فقد تقدم كيف أن «جرانفيل» عندما قبل مقترحات «غمبتا» في ديسمبر 1881م كان قد أبدى «تحفظًا» قصد به إلى إبطال قيمة المذكرة المشتركة من ناحية تدخل إنجليزي-فرنسي مشترك — كما كان مقصد «غمبتا» — ثم تمكين تركيا بدلًا من ذلك من التدخل المسلح في مصر عند الضرورة القصوى، بينما لم يخطر ببال «غمبتا» بتاتًا احتمال الموافقة من جانبه على تدخل العثمانيين واحتلالهم للبلاد، فلم تكن إنجلترا، على كل الأحوال، تريد أن تُقَيِّد نفسها سلفًا بأي «عمل مادي» مطلقًا.
هذا الاختلاف الجوهري بين وجهتَي النظر الإنجليزية والفرنسية سرعان ما ظهرت آثاره في أثناء المفاوضات التي دارت بين الدولتين بشأن أزمة تقرير الميزانية التي أثارها مجلس النواب.
فبينما أبدى «جرانفيل» ميلًا للتساهل مع الوطنيين في هذه المسألة، تشبث «غمبتا» بعدم إعطاء المجلس أي حق في بحث وتقرير الميزانية.
واتضح موقف الحكومة الإنجليزية في حديث جرى بين «السير إدوارد مالت» وبين «المسيو سنكويتش» بعث هذا الأخير بفحواه إلى حكومته في باريس، في 21 يناير 1882م؛ فقال ما معناه: إن الحكومة الإنجليزية حسب ما وقف عليه من كلامه مع «مالت» … «ليس مرادها بأي شكل من الأشكال أن تقوم بعمل مباشر في مصر …»
ويبدو مما عرفه «سنكويتش» من زميله «الإنجليزي مالت» أن وزارة لندن سوف تفضل كثيرًا عملًا مشتركًا من جانب الدول العظمى على تدخل لا يكون إلا تدخلًا فرنسيًّا-إنجليزيًّا فحسب.
وفي 30 يناير 1882م اضطر «جرانفيل» إلى توضيح موقف حكومته: وهو عدم موافقة حكومة لندن على احتلال إنجليزي، أو آخر إنجليزي-فرنسي لمصر، وأنها ترى كحل نهائي إذا لزم الأمر أن تقوم تركيا نفسها بهذا الاحتلال على اعتبار أنها صاحبة السيادة الشرعية على مصر.
ولكن في اليوم نفسه (30 يناير 1882م) حدث أن استقالت وزارة «غمبتا»، وأَلَّف المسيو دي «فرسينيه» الوزارة الجديدة، في 31 يناير، وكان وزير الخارجية كذلك في هذه الوزارة.
واختط «فرسينيه» سياسة مختلفة كل الاختلاف عن سياسة سلفه في الوزارة؛ إذ بينما كان «غمبتا» يريد أن يجعل التدخل — ثم الاحتلال عند الضرورة — مقصورين على إنجلترا وفرنسا باعتبار أنهما صاحبتا المصالح الأكبر أهمية في مصر، وصاحبتا النفوذ المباشر بها؛ وهذا ما رفضت الحكومة الإنجليزية الموافقة عليه؛ نجد «فرسينيه» يرى أن فرنسا لا تزال تئن من آثار الحرب السبعينية مع ألمانيا، ويخشى من عزلتها في أوروبا، ويخاف من تحرش ألمانيا بها؛ ويرى أن فرنسا شديدة الرغبة في المحافظة على السلام، وأن أية وزارة تعمد إلى تعكير هذا السلام بالتدخل المسلح في شئون مصر مباشرة سوف يكون لذلك مآلها السقوط لا محالة، وعلى هذا فقد عَوَّل «دي فرسينيه» من البداية على أن تصبح المسألة المصرية مسألة دولية، وواضح، من هذه الناحية، أن ذلك كان خروجًا صريحًا على سياسة سلفه «غمبتا».
ثم كان من رأي «فرسينيه» أن من السهل عليه إقناع مجلس النواب الفرنسي بالموافقة على تدخل فرنسي-إنجليزي لو اتفقت فرنسا وإنجلترا على التدخل بوصفهما منتدبتين من قِبل الدول الأوروبية لهذا التدخل، قال: «فحملة على مصر لن يحتملها أحد إلا إذا كان هناك تأكد أو وثوق من أن السلام لن يُكدر صفوه، وأما هذا التأكد أو الوثوق فلن تراه البلاد إلا في نطاق انتداب محدد صريح من قِبل الدول الأوروبية.»
أضف إلى هذا، أنه بينما عارض «غمبتا» في أن يحتل الأتراك مصر، فقد جارى «فرسينيه» إنجلترا في رغبتها، فوافق من حيث المبدأ على أن تتدخل تركيا في شئون مصر، وإنما على شريطة أن يحدث هذا وفق شروط وترتيبات تشرف بفضلها كل من فرنسا وإنجلترا على هذا التدخل.
وعلى هذا فقد تلاقت سياسة «فرسينيه» في أصولها الجوهرية مع سياسة إنجلترا في هذه المرحلة، من حيث جعل المسألة المصرية مسألة دولية، والموافقة على مبدأ تدخل تركيا، فكان هذا التلاقي منشأ «منشور دوري» (Circular) حدَّدت فيه الحكومتان سياستهما في المسألة المصرية.
ففي 6 فبراير 1882م بعث اللورد جرانفيل بمذكرة (Note) إلى الدول يقترح تبادل الرأي في الموقف المصري ويشير إلى أن أي تدخل مادي مزمع يجب أن يكون بناءً على «عمل متحد» (Concerted action)، أوروبي، وأن يكون للسلطان العثماني دور في هذا العمل مناسب لوضعه. وفي 7 فبراير 1882م اقترحت الحكومة الإنجليزية بواسطة سفيرها في باريس اللورد ليونس على «فرسينيه» أن يصدر عن حكومتيهما منشور دوري بهذا المعنى؛ وفي 12 فبراير صدر منهما هذا المنشور الدوري الذي بعثتا به إلى الدول، وتنحصر القواعد التي تضمنها هذا «المنشور» في إشراك الدول الأوروبية في تبادل الرأي حول الموقف في مصر. على أن يقوم تبادل الرأي هذا على القواعد التالية:
أوَّلًا: المحافظة على حقوق كل من السلطان العثماني والخديوي، والمحافظة كذلك على الاتفاقات الدولية والترتيبات الناجمة عنها سواء مع فرنسا وإنجلترا وحدهما فحسب، أو مع هاتين الدولتين متحدتين مع سائر الدول.
ثانيًا: احترام الحريات (Liberties) (أو الحقوق) التي ضمنتها الفرمانات السلطانة «للشعب المصري».
ثالثًا: كفالة نمو النظم المصرية (أي نظم الحكم) نموًّا حكيمًا.
وثمة ملاحظة أخرى هامة: هي أن «فرسينيه» قد سلم كذلك بوجهة النظر الإنجليزية التي اعتبرت أن الحالة الراهنة في مصر لم ينشأ عنها الموقف الموجب للتدخل، على نحو ما حاولت إنجلترا أن تقرَّره في «تحفظها» المعروف على المذكرة المشتركة، فجاء الآن في المنشور الدوري (12 / 2 / 1882م) ما نصه: «ولا تعتبر الحكومتان الفرنسية والإنجليزية أنه قد نشأت حالة فعلية تدعو الآن إلى بحث ما يوجب التدخل، حيث إن «مجلس النواب» والحكومة الجديدة (وهي وزارة محمود سامي) قد أبديا رغبتهما في القيام بالتعهدات الدولية، ولكن إذا حدث نشوء حالة فعلية تدعو إلى التدخل، فإن الحكومتين الفرنسية والإنجليزية تريدان أن يأتي كل تدخل في النهاية ممثلًا لعمل وتخويل (تفويض) صادرين عن تآزر (أو اشتراك) أوروبي؛ وفي هذه الظروف (أي في الحالة التي توجب التدخل) ترى الحكومتان الإنجليزية والفرنسية أيضًا أن يشترك السلطان العثماني في كل إجراء أو مباحثة مقبلة (أو تالية).»
وعلى ذلك فقد تضمن منشور 12 فبراير 1882م الدوري، قواعد مناقضة كل المناقضة للقواعد التي بُنيت عليها سياسة «غمبتا» كما رستما «المذكرة المشتركة» بتاريخ 7 يناير 1882م.
أما القواعد التي قام عليها المنشور الدوري هذا فقد لقيت قبولًا لدى الدول، وخصوصًا ألمانيا، حيث انحصرت سياسة «بسمارك» آنئذٍ في تحويل نشاط إنجلترا وفرنسا إلى ميادين خارج أوروبا؛ حتى تنفرد ألمانيا بالزعامة السياسية في القارة، وكان يهم بسمارك أن يعزل فرنسا في أوروبا وأن يمنع أي تحالف بينها وبين روسيا، وقد كانت روسيا مستاءة من موقف ألمانيا التي لم تبذل لها المساعدة في حربها ضد تركيا (1877م) أو تؤازرها المؤازرة الكافية في مؤتمر برلين (1878م). ثم إن بسمارك كان يرى في تشجيع أطماع فرنسا الاستعمارية — وهي التي احتلت تونس حديثًا (مايو-أكتوبر 1881م) وتريد أيام وزارة «غمبتا» التدخل المسلح في مصر — الوسيلة التي سوف تؤدي عاجلًا أو آجلًا إلى الاصطدام مع إيطاليا، وهذه ذات أطماع في طرابلس الغرب (ليبيا) ثم إلى الاصطدام مع إنجلترا، ولهذه مصالح في قناة السويس، وتحرص على طريق مواصلاتها مع الهند، والتي كانت سياستها (أي إنجلترا) الحيلولة دون إحراز أية دولة (غيرها بطبيعة الحال) التفوق السياسي في مصر ناهيك باحتلالها.
وعلى ذلك فقد وجد بسمارك في «الخطة» أو السياسة التي رسمها المنشور الدوري، ما يكفل تحقيق أغراضه، ويتفق في الوقت نفسه مع سياسته في المسألة المصرية، وهي سياسة تقوم في خطوطها العريضة على عدم انفراد فرنسا وإنجلترا بالتدخل؛ بل أن يكون هذا التدخل بناءً على «اتفاق أوروبي» (Accord européen) أي بعلم من الدول، وكانتداب من الدول لهما. ولقد كان هذا هو رأي أكثرية الدول الأخرى كذلك، وهو رأي يتفق — كما شاهدنا — مع ما كانت تذهب إليه إنجلترا.