

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
السودان من 1848م إلى 1863م (التمسك بوحدة الوادي)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 66 ــ 74
2026-03-28
43
وكان من الواضح أن الحال في السودان في سنة 1854م قد صار يتطلب عناية كبيرة لإصلاح شئونه، سواء أكان هذا الإصلاح ماليًّا أم إداريًّا أم متصلًا بمشكلة الرقيق، وهو إصلاح لا مَعْدَى عنه في كل الأحوال لضمان بقاء وحدة الوادي السياسية، على أساس أن الإصلاح الذي يزيل أسباب الشكوى والتذمر، ويضع حدًّا لحركات العصيان الداخلية بسبب قدم العهد بالأنظمة المالية والإدارية القائمة، ويؤدي إلى دعم أركان الحكومة واسترجاع نفوذها في الأقاليم البعيدة عن مقر الحكم في الخرطوم، وإلى دفع اعتداءات المغيرين على الحدود في الشرق والغرب والجنوب — نقول على أساس أن الإصلاح الذي يحقق كل ذلك من شأنه أن يحفظ السودان من الضياع، ويحول دون انفصام عرى الوحدة السياسية.
ولا جدال في أن الباشوية في السنوات التالية لانقضاء عهد عباس الأول كان قد صح عزمها — وكما فعلت في الماضي — على الاحتفاظ بالسودان وصون الوحدة السياسية. ولذلك أسباب، هي نفسها الأسباب التي أملت سياسة الاستمساك بالوحدة السياسية منذ منشأ هذه الوحدة، ونفس الأسباب التي أوجدها الوضع الذي نالته الباشوية في تسوية 1840-1841م، والتي دارت حول دعم مسند الباشوية. ولقد تَبَيَّن من دراسة السياسة التي جرى عليها محمد سعيد منذ وصوله إلى الباشوية في يوليو 1854م أن أهدافه لم تختلف في جوهرها عن أهداف سلفه، من حيث الاستقلال بمصر إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا، أو تغيير نظام الوراثة وجعل الوراثة صُلبية، وتوسيع نطاق الاستقلال الداخلي، وذلك لتقوية مسند الباشوية؛ لأنه خشي — كما خشي سلفه من قبل — أن تكون الدولة العثمانية على وشك الانهيار وأن تستولي إحدى الدول الأوروبية الكبيرة على مصر عند تقسيم أملاكها، أو تعمد الدولة العثمانية إذا واتتها الفرص إلى خلق أزمة من طراز أزمة التنظيمات العثمانية لإلغاء الامتيازات التي نالتها الباشوية بمقتضى الفرمانات، أو التدخل في شئون الباشوية لتعطيل الإصلاحات اللازمة لنهوضها.
والدليل على أن الباشوية في العهد الجديد لم تكن تريد التخلي عن السودان إطلاقًا — وهو الاتهام الذي ألصقه بعض الكُتَّاب خطأ بالباشوية أيام محمد سعيد (1854–1863م)، كما سبق أن أشرنا إليه، والذي سنرى أنه لا يستند على أي أساس من الصحة — نقول: إن الدليل على أن الباشوية ظلت مستمسكة بوحدة الوادي السياسية هو أن حكومة القاهرة قد وجدت لديها متسعًا من الوقت أكبر من ذي قبل للتفرغ لشئون السودان وأن عزمها قد صح على إصلاح أحواله وإسعاد أهله. ويتضح ذلك من أن الباشوية قد اختارت لحكومة الخرطوم الأمير محمد عبد الحليم باشا، وهو أخو محمد سعيد؛ وذلك بعد فترة وجيزة شغل منصب الحكمدارية في أثنائها علي سري الأرنئودي باشا من يوليو إلى ديسمبر 1854م، وجركس علي باشا من ديسمبر 1854م إلى نوفمبر 1855م.
وادعى كثيرون أن حكومة القاهرة أرادت إقصاء عبد الحليم، بتعيينه حكمدارًا للسودان، ولكن ذلك ادعاء خاطئ؛ لأن السبب في تعيين هذا الأمير الذي رغب هو نفسه في شغل هذا المنصب، أن محمد سعيد أراد اختيار رجل يثق به كل الثقة يعمل على توفير أسباب الراحة للسودانيين، وينظر في شكاواهم، ويوطد سلطان الحكومة، ويتخذ الأهبة لاستقبال سعيد نفسه إذا دعته تقلبات السياسة إلى ترك القاهرة واتخاذ الخرطوم مقرًّا لحكومته يواصل منه مساعيه لتحقيق برنامجه السياسي، فكتب «ساباتيه» القنصل الفرنسي بالقاهرة إلى حكومته في 30 نوفمبر 1855م؛ أي بعد أسبوع تقريبًا من صدور القرار في 24 نوفمبر بتقليد عبد الحليم: «لقد عُيِّنَ حليم باشا حكمدارًا على السودان، وفي استطاعته إذا أحسن تصريف الأمور أن يبرر تلك الثقة التي وضعها فيه الجناب العالي، وأن يدخل تحسينًا كبيرًا على أحوال السودانيين البائسين ذوي الحظ السيئ الذين خضعوا من أيام الفتح لكل أنواع الاستغلال والتعذيب، دون أن يكون من المستطاع وصول شكاياتهم إلى مسامع السلطات العليا إطلاقًا.»
وبعد ذهاب عبد الحليم باشا إلى الخرطوم بأشهر قليلة، كتب القنصل الأمريكي «إدوين دي ليون» في أول مايو 1856م يصف لحكومته الغرض السياسي من مهمة هذا الأمير، فقال: «لا مجال للشك في أن سعيد باشا سيكون مستعدًّا عند سنوح الفرصة للقيام بنفس الدور الذي قام به محمد علي من قبل. ذلك أنه قد نصَّب أخاه عبد الحليم باشا حكمدارًا على الأقاليم السودانية؛ تلك الأقاليم التي تُعتبر المدخل إلى قلب أفريقيا الوسطى والطريق الموصل إلى بلاد العرب. على أن سعيدًا يقف موقف الملاحظ الدقيق الذي يرقب في حذر وانتباه نتائج ما أَلَمَّ بتركيا من ضعف يتزايد على الأيام، كما يرقب آثار تلك المنافسة الظاهرة بين الدول الأوروبية.»
ولقد أوضح الأمير عبد الحليم نفسه، بعد ثلاثين عامًا، الغرض من إرساله إلى السودان فقال إن أخاه كان يهدف من ضروب الإصلاح الذي أوصاه به «إلى ضرورة دعم أركان الأمن وإدخال الطمأنينة» على نفوس الأهلين، وعزا اضطراب الأمن وانزعاج النفوس إلى طغيان تجار الرقيق في أقاليم النيل العليا وتعطيل التجارة المشروعة في النيل الأبيض، ولأن الجهاز الإداري والنظام الضريبي قد صارا لا مندوحة عن إصلاحهما أو تغييرهما.
وأما الدليل الآخر على أن الباشوية في هذا العهد لم تكن تريد التخلي عن السودان، فهو الرحلة التي قام بها محمد سعيد إلى السودان للوقوف بنفسه على حقيقة الأحوال به، حتى يتسنَّى اتخاذ إجراءات الإصلاح الضرورية لإزالة أسباب الشكوى، وقد استغرقت هذه الرحلة حوالي الاثني عشر أسبوعًا فقط، حيث غادر سعيد مع صحبه القاهرة في 27 نوفمبر 1856م فوصل إلى الخرطوم يوم 11 يناير 1857م، وغادرها يوم 28 يناير عائدًا إلى القاهرة فوصل إليها في 21 فبراير 1857م.
والذي يعنينا من أمر هذه الرحلة معرفة أسبابها وأغراضها، ثم ما اتخذ في أثنائها من إجراءات لإصلاح شئون السودان، ثم مبلغ الإصلاح الذي حققته هذه الإجراءات، أو ماذا كان عليه الحال في السودان عند نهاية هذا العهد الذي ندرسه؛ أي في سنة 1863م.
وأما عن أسباب وأغراض الرحلة فقد كانت هذه تدور حول ضرورة الاحتفاظ بالسودان، وتتضح هذه الحقيقة من تحديد أغراض هذه الرحلة فيما يلي:
أوَّلًا: تأمين سلامة الحدود الشرقية من ناحية الحبشة، والحدود الغربية من ناحية دارفور، وذلك فيما يتعلق بالأمر الأول؛ أي بإزالة أسباب العداء والنفور من جانب «ثيودور كاسا» (Kassa) الذي تُوِّجَ إمبراطورًا على الحبشة سنة 1855م باسم «ثيودور الثاني» (Theowdore II). وكان هذا صاحب أطماع كبيرة يريد إعادة مجد إمبراطورية إثيوبيا القديمة، ويهدد بغزو السودان، وتكثر إغارات رجاله على الحدود الشرقية خصوصًا. وكان الاعتقاد الذائع أن الإنجليز هم الذين كانوا يحرضونه على العدوان، ويثيرون كوامن حقده على الإدارة المصرية بالسودان؛ على خلاف ما كان يدعيه قناصلهم في مصر وقتئذٍ من أنهم إنما يريدون أن يسود السلام بين مصر والحبشة.
ولقد تحدث عن أطماع ثيودور هذا القنصل الفرنسي في مصر «بنديتي» (Benedetti) فذكر في رسائله إلى حكومته في 5 وفي 30 نوفمبر 1856م أن «ثيودور كاسا» يهدد بالإغارة على السودان المصري، ويريد تحويل مجرى النيل حتى يجعله صوب البحر الأحمر، وأكد وجود هذه الأطماع لدى ثيودور القنصل الإنجليزي المقيم بالحبشة؛ وهو «بلودن» (Plowden) الذي كتب في 12 نوفمبر 1856م يقول: «إن ثيودور يطلب البلاد العربية الواقعة على حدوده الشمالية حتى سنار. كما أنه يريد مصوع كذلك ومرتفعات البوغوص والمنسا والحباب وغيرها …» وأما عن تحريض الإنجليز لثيودور، فقد تحدث عنه القنصل النمسوي «هوبر» عندما قال في رسالته إلى حكومته من الإسكندرية في 18 نوفمبر 1856م: «إن سعيد باشا كثير القلق من ناحية هذه الحركات التي يقوم بها كاسا الجريء النشيط — وخصوصًا ما يذاع في القاهرة من أن وسوسة الإنجليز في أذن كاسا تزيده تذمرًا وغضبًا من الإدارة المصرية في السودان، والواقع أن كاسا قد حصل على بعض المدفعية والبنادق لعساكره من عدن.» وفي هذه الرسالة ذكر «هوبر» أن الباشا يريد في رحلته هذه تعيين حدود السودان التي لا تزال غير واضحة المعالم وموضع نزاع؛ وذلك لتأمينها ضد هجوم يأتي عليها من جيرانها المتاخمين لها في الشرق، وهم الأحباش. وفي الغرب، وهم أصل سلطنة دارفور.
وأما فيما يتعلق بدارفور نفسها فقد أراد سعيد الاتفاق والتفاهم مع سلطانها «محمد الحسين» حتى يستتب الأمن على الحدود الغربية وتستأنف العلاقات التجارية نشاطها بين دارفور والكردفان. وعلى ذلك فقد بعث سعيد عند وصوله إلى بربر برسالة ودية في 5 يناير 1857م إلى سلطان دارفور، كما بعث في الوقت نفسه برسالة ودية أخرى إلى «ثيودور»، وفي رسالة سعيد إلى سلطان دارفور دعاه لزيارة الخرطوم. ولكن السلطان الغوري الذي لم يُجِبْ الدعوة لخوفه من مقاصد سعيد (ودون مسوغ) لم يلبث عندما اتضح له خطأ ظنونه أن أرسل إلى القاهرة «سفارة» ود وصداقة، وذلك بعد عودة سعيد باشا إليها.
ثانيًا: إزالة أسباب شكايات الأهالي من كبار وصغار موظفي الحكومة في الخرطوم وفي سائر الجهات، وهم الذين استبدوا في أحكامهم وتعسفوا دون أن يردعهم رادع، على وجه الخصوص؛ لأن حكومة الباشوية في القاهرة تفصلها عن الخرطوم مسافات شاسعة. ولقد اقترن بإزالة أسباب الشكوى توسع كبير في السودنة، وتمكين لقواعد الحكم الذاتي في السودان، على اعتبار أن ذلك إجراء يبعث على إدخال الطمأنينة إلى النفوس ويساعد على نشر الأمن والسلام.
فقد عمد سعيد عند نزوله في بربر (4، 5 يناير 1857م) إلى جمع المشايخ والرؤساء وكل الذين حضروا لاستقباله من أهل البلاد، حتى يطلب منهم «أن يؤمروا عليهم أميرًا يختارونه من بينهم، مِمَّنْ يستبشرون بإمارته ويتوسمون فيه الخير للبلاد وتحصل على يده السكينة والخلود إلى الطاعة …» وفي شندي أعلن سعيد في حضور الرؤساء والزعماء الوطنيين عزمه على إعادة جميع الموظفين الأتراك إلى القاهرة، وعلى أن يترك للأهالي إدارة شئونهم بأنفسهم، ثم تخلف بأمر الباشا «فردنند دلسبس». وكان من بين الذين صحبوه في هذه الرحلة، حتى يبقى في شندي بضعة أيام يبحث في خلالها مع رجال الحكومة موضوع إنشاء «مجالس بلدية» تتألَّف بالانتخاب من بين رؤساء الأسر الوطنية؛ لأن المجالس البلدية — كما قال سعيد — «هي في الحقيقة العامل الرئيسي في وجود كافة الجماعات النظامية.» وفي الخرطوم «طرد» سعيد جميع كبار الموظفين؛ نتيجة كذلك للإصلاح الإداري الذي أدخله، وكي يتولى أكبر عدد ممكن من السودانيين وظائف الحكم والإدارة، واستدعى لهذه الغاية إلى الخرطوم المشايخ والمكوك الذين وضعهم سعيد مكان المطرودين من الخدمة «تحت مسئوليتهم الشخصية».
ثالثًا: إعادة النظر في الجهاز الحكومي؛ لإعادة بنائه بصورة تمكن من القضاء على أسباب التذمر والشكوى، وتحقق الرفاهية لأهل السودان، وتوطد سلطان الحكومة في الخرطوم وفي الجهات والأقاليم البعيدة.
وقد تحدث القنصل النمسوي في الخرطوم «الدكتور هوجلين» في تقريرين أحدهما من الخرطوم في 12 يناير 1857م، والثاني من كورسكو في 23 فبراير 1857م عن الجهاز الإداري ومساوئه، وقام زميله بالقاهرة «هوبر» (Huber) بتلخيص هذين التقريرين في رسالة مطولة إلى حكومته من القاهرة في 11 مارس 1857م، جاء فيها أن السودان المصري كان يتولى الحكم فيه حكمدار ذو سلطة مطلقة تقريبًا، مقره بالخرطوم، في حين يتألف السودان من ست مديريات هي: الخرطوم، وسنار ومعها فازوغلي، وكردفان، ودنقلة، وبربر، والتاكة؛ ويقوم على رأس كل منها مدير يخضع له «حكام» في الجهات والنواحي، وللحكمدار حق القيادة العامة على قوات الجنود النظاميين وغير النظاميين «الباشبزوق» الذين مهمتهم المحافظة على الأمن والسلامة، وصون الحدود وجمع الضرائب. وقد أدى هذا النظام إلى استخدام عدد عظيم من الموظفين كانوا — كبيرهم وصغيرهم — شبه مستقلين في أعمالهم، ولا رقابة فعالة عليهم؛ لاتساع مساحة المديرية الواحدة، ولبعد المسافات التي فصلتهم عن مقر الحكومة المركزية بالخرطوم، ولرداءة طرق المواصلات وقلتها. ولذلك فقد أساء هؤلاء الموظفون الحكم وأرهقوا الأهلين بأنواع المظالم، ونظروا للسودان كمَعين لا ينضب للثراء الفاحش والغنى السريع، مما ترتب عليه أن عانى الأهلون الفقر والحاجة الشديدة وصاروا يهاجرون في جماعات كثيرة من جهات أقفرت بأكملها من سكانها، حتى لحق الأرض الخراب وقَلَّ الإنتاج، وارتفعت الأثمان، وانتشرت المجاعات، فبات إصلاح الجهاز الإداري ضروريًّا.
وأما هذا الإصلاح فقد قام على أساس إلغاء المركزية وإنشاء اللامركزية الإدارية، ثم التوسع في إشراك العناصر الوطنية في الحكم والإدارة، وذلك بأن أُلغيت الحكمدارية العامة، وعُينَ للخرطوم مدير (كان «أراكيل» أخا «نوبار») وأُنقص عدد المديريات من ست إلى خمس، وصار كل مدير مسئولًا عن الإدارة في مديريته أمام حكومة القاهرة مباشرة، ومُلئت الوظائف الإدارية برجال جدد معظمهم من المشايخ والزعماء والمكوك الوطنيين.
رابعًا: البحث في مسألة الضرائب لتخفيف أعبائها عن الأهلين؛ حتى يستقر هؤلاء في قراهم ودساكرهم، ويعود الهاربون إلى الأرض، فلا يلحقها البوار، ويساعد هذا الاستقرار على إنعاش الحياة الاقتصادية في البلاد، وذلك عدا ضروب الإصلاح الأخرى الضرورية عمومًا.
وقد عالج سعيد مسألة الضرائب فور وصوله إلى بربر؛ وذلك بأن طلب من الرؤساء والزعماء الوطنيين «أن يُقَدِّروا مبلغ الخراج الذي يسهل عليهم القيام به بلا كلفة ولا مشقة»، وقد فعل هؤلاء ذلك، ولكن سعيدًا لم يلبث أن أنقص فئات الضرائب التي حددوها بأنفسهم على السواقي وعلى الأرض، وكان لتقرير هذه الإصلاحات الإدارية، والضريبة خصوصًا أن أصدر سعيد وهو بالخرطوم مراسيم أربعة في 26 يناير 1857م تضمَّنت القواعد الإدارية والمالية الجديدة، وأهمها تقريبًا الضرائب بالاتفاق مع أعيان البلاد على هيئة جمعية، وجعل الفصل في المنازعات والقضايا المحلية من اختصاص المشايخ والمكوك، وتشكيل مجلس لبحث القضايا التي يتعذر على هؤلاء الفصل فيها، وتخفيض ضرائب الأطيان والسواقي، وإناطة جمعها بمشايخ البلاد، إلى غير ذلك من الإصلاحات التي كانت تهدف إلى الترفيه عن السودانيين، بإنقاص الضرائب وتحديد فئات جديدة لها تتناسب مع مقدرة الأهالي على دفعها من جهة ومشجعة لهم على العودة إلى الأرض التي هجروها من جهة أخرى، ثم كانت إلى جانب هذا تهدف إلى إشراكهم في حكومة بلادهم إشراكًا فعليًّا.
ولقد صحب الإصلاحَين الإداري والضريبي إصلاحات أخرى كثيرة، لتنشيط التجارة وإنشاء الطرق وتعبيدها تسهيلًا للمواصلات، ولربط أقاليم السودان بعضها ببعض من جهة، ولربطها بحكومة القاهرة من جهة أخرى، ولعل أهم هذه الإصلاحات من حيث إنه كان إجراء لا مفر من اتخاذه، ليس كعمل إنساني فحسب، بل للقضاء على سلطان تجار الرقيق، واسترجاع نفوذ الحكومة في الأصقاع الشاسعة التي أخضعها النخاسون لسيطرتهم؛ كان إعلان إلغاء الرقيق وإبطال تجارته، وقد صدر هذا الإعلان في بربر في أوائل يناير 1857م.
تلك إذن كانت أسباب رحلة محمد سعيد إلى السودان، والأعمال التي تمت في أثنائها والتي بوسعنا الاستدلال منها على بطلان الاتهام الذي أُلصق بالبشاوية في هذا العهد وهو أنها كانت تريد التخلي عن السودان.
ولعل المسئول عن ذيوع أسطورة إخلاء السودان كان «فردنند دلسبس» صديق سعيد، وأحد الأوروبيين الذين رافقوه في هذه الرحلة ونذكر من هؤلاء موجيل بك (Mougel) رئيس المهندسين الذي رافقه حتى كورسكو، والدكتور «أباته» (Abbate) الإيطالي طبيب الباشا والذي نشر كتابًا عن الرحلة في 1858م، «وبوبولاني» (Popolani) قنصل البورتغال العام، «وباولينو بك» وقد مَرَّ ذكره كثيرًا. وكان هذا قد رافق محمد علي في رحلة إلى فازوغلي، والدكتور «ثيودور فون هوجلين» القنصل النمسوي بالخرطوم، والدكتور «إيجناز كنوبلخر» (Ignaz Knoblecher) رئيس البعثة الكاثوليكية التبشيرية، وقد لازمه هذان الأخيران خلال زيارته بالسودان.
فقد زعم «دلسبس» أن محمد سعيد لشدة تأثره مما شاهده من بؤس أهل السودان والكوارث التي نزلت بهم بسبب سوء الإدارة، لم يلبث أن أبدى عزمه، وهو بمدينة بربر في طريقه إلى الخرطوم، على إخلاء السودان، وحتى يؤكد «دلسبس» روايته ادَّعى أن سعيدًا أبدى هذه الرغبة نفسها وهو بالخرطوم، فقال إنه كان على مائدة الطعام مع الباشا وحدهما عندما اربدَّ وجه سعيد بغتةً وراح يشكو من حرج الموقف الذي وجد نفسه فيه واستحالة إصلاح شيء وإزالة ما كان يشكو منه السودانيون، وأنه (أي سعيدًا) لا يجد سبيلًا للخروج من هذا المأزق سوى ترك السودان.
والدليل على تلفيق هذه الرواية، عدا أن الإصلاحات التي استحدثها محمد سعيد في أثناء هذه الرحلة تنهض وحدها دليلًا على تمسكه بالسودان؛ نقول يمكن إيجازه فيما يلي:
إن أحدًا من الذين رافقوا سعيدًا لم يذكر هذه القصة؛ لا الدكتور «أباته» وقد نشر كتابه عن الرحلة سنة 1858م، ولا الدكتور «هوجلين» في رسائله إلى القنصل «هوبر» بالقاهرة، ولا غير هذين مِمَّنْ كانوا مع الباشا.
وأن «دلسبس» نفسه نشر عقب الرحلة مقالًا أعده لأكاديمية العلوم الفرنسية في باريس، عن سفرته مع سعيد باشا إلى السودان، وتحدث في هذا المقال الذي نشره في سنة 1857م عن أشياء كثيرة، ولكن لم يُشِرْ لا من بعيد ولا من قريب إلى حكاية «الإخلاء».
وأن «دلسبس» لم يشر إلى هذه الواقعة إلا بعد مضيِّ 18 سنة، وذلك في رسائله وجورناله والوثائق المتصلة بامتياز قناة السويس، وتلك في خمسة أجزاء نُشرت في باريس بين عامَي 1875م و1881م. ثم إنه لم يذكر تفاصيل الواقعة وحكايةَ تناوله الطعام منفردًا مع سعيد بالخرطوم إلا بعد سبع وعشرين سنة من تاريخها، وذلك في «ذكريات رحلته إلى السودان» التي نُشرت سنة 1884م، وقد أعاد «دلسبس» هذه الحكاية؛ حكاية تناول الطعام مع سعيد وحدهما، وأن أحدًا غيره لم يسمع هذا الحديث — في كتابه: «ذكرياته في أربعين عامًا» الذي نُشر سنة 1887م، وبُعد المدة، وحرصه على توكيد أن أحدًا لم يحضر الحديث الذي دار بينه وبين سعيد، يدعوان للتشكك في صحة الرواية، وأن من بين الذين رافقوا سعيدًا كان — كما عرفنا — الدكتور «هوجلين» والدكتور «كنوبلخر». وكان هذان موضع ثقة سعيد واستعان بهما في معرفة أحوال السودان، وكان لآرائهما أثر ظاهر في مختلف الإصلاحات التي صدرت بها مراسيم الخرطوم الأربعة في 26 يناير 1857م. ومع ذلك فإن أحدًا منهما لم يذكر أن سعيدًا أبدى رغبة في التخلي عن السودان.
وإن من المستبعد جدًّا أن يصطفي سعيد «دلسبس» دون الآخرين في أثناء هذه الرحلة؛ حيث إنه من الثابت أن «دلسبس» لم يكن مقربًا وقتئذٍ من سعيد، ولأن «دلسبس» لم يكن يعنيه خلال هذه الرحلة إلا شيء واحد هو الإلحاح على سعيد حتى ينال موافقته على كل ما كان لديه من مسائل متصلة بامتياز قناة السويس.
وإن أمرًا خطيرًا كإخلاء السودان، وتسليمه للرؤساء والزعماء الوطنيين ما كان من الممكن أن يظل سرًّا مكتومًا ولا يعلم هؤلاء عنه شيئًا لا سيما أن سعيدًا قد قَلَّد عددًا كبيرًا منهم المناصب، فلم يذكر السودانيون في تواريخهم شيئًا عن هذه المسألة إطلاقًا.
هذا وقد تحدث القنصل النمسوي «هوبر» (Huber) عن أسباب هذه الرحلة في رسالة له إلى حكومته في القاهرة في 28 نوفمبر 1856م فقال:
وفي اليوم السابق على نهار سفره قابل سعيد باشا القناصل، وبهذه المناسبة بلغهم أن سبب الرحلة إلى السودان ليس حربيًّا مطلقًا، بل على العكس من ذلك ليس الغرض من الرحلة سوى فحص إدارة السودان فحصًا دقيقًا، بعد أن أُهملت إهمالًا تامًّا من زمن طويل، فقد صار لهذه الأقاليم السودانية وهي منضمة إلى مصر 38 عامًا تقريبًا. وعلى ذلك تعذر الحصول على أية إيرادات منها أو الاستفادة منها ماليًّا، بل تسببت في خسائر كبيرة كل سنة. ولذلك فإذا اتضح أن من المستحيل إزالة مساوئ الإدارة، فمما لا غبار عليه أن من الأجدى والأنفع للحكومة المصرية ترك هذه الأراضي، وعندئذ تعود البلاد إلى أصحابها السابقين؛ أي الرؤساء العرب.
ثم استمر القنصل النمسوي يقول:
«ولكن أرجو أن يسمح لي سيدي الوزير بإبداء ملاحظة على هذا الكلام، هي أن هذا القول لا يتفق مع ما سبق أن عرفناه عن آراء سعيد باشا والتي تدل على أنه يعتبر امتلاك السودان أمرًا خطير الشأن.
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)