

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
الأزمة «المصرية-العثمانية» في عام 1869م
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 88 ــ 95
2026-03-29
33
وللأزمة «العثمانية-المصرية» في عام 1869م أهمية فريدة لأسباب نذكر منها ثلاثة:
أولها: أنها تبرز بصورة عملية واضحة نواحي الضعف والشذوذ الكائن في تسوية 1840-1841م، والوضع الذي نالته مصر بمقتضى هذه التسوية؛ وذلك لأنه لم يكن من المتوقع كما أوضحنا أن يستقيم في آخر الأمر إنشاء الحكم الوراثي في ولاية من الولايات إلى جانب تمتعها بقسط وافر من الاستقلال الداخلي، مع بقاء هذه الولاية خاضعة لسلطان صاحب السيادة الشرعية عليها، وبحيث يجد هذا في تبعيتها له ميدانًا إذا سنحت له الفرصة للحد من الامتيازات التي نالتها بموجب الفرمانات، أو لإلغاء هذه الامتيازات جميعها؛ فكان لا مفر من أن تعمل مصر لتحطيم القيود المفروضة عليها، وأن تسعى عاجلًا أو آجلًا لخلاصها وتحررها وإدراك استقلالها، وهذا ما حاولت أن تفعله في العهود السابقة، وما صارت تريد أن تفعله في عام 1869م كذلك …
وثانيها: أن هذه الأزمة أبرزت كذلك وبصورة عملية جانبًا آخر من جوانب تسوية 1840-1841م، ولم يفت — كما شاهدنا — على الولاة السابقين، كما لم يفت على الخديوي نفسه إدراكه، وهي نوع «الوصاية الأوروبية» التي أتت بها هذه التسوية والتي وجب بسببها نيل موافقة الدول سلفًا على أي تعديل أو تغيير يراد إدخاله على «الوضع» القانوني القائم للولاية المصرية.
فإن فرنسا وإنجلترا اللتين آزرتا مصر في الحصول على فرمانَي 1866م و1867م — لدعم مسند الباشوية لتحقيق مصالحهما السياسية والاقتصادية فحسب — قد رفضتا الآن رفضًا باتًّا مؤازرتها في مسعاها لنيل استقلالها، ونصحت حكومتا باريس ولندن للخديوي في أثناء رحلته في أوروبا سنة 1869م، وهي الرحلة التي قام بها لدعوة ملوك ورؤساء الدول في أوروبا بالحضور حفلة افتتاح قناة السويس؛ بأَلَّا يمضي في تكدير علاقاته مع الباب العالي، فأعلن إليه وزير الخارجية الفرنسية «دي لافاليت» (De La Valette) في أثناء زيارة الخديوي لباريس (من 13 إلى 23 يونيو 1869م) أن فرنسا سوف تنظر باستياء إلى أي نزاع بين مصر وتركيا، وأن مثل هذه الاختلافات إذا استمرت من شأنها إلحاق الأذى بالخديوي وأسرته، وذلك كما أفهم دي لافاليت الخديوي؛ لأن فرنسا كسائر دول أوروبا يسوئها نشوب أي نزاع بين الخديوية والباب العالي وأن مثل هذا النزاع إذا نشب يؤذي إيذاءً بليغًا مصالح الخديوي وأسرته، وتساءل الوزير الفرنسي هل يستطيع الخديوي حقيقة أن ينسى بهذه السهولة كل تلك المصاعب التي صادفها والأموال الطائلة التي أنفقها في سبيل الحصول على فرمان الوراثة الصُّلبية؟ وهل يجهل إذا غضب عليه السلطان أن هذا الفرمان سوف يُلغى، وأن الباب العالي سوف يؤيد ادعاءات خصومه (الأمير مصطفى فاضل) من أعضاء الأسرة الآخرين على أريكة الخديوية؟ وأنه إذا أُلغي فرمان الوراثة الصُّلبية هذا، فسوف يتحتم على إسماعيل أن ينفق الأموال ويغدق الذهب على رجال الآستانة حتى يحصل على فرمان جديد بدل الذي أُلغي؟ وأَلَّا يعتقد الخديوي أن الرابطة التي تربطه بالإمبراطورية العثمانية، أكبر ضمان لسلامة مصر نفسها في رعاية مبدأ المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، وأن خير ما تنصح له به حكومة فرنسا، أن يحتفظ الخديوي بما لديه من سلطات فعلية ومزايا لا يُستهان بها في نطاق الدولة؛ الأمر الذي لا يكلفه إلا إظهار الاحترام والوقار لصاحب السيادة الشرعية عليه، السلطان العثماني.
هذه النصيحة لم يلبث أن استمع الخديوي إلى نصيحة مشابهة لها عند زيارته للندن بعد ذلك من 24 يونيو إلى أول يوليو 1869م، فقد أعلن إليه وزير خارجية إنجلترا اللورد «كلارندون» (Clarendon) أنه (أي الخديوي) لن يفوز بمغنم من إعلان استقلاله عن تركيا، ولكنه على العكس من ذلك سوف يخسر كثيرًا إذا فعل؛ فإذا نفضت مصر عنها التبعية لتركيا فإنها سوف تقع تحت التبعية لفرنسا، ومن شأن هذا خلق مشكلات خطيرة لمصر وللخديوي، وقد كتب «كلارندون» تقريرًا عن حديثه هذا مع الخديوي، جاء فيه أن جواب إسماعيل على ملاحظاته هذه كان وافيًا وأكيدًا، فهو لم يعلن أنه متفق مع الوزير البريطاني فيما ذهب إليه فحسب، بل قال إنه يرى من صالحه حقًّا الإبقاء على علاقاته القائمة فعلًا مع السلطان العثماني، وأن كل ما يريده هو أن يمتنع التدخل في شئون مصر الداخلية، وأضاف أنه سوف يسدي كل مساعدة للسلطان تُطلب منه في أية مناسبة، وعلى نحو ما ظل يفعل حتى هذه الآونة.
ولم يَغِبْ عن إسماعيل أن «النصح» الذي تقدم به إليه، «دي لافاليت»، «في باريس» و«كلارندون» في لندن إنما كان تهديدًا مباشرًا من جانبَي فرنسا وإنجلترا بتعريض الخديوية نفسها إلى الخطر إذا حاول الخديوي الاستقلال والانفصال عن تركيا، كما كان واضحًا في الوقت نفسه أن لندن وباريس لن توافقا بتاتًا الباب العالي إذا أراد هذا الأخير — دون أسباب كافية — إلغاء نظام الوراثة الصُّلبية أو خلع الخديوي نفسه، وكانت الأسباب كافية في نظرهما أن يحاول إسماعيل إعلان استقلاله.
على أن معارضة إنجلترا لاستقلال مصر لم تكن عن رغبة في المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية، يؤيد هذا الرأي المؤرخ الألماني «أدولف هازنكليفر». ذلك أن الأتراك كانوا قد أخفقوا مرارًا وتكررًا في إدخال الإصلاحات التي ترمي إلى تحسين أحوال رعايا الدولة المسيحيين، فلم ينفذ الأتراك شيئًا من الوعود التي تضمنها خط شريف كلخانة في 3 نوفمبر 1839م عشية مؤتمر لندن سنة 1840م الذي قطعت فيه الدول — وفي مقدمتها إنجلترا — عهدًا على نفسها بالمحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية في نظير إدخال هذه الإصلاحات اللازمة في تركيا، وفي نظير أن توَفِّي تركيا بالالتزامات التي التزمت بها في خط شريف كلخانة، وكذلك عجز الأتراك عن تنفيذ تعهداتهم بإدخال الإصلاح المطلوب وتأمين رعاياهم المسيحيين على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم بمقتضى الخط الهمايوني الصادر في 18 فبراير 1856م، على غرار خط شريف كلخانة السابق، وذلك عشية مؤتمر باريس الذي انعقد بين فبراير وأبريل 1856م لوضع الصلح عقب حرب القرم، فخسر الأتراك بذلك كل حق لهم في مطالبة إنجلترا باتباع السياسة التي درجت عليها سابقًا من حسن تأييدها لمبدأ المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية.
وَأَمَّا فيما يتعلق بمصر نفسها فقد تضافرت في السنوات الأخيرة عوامل عديدة جعلت الإنجليز يعارضون في استقلال مصر، ويتطلعون بدلًا من ذلك إلى أن يستأثروا بكل نفوذ سياسي بها أو للاستيلاء عليها إذا كان ذلك ممكنًا، ومن هذه العوامل أن أهمية مصر كطريق للمواصلات السريعة بين إنجلترا وممتلكاتها في الهند ازدادت وضوحًا عندما اضطر الإنجليز إلى إرسال النجدات من إنجلترا عبر مصر في عام 1857م؛ لإخماد عصيان قام به الجنود الهنود في حامية دلهي، ثم ظهرت حاجة إنجلترا لاستخدام هذا الطريق السريع (طريق مصر) مرة أخرى عندما اضطرت في عام 1867م، إلى إرسال حملة تأديبية إلى الحبشة التي كان ملكها «ثيودور الثاني» (Theodorus) قد سجن القنصل الإنجليزي «كامرون» (Cameron)، ثم سجن بقية بعثة مؤلفة من «راسام» (Rassam)، و«بلان» (Blanc)، و«بريدو» (Prideaux)، كانت الحكومة الإنجليزية قد أوفدتها للتوسط في الإفراج عن القنصل الإنجليزي. ثم حدث في عام 1869م أن افتُتِحَتْ قناة السويس للملاحة، وصار الاستيلاء على هذا الطريق المائي الجديد من أغراض السياسة الإنجليزية. أضف إلى هذا كله أن إيطاليا — وهي الدولة المطلة على البحر الأبيض المتوسط — كان قد تم تأسيس وحدتها في عام 1870م، كما كان قد تم اتحاد ألمانيا في العام نفسه، وأُعلنت الإمبراطورية الألمانية الجديدة في بداية العام التالي (1871م)، فصارت إيطاليا وألمانيا قوتين لا مندوحة للإنجليز في نشاطهم السياسي الاستعماري عن إدخالها في حسابهم، فقد ترتب على قيام إيطاليا وألمانيا تغيير في قوى التوازن الدولي في أوروبا، ولم يكن هناك مفر من أن يتأثر بظهورهما مركز إنجلترا في حوض البحر الأبيض الشرقي.
وعلى ذلك فقد أدت كل هذه العوامل إلى تحويل أطماع إنجلترا نحو مصر، مفتاح السيطرة في البحر المتوسط وقتئذٍ، والمدخل للتوسع في أفريقيا: القارة التي أصبحت ميدانًا للسباق الاستعماري بين الدول، ولكن إذا كان من المتعذر وقتئذٍ لسبب أو لآخر الاستيلاء على مصر، فقد كان من الميسور أن يبذل الإنجليز قصارى جهدهم للاستئثار بالنفوذ السياسي والاقتصادي بها، وهو أمر لا يتحقق إلا إذا بقيت مصر خاضعة لتركيا؛ ومعنى ذلك أن يبقى ذلك الركن الأساسي من تسوية 1840-1841م الذي ربط مصر بتركيا على حاله ودون تغيير، وعارضت إنجلترا استقلال مصر.
وأما فرنسا فقد اعتقدت أن هناك خطة موضوعة ليعلن الخديوي استقلال مصر في أثناء الاحتفال بافتتاح قناة السويس؛ ذلك الاحتفال الذي دُعيت لحضوره ولترؤسه الإمبراطورة «أوجيني» (Eugénie) زوجة الإمبراطور نابليون الثالث الفرنسي، ونما إلى علم الحكومة الفرنسية أن إسماعيل متفاهم مع فكتور عمانويل الثاني ملك بيدمنت (إيطاليا) على أن يقوم هذا بإبلاغ تركيا أنها إذا حاولت التدخل في مسألة إعلان الاستقلال، فإن جيوش بيدمنت وبحريتها سوف تقوم بهجوم على إحدى ولايات الدولة العثمانية النائية (المقصود بذلك تونس أو طرابلس الغرب) وعلى ذلك فإنه ما علم نابليون الثالث بهذه التدابير حتى بادر بالتدخل لوقفها، واضطر إسماعيل إلى التخلي عن مشروع استقلاله.
وهكذا وقفت كل من الحكومتين الإنجليزية والفرنسية موقف المعارضة من الاستقلال، فأبلغت الحكومتان الخديوي في مايو 1870م في عبارات حاسمة أنهما لن تسمحا بحالٍ من الأحوال بفصم العلاقات بين تركيا ومصر وخلق متاعب ومشكلات جديدة لا مفر من حدوثها إذا أعلن الخديوي استقلال مصر وانفصالها عن تركيا.
فمنذ 2 فبراير 1870م طلبت الحكومة الإنجليزية من قنصلها العام في مصر «الكولونيل ستانتون» (Stanton) أن يبلغ الخديوي: «أن الحكومة البريطانية، وهي لا يقل أو يختلف موقفها في هذا الشأن عن موقف حكومة فرنسا، كما سوف يعلم الخديوي ذلك من القنصل الفرنسي العام سوف ننظر بعين القلق الشديد إلى أية أعمال من جانبه، يترتب عليها تكدير السلام في الليفانت»؛ وذلك بسبب الإشاعات التي بلغت الحكومة الإنجليزية عن الإجراءات التي يتخذها الخديوي، والتي تدل على أنه يريد أن ينبذ ولاءه للباب العالي. وفي 27 أبريل أبلغت الحكومة الإنجليزية قنصلها في مصر «ستانتون» أنه قد نما إليها أن الخديوي يبتاع أسلحة من الولايات المتحدة، ويبرم عقودًا لاستخدام ضباط من الأمريكان، وأن الحكومة الروسية ليست فقط على علم سابق بنشاط الخديوي، بل تبتاع هي الأخرى لحسابها الخاص أسلحة كثيرة من الولايات المتحدة. وواضح من هذا القول أن إنجلترا تخشى تدخل روسيا إذا وقعت الحرب بين الخديوي والسلطان، لتفيد من ذلك على حساب الإمبراطورية العثمانية. ومما يجدر ذكره أن الخديوي، كما ذكر القنصل الإنجليزي «ستانتون» في رسالته إلى «كلارندون» من الإسكندرية في 27 مايو 1870م، قد نفى أن له أية علاقة بروسيا، وأنه كمسلم يجب عليه مساعدة الدولة العثمانية ضد أعدائها. وعلى ذلك فقد طلب وزير الخارجية «كلارندون» من «ستانتون» في رسالته بتاريخ 27 أبريل، إذا اتضح له أن ما نما إلى الحكومة الإنجليزية حقيقي، أن يبلغ الخديوي «أن حكومة صاحبة الجلالة البريطانية «فكتوريا» يزعجها ويقلقها كثيرًا المتاعب التي يوشك الخديوي أن يورط نفسه فيها»، ثم يقول: «ولقد أصدرت تعليمات لسفير جلالة الملكة في باريس — وهو «اللورد ليونس» (Lyons) — ليتكلم جادًّا مع نوبار باشا في هذا الموضوع.» وعندما تأكد لدى حكومة لندن أن الخديوي قد أبرم اتفاقات لشراء أسلحة من أمريكا، واستخدم عددًا من الضباط الأمريكان وأن بعض هؤلاء قد وصلوا فعلًا إلى مصر، أصدر «كلارندون» تعليماته إلى «ستانتون» في 19 مايو 1870م بأن: «يُبَيِّن للخديوي الخطر الذي يجلبه على نفسه بإثارة شبهات الباب العالي المحقة (أو العادلة) فيما يتعلق بالسياسة التي يهدف إليها.» وكان «كلارندون» يرجو أن يترك هذا التبليغ — إذا أُفرغ في قالب ودي ونُقل إلى الخديوي بلباقة — الأثر المطلوب في ذهن الخديوي دون «جرح شعوره»، ويؤدي إلى وقف استعدادات الخديوي العسكرية.
وفي 20 مايو 1870م كتب «كلارندون»، إلى «ستانتون» أنه قد بلغه من «اللورد ليونس»، السفير الإنجليزي في باريس، أن رئيس الوزارة الفرنسية «المسيو إميل أوليفيه» (Émile Ollivier) ووزير الخارجية الفرنسية «الدوق دي جرامون» (Gramont) قد أبديا لنوبار باشا أسفهما وعدم موافقة الحكومة الفرنسية على استعدادات الخديوي العسكرية، وأضافا إلى ذلك أن الخديوي إذا أثار المتاعب في «الشرق» فإنه قطعًا لن ينال أي تأييد من جانب فرنسا.
هذا، وأما عن موقف الحكومة الفرنسية الذي أشار إليه «كلارندون» فقد تحدث عنه نوبار باشا في رسائله إلى إسماعيل ولا سيما في المدة بين 10 و18 مايو سنة 1870م.
ففي مذكرة بتاريخ 10 مايو 1870م بعث بها نوبار إلى القاهرة، وكانت من إملاء «فردنند دلسبس»، قال «دلسبس» إنه قابل «الدوق دي جرامون» الذي أوضح له أن حكومة الإمبراطور بلغها أن الخديوي قد عقد معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية لاستخدام حوالي خمسين من الضباط الأمريكان، وللتوصية على صنع سفن حربية وذخائر وعتاد الحرب، وأنه قد قرر رفع راية العصيان ضد السلطان. وعلى ذلك فإن فرنسا بالرغم من صداقتها للخديوي ولمصر لا تستطيع تأييد هذه السياسة، ولن يكون هناك مناص من انحيازها إلى جانب إنجلترا وسائر أوروبا، وقد استمر الدوق دي جرامون يقول: وعند حصول المتاعب سوف تكون أمريكا بعيدة جدًّا، ولن يلحق الأذى بمصر أو بقناة السويس، ولكن بالخديوي نفسه.
وفي رسالة من نوبار بتاريخ 12 مايو 1870م بعث بها من باريس إلى الخديوي، قال نوبار إن «اللورد ليونس» الذي تقابل معه في حفل استقبال أقامه السفير الإسباني، أبلغه أن معلومات قد وصلت إلى «اللورد كلارندون» من مصادر متعددة عن التوصيات التي عقدها الخديوي لجلب السلاح من أمريكا، وأن «اللورد كلارندون» قد طلب منه (أي من السفير) أن يتحدث مع نوبار في هذا الموضوع، وأن يحذره بأن الطريق الذي يوشك الخديوي أن يسلكه طريق محفوف بالمخاطر، وفي مقابلة ثانية في اليوم التالي، أضاف السفير أنه إذا استمرت هذه المسألة، فسوف يترتب عليها مشاكل جديدة لا تريدها أوروبا. ومن الطبيعي جدًّا — كما استمر يقول — أن يريد الخديوي أن يكون مستقلًا، ولكن سموه رجل عاقل وذكي ويدرك أن هذا التسلح يثير شبهات الباب العالي، ومخاوف الدول.
وفي رسالة تالية في 18 مايو 1870م نقل نوبار إلى الخديوي رسالة من «إميل أوليفيه» رئيس وزارة فرنسا الذي طلب من نوبار أن يبلغ مولاه «باسمه وكصديق له أن هذه التسليحات تثير المخاوف، وأن الحكومة الفرنسية، وقبل كل شيء الإمبراطور نفسه، لا يريدان متاعب ومشاكل، وأن هذه التسليحات بدلًا من توطيد مركز الخديوي بالعكس هي مضعفة له.»
وبسبب هذه المعارضة إذن من جانب إنجلترا وفرنسا اللتين هددتا إذا وقع صدام بين الخديوي والسلطان بأنهما سوف تنحازان إلى جانب تركيا — ومعنى ذلك ضياع الخديوية نفسها — لم يجد الخديوي مناصًا في النهاية من النزول مرغمًا عن مشروع استقلاله.
وثالث وجوه أهمية الأزمة العثمانية المصرية في عام 1869م، أنه كان لهذه الأزمة أثران متصلان بما حدث من نشاط في شطر الوادي الجنوبي (أي السودان)؛ أولهما: أن مصر — وقد صارت تستعد للحرب في أثناء هذه الأزمة كي تظفر باستقلالها عنوة — عنيت بضرورة إعداد جيشها وتنظيم هيئة أركان الحرب العامة، وكانت مصر قد استقدمت لهذا الغرض بعثة عسكرية فرنسية برئاسة «الكولونيل ميرشر» (Mircher) سنة 1864م، أشرفت على تنظيم المدرسة الحربية، التي نُقلت من قصر النيل إلى العباسية، وصار إرسال البعوث من الضباط المصريين إلى فرنسا، وعند عودة هؤلاء تأسست هيئة (أو قلم) أركان الحرب في الجيش المصري سنة 1867م. وقد غادر أعضاء البعثة العسكرية الفرنسية مصر عام 1869م، وحل محلهم هؤلاء الضباط الأمريكان الذين استقدمهم الخديوي بعد ذلك، والذين ذكرهم «اللورد كلارندون» في تعليماته إلى «ستانتون» وذكرهم الوزراء الفرنسيون في أحاديثهم مع نوبار باشا.
ولما كان الاستغناء عن البعثة الفرنسية واستخدام الضباط الأمريكان قد أثار احتجاجات فرنسا من جهة، وجعل إنجلترا تهتم من جهة أخرى لمعرفة غرض الخديوي من استخدام هؤلاء الضباط، فقد لخص القنصل الإنجليزي في مصر «الكولونيل ستانتون» في رسالتين إلى حكومته بتاريخ 12 و27 مايو سنة 1870م أسباب تخلص الخديوي من البعثة العسكرية الفرنسية، فقال إن ضباط هذه البعثة الذين جاءوا للخدمة في مصر بناءً على أوامر وزير الحربية الفرنسية، رفضوا دائمًا أن يذعنوا لغير التعليمات التي تأتيهم من حكومتهم، مع العلم بأن الحكومة المصرية هي التي تدفع لهم المرتبات الكبيرة التي ينالونها؛ ولما كان الضباط المصريون لم يفيدوا كثيرًا من تعليم هذه البعثة فقد نجح الخديوي في التخلص منها، وظل مصممًا على موقفه، وغادر أعضاؤها البلاد فعلًا، بالرغم من استياء الحكومة الفرنسية الشديد واحتجاج قنصليتها العامة في مصر. والسبب في هذا الاستغناء — إلى جانب ما تقدم ذكره — أن الخديوي — كما قال «ستانتون» — كان يريد استخدام ضباط يدينون له بالولاء والطاعة، ويأخذون تعليماتهم من حكومته. وقال «ستانتون» في رسالة 27 مايو إن الخديوي في أثناء زيارته لبرلين في العام السابق (1869م) كان قد عرض عليه البروسيون إرسال بعثة ألمانية إلى مصر ولكنه رفض، حتى لا يزيد إزعاج وغضب فرنسا.
وأما الأثر الثاني: فهو أن انتهاء الأزمة العثمانية-المصرية وعدم قيام الحرب للأسباب التي ذكرناها بين مصر وتركيا، ثم تحسن العلاقات تدريجًا بعد ذلك بين البلدين، وهو التحسن الذي أفضى إلى حصول الخديوي في سنة 1873م على الفرمان الشامل المشهور، قد جعل التفرغ لشئون السودان ممكنًا، فشهدت الفترة التالية من 1873م إلى 1879م أعظم نشاط حدث في تاريخ السودان الحديث، في نواحي التعمير والإنشاء، والسودنة، ومكافحة الرق والنخاسة، والاستكشافات الجغرافية والعلمية ووضع المصورات أو الخرائط التفصيلية لأقاليم السودان، كما شهدت هذه الفترة فتح أو ضم دارفور، وبعض جهات النيل العليا مثل «أونيورو» (Unyoro) وأقاليم واسعة من أوغندة، ثم في السودان الشرقي: هرر وزيلع وبربرة، وفي ساحل الصومال. وفي هذه الفترة كذلك قامت الحرب المصرية — الحبشية. ولقد كان من جراء هذا النشاط الكبير أن شهدت كذلك السنوات من 1873م إلى 1879م دعم حقوق مصر كموئل للسيادة في وادي النيل — مع ملاحظة أن التبعية لتركيا قائمة دائمًا — وذلك بموجب اتفاقيات أو معاهدات أُبرمت رأسًا مع حكومة الخديوية المصرية-السودانية.
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)