهب البرنس من طريق الحبشة ببعثته للالتقاء بالكولونيل «مونتي». وكان الهدف هو أن تحتل القوات الفرنسية الزاحفة من الشرق والغرب فاشودة.
هذا الضغط إذن من جانب فرنسا جعل ممكنًا أن تعقد فرنسا مع ولاية الكونغو الحرة اتفاقًا (Agreement) في 14 أغسطس 1894م نالت فرنسا فيه تعديلًا في صالحها للحدود بين أملاكها في أفريقيا الاستوائية وولاية الكونغو الحرة البلجيكية، وتعهدت ولاية الكونغو بأن تخلي في أقرب وقت ممكن الأماكن أو المراكز التي كانت تعوق تقدم الزحف الفرنسي وهي في حفرة النحاس، بنجاسا (Bangassa)، رفاي (Kafai)، زميو (Zemio)، وتنازلت عن احتلال إقليم بحر الغزال. وفي نظير ذلك تعهدت فرنسا بعدم معارضة استئجار الكونغو البلجيكي «ليوبولد» «لحاجز لادو» بمقتضى المعاهدة الإنجليزية البلجيكية في 12 مايو 1894م. وبموجب اتفاق آخر في 5 فبراير 1895م في باريس اعترفت ولاية الكونغو لفرنسا بحق الارتفاق على الأملاك البلجيكية في حالة التنازل عن هذه الأملاك للغير، علاوة عن أنها تعهدت في الوقت نفسه بعدم التنازل للغير دون مقابل عن كل أو جزء من أملاكها هذه نفسها (أي ولاية الكونغو الحرة البلجيكية) وذلك بمناسبة انتقال ولاية الكونغو الحرة إلى دولة بلجيكا في 9 يناير 1895م.
أما المعاهدة البلجيكية الإنجليزية في 12 مايو 1894م، فقد أوجدت إذن ما صار يعرف باسم «حاجز لادو» (Lado Enclave).
وقد لخص «أرثر سيلفا هوايت» (White) نتائج كل هذه الاتفاقات في قوله: «إن الأثر المتجمع من كل هذه الترتيبات إنما هو لإعطاء ولاية الكونغو الحرة منفذًا إلى النيل الأعلى بين ما هاجي «على بحيرة ألبرت» ولادو بموجب إيجار يستمر مدة حكم الملك ليوبولد، كرئيس (أو عاهل) لهذه الولاية الحرة، على أن ينتهي العمل بهذا الإيجار بعد ذلك إلا فيما يخص المنطقة التي مساحتها 25 كيلو مترًا عند ماهاجي، وأما بقية هذا الإقليم فمتروك تمامًا ضمن دائرة النفوذ البريطاني.»
في 16 يوليو 1898م احتل القومندان هنري (Commndant Henri) باسم ولاية الكونغو الحرة «لادو»؛ ومثل هذا التاريخ احتل «الرجاف» القومندان «شالتان» (Chaltin) الذي اشتبك مع عربي دفع الله عامل الخليفة عبد الله على بحر الجبل في واقعة في 15 فبراير 1897م انهزم فيها دفع الله، وأُجلي من الرجاف، فذهب إلى بور، واحتل البلجيكيون مكانه. وفي يونيو 1898م دعم «شالتان» احتلاله للرجاف، ولم يكن البلجيكيون قد احتلوا منطقة «حاجز لادو» قبل ذلك. وأما الحافز على احتلالها الآن فكان «حادث فاشودة» الذي نشأ من احتلال الكولونيل مارشان لها على نحو ما سيأتي ذكره.
ومما تجدر الإشارة إليه أن إنجلترا عندما عقدت معاهدة 12 مايو 1894م مع ولاية الكونغو الحرة، احتفظت لمصر بحقوقها في حوض النيل الأعلى.
وعندما أراد البلجيكيون تنفيذ معاهدة 12 مايو 1894م أذنت لهم إنجلترا باحتلال «حاجز لادو» على شريطة ألَّا يعتدوا على بحر الغزال.
وقد أدى احتلال البلجيكيين لحاجز لادو (1898م) إلى حدوث متاعب كثيرة بعد ذلك مع حكومة السودان. ولقد أمكن تسوية هذه المشاكل في اتفاق أخير عُقِد في لندن في 9 مايو 1906م، نص على إعادة حاجز لادو إلى إدارة حكومة السودان في خلال ستة شهور من وفاة الملك ليوبولد، وبالفعل لم يلبث أن أُعيدت هذه المنطقة لحكومة السودان في 16 يونيو 1910م بعد حوالي ستة شهور من وفاته.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)