

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
الكلام الغيبيّ الذي لأمير المؤمنين عليه السلام
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج12، ص18-29
2026-03-23
32
روى القطب الراونديّ في كتاب «الخرائج والجرائح» عن دِعبل الخُزاعيّ، قال: حدّثنا الرضا عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال: كنتُ عند أبي الباقر عليه السلام إذ دخل عليه جماعة من الشيعة وفيهم جابر بن يزيد فقالوا: هل رضي أبوك عليّ بن أبي طالب بإمامة الأوّل والثاني؟ قال: اللهمّ لا. قالوا: فلم نكح من سبيهم خولة الحنفيّة إذا لم يرض بإمامتهم؟
فقال الإمام الباقر عليه السلام: امض يا جابر بن يزيد إلى منزل جابر بن عبد الله الأنصاريّ فقل له: إنّ محمّد بن عليّ يدعوك. قال جابر بن يزيد: فأتيتُ منزله وطرقت عليه الباب. فناداني جابر بن عبد الله من داخل الدار: اصبر يا جابر بن يزيد. فقلتُ في نفسي: من أين علم جابر بن عبد الله أنّي جابر بن يزيد، ولا يعرف الدلائل إلّا الأئمّة من آل محمّد صلى الله عليه وآله؟ والله لأسألنّه إذا خرج إليّ. فلمّا خرج قلتُ له: من أين علمتَ أنّي جابر بن يزيد، وأنا على الباب، وأنت داخل الدار؟!
قال: أخبرني مولاي الباقر عليه السلام البارحة أنّك تُسأل عن الحنفيّة في هذا اليوم، وأنا أبعثه إليك يا جابر بكرة غدٍ وأدعوك. فقلتُ: صدقتَ.
قال جابر بن عبد الله: سر بنا. فسرنا جمعياً حتى أتينا المسجد. فلمّا بصر مولاي الباقر عليه السلام بنا ونظر إلينا، قال للجماعة: قوموا إلى الشيخ فاسألوه، حتى ينبّئكم بما سمع ورأى.
فقالوا: يا جابر! هل راضٍ إمامك عليّ بن أبي طالب بإمامة من تقدّم؟ قال: اللهمّ لا. قالوا: فلم نكح من سبيّهم خولة الحنفيّة إذا لم يرض بإمامتهم؟
قال جابر: آه آه! لقد ظننتُ أنّي أموت ولا اسأل عن هذا، فالآن إذ سألتموني، فاسمعوا وعوا. حضرتُ السبيّ وقد ادخلت الحنفيّة فيمن أدخل، فلمّا نظرتْ إلى جميع الناس، عدلتْ إلى تربة رسول الله صلى الله عليه وآله، فرنّت وزفرت وأعلنتْ بالبكاء والنحيب، ثمّ نادت: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وعَلَى أهْلِ بَيْتِكَ مِنْ بَعْدِكَ! امَّتَكَ سَبَتْنَا سَبيَ النَّوبِ والدَّيْلَمِ، واللهِ مَا كَانَ لَنَا إلَيْهِمْ مِنْ ذَنْبٍ إلَّا المَيْلُ إلَى أهْلِ بَيْتِكَ فحُوِّلَتِ الحَسَنَةُ سَيِّئَةً، والسَّيِّئَةُ حَسَنَةً، فَسُبِينَا. ثمّ التفتت إلى الناس، وقالت: لِمَ سبيتمونا وقد أقررنا بشهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله؟ قال أبو بكر: منعتم الزكاة!
قالت: هب الرجال منعوكم، فما بال النسوان؟ فسكت المتكلّم كأنّما القم حجراً. ثمّ ذهب إليها خالد بن غسّان وطلحة يرميان في التزويج إليها، ورميا عليها ثوبيهما. فقالت: لستُ بعريانة فتكسونني. قيل: إنّهما يريدان أن يتزايدا عليكِ، فأيّهما زاد على صاحبه، أخذك من السبي.
قالت: هيهات! لا يكون هذا أبداً ولا يملكني ولا يكون لي ببعلٍ إلّا من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجتُ من بطن امّي! فسكت الناس ونظر بعضهم إلى بعض، وورد عليهم من ذلك الكلام ما أبهر عقولهم، وأخرس ألسنتهم، وبقي القوم في دهشة من أمرها. فقال أبو بكر: ما لكم ينظر بعضكم إلى بعض؟ قال الزبير: لقولها الذي سمعت.
فقال أبو بكر: ما هذا الأمر الذي أحصر أفهامكم. إنّها جارية من سادات قومها ولم يكن لها عادة بما لقيت ورأت، فلا شكّ أنّها داخَلها الفزع وتقول ما لا تحصيل له.
قالت: رميتَ بكلامك غير مرميّ! والله ما داخلني فزع ولا جزع، ووالله ما قلتُ إلّا حقّاً، وما نطقتُ إلّا فصلًا. ولا بدّ أن يكون كذلك وحقّ صاحب هذه البنيّة، ما كذبت. ثمّ سكتت.
وأخذ خالد بن غسّان وطلحة ثوبيهما. وهي قد جلست ناحية من القوم فدخل عليّ بن أبي طالب عليه السلام المسجد فذكروا له حالها، فقال: عليه السلام: هي صادقة فيما قالت. وكان من حالها وقصّتها كيت وكيت في حال ولادتها. وقال: إنّ كلّ ما تكلّمت به في حال خروجها من بطن امّها هو كذا وكذا. وكلّ ذلك مكتوب على لوح معها. فرمت باللوح إليهم لمّا سمعت كلامه عليه السلام. فقرأوا ذلك على ما حكى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لا يزيد حرفاً ولا ينقص.
فقال أبو بكر للإمام: خُذها يا أبا الحسن. بارك الله لك فيها.
فوثب سلمان، فقال: والله، ما لأحد هاهنا منّةٌ على أمير المؤمنين عليه السلام، بل للّه المنّة ولرسوله ولأمير المؤمنين. والله ما أخذها عليّ عليه السلام إلّا لمعجزه الباهر، وعلمه القاهر، وفضله الذي يعجز عنه كلّ ذي فضل.
ثمّ قام بعده المقداد فقال: ما بال أقوام قد أوضح الله لهم الطريق للهداية فتركوه، وأخذوا طريق العمى؟ وما من قوم إلّا وتبيّن لهم فيه دلائل أمير المؤمنين عليه السلام!
وقال أبو ذرّ: وا عجباً لمن يعاند الحقّ! وما من وقت إلّا وينظر إلى بيانه. أيّها الناس، قد تبيّن لكم فضل أهل الفضل، ثمّ قال: يا فلان! أتمنّ على أهل الحقّ بحقّهم. وهم بما في يديك أحقّ وأولى؟!
وقال عمّار: اناشدكم الله! أ ما سلّمنا على أمير المؤمنين هذا عليّ بن أبي طالب عليه السلام في حياة رسول الله بإمرة المؤمنين؟
فزجره عمر عن الكلام، فقام أبو بكر؛ فبعث عليّ عليه السلام خولة إلى بيت أسماء بنت عميس، وقال: خذي هذه المرأة وأكرمي مثواها. فلم تزل خولة عندها إلى أن قدم أخوها، فتزوّجها عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فكان الدليل على علم أمير المؤمنين وفساد ما يورده القوم من قولهم أنّ الإمام تزوّج بها من طريق السبي. فالإمام عليه السلام تزوّج بها نكاحاً لا استرقاقاً وسبياً.
فقالت الجماعة لجابر: أنقذك الله من حرّ النار كما أنقذتنا من حرارة الشكّ.[1]
ورواها السيّد هاشم البحرانيّ مفصّلًا في «مدينة المعاجز» عن كتاب «سِيَر الصحابة» بسنده المتّصل عن الباقر عليه السلام.[2]
كما رواها ابن شهرآشوب في مناقبه، باب إخباره بالفتن والملاحم، مرسلًا عن الإمام الباقر عليه السلام. وورد فيها أنّ خالداً وطلحة لمّا طرحا عليها ثوبين، قالت: يا أيّها الناس! لستُ بعريانة فتكسوني، ولا سائلة فتتصدّقون عَلَيّ فقال الزبير: إنّهما يريدانك.
فقالت: لا يكون لي بعل إلّا من خبّرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجت من بطن امّي. فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وناداها: يا خولة! اسمعي الكلام وعي الخطاب! لمّا كانت امّك حاملة بك وضربها الطلق واشتدّ بها الأمر، نادت: اللهمّ سلّمني من هذا المولود سالماً! فسبقت الدعوة لك بالنجاة. فلمّا وضعتك، ناديتِ من تحتها: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ. يا امّاه! لم تدعين عَلَيّ وعمّا قليل سيملكني سيّد يكون لي منه ولد.
فكتبتْ امّك ذلك الكلام في لوح نحاس، فدفنته في الموضع الذي سقطتِ فيه. فلمّا كانت في الليلة التي تغيّبت امّك فيها (قبضت روحها- خ ل)، أوصت إليك بذلك. فلمّا كان وقت سبيك، لم تكن لكِ همّة إلّا أخذ ذلك اللوح، فأخذتيه وشددتيه على عضدك! هاتي اللوح فأنا صاحب اللوح! وأنا أمير المؤمنين، وأنا أبو ذلك الغلام الميمون واسمه محمّد- إلى آخر الرواية، وفيها: فلم تزل عندها (أي عند أسماء) إلى أن قدم أخوها فَتَزَوَّجَهَا مِنْهُ وأمْهَرَهَا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وتَزَوَّجَهَا نِكَاحَاً.[3]
وقال ابن شهرآشوب هنا وهو ينقل هذا الخبر وسائر الأخبار الغيبيّة لأمير المؤمنين عليه السلام: وهذه كلّها أخبار بالغيب أفضى إليه النبيّ صلى الله عليه وآله ممّا أطلعه الله عزّ وعلا عليه، كما قال الله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً. ولم يشحّ النبيّ صلى الله عليه وآله على وصيّه بذلك كما قال تعالى: وما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ[4] ولا ضنّ عليّ عليه السلام على الأئمّة من ولده عليهم السلام. وأيضاً لا يجوز أن يخبر بمثل هذا إلّا من أقامه رسول الله صلى الله عليه وآله مقامه من بعده.[5]
ولمّا كان الجدّ الأعلى لخولة حَنَفِيَّة بن لجيم، قيل لها: خولة الحنفيّة. وقيل لابنها محمّد: ابن الحنفيّة تميّزاً له عن سائر أولاد أمير المؤمنين عليه السلام وخاصّة الحسنين عليهما السلام. وإذا استثنينا الحسنين عليهما السلام، فهو أشجع أولاد الإمام وأعلمهم وأزهدهم. وكان لواء أبيه بيده يوم الجمل وصفّين.
وذكر ابن خَلَّكان نسب امّه خولة كالآتي: خولة بنت جعفر بن قَيْس ابن مَسْلَمَة بن عبد الله بن تغلِبَة بن يَرْبُوع بن تَغْلِبَةِ بن الدُّؤل بن الحَنفِيَّة بن لجيم. وقال ابن أبي الحديد بعد هذا السرد: ابن صَعْب بن عليّ بن بكر ابن وائل.[6] واسرت خولة في حروب الردّة أيّام أبي بكر، وسيقت إلى المدينة. وعرفنا ما جرى لها.
من الجدير ذكره أنّ حروب الردّة التي وقعت في عهد أبي بكر كانت على ضربين: الأوّل: حروب الردّة الحقيقيّة عن الإسلام، كحرب مسيلمة الكذّاب، والأسود العنسيّ الكذّاب وطُليحة، وغيرهم. والثاني: حروب قامت بسبب عدم انقياد أصحابها لخلافة أبي بكر.
واقع الضرب الأوّل من تلك الحروب أنّ أصحابها كانوا لا يقيمون الصلاة، ولا يؤذّنون، ولا يطبّقون سائر شعائر الدين. أمّا واقع الضرب الثاني منها فهي أنّ أصحابها كانوا يؤذّنون ويقيمون ويؤدّون الصلاة، بَيدَ أنّهم امتنعوا عن دفع الزكاة إلى الحاكم آنذاك، وكانوا يقولون: إنّ النبيّ نصب وصيّاً له، ونحن ندفع زكاتنا إلى وصيّه. وما لم يقبل الوصيّ منّا ذلك، فإنّا لا ندفعها إلى صندوق الخليفة المزيّف المفروض. وكانت حرب خالد بن الوليد مع قبيلة بني يربوع، وهم الحنفيّة الذين ينتمي إليهم مالك ابن نُوَيْرَة من هذا الضرب. علماً أنّ خولة الحنفيّة اسرت في هذه الحرب.
قدم مالك بن نُوَيْرة المدينة أيّام رسول الله صلى الله عليه وآله وتشرّف بالإسلام بين يديه، وطلب من رسول الله أن يوصيه. فأوصاه بأمير المؤمنين عليه السلام. وهو نفسه سمع من رسول الله إمامة أمير المؤمنين ووصايته وخلافته. وكان -من جهة اخرى- رئيس قبيلته، وشاعراً منيعاً رفيع الهمّة.
ولمّا توفّى رسول الله صلى الله عليه وآله، جاء إلى المدينة مع جماعة من بني تميم ورأى أبا بكر على منبر رسول الله، فقال له: مَنْ أرْقَاكَ هَذَا المِنْبَرَ وقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ عَلِيَّاً وَصِيَّهُ وأمَرَنِي بِمُوالاتِهِ؟
فأمر أبو بكر بإخراجه من المسجد. فأخرجه قُنفُذ بن عمير، وخالد ابن الوليد. وعاد إلى قبيلته ونصح قومه الذين كانوا يريدون الامتناع عن دفع الزكاة وقال: إنّا مسلمون وقد اعتنقنا هذا الدين فتربّصوا بزكاتكم حتى نوصلها إلى وصيّ محمّد صلى الله عليه وآله.
فوجّه إليه أبو بكر خالد بن الوليد وقال له: أنت تعلم ما قال لنا مالك أخيراً؟ ولستُ آمن أن يفتق علينا فتقاً لا يلتئم، فاقتله.
قدم خالد البطاح فلم يجد من خالفه وقال له جنوده: رأينا هؤلاء القوم يؤذّنون ويقيمون الصلاة. وممّن شهد على ذلك عند خالد بن الوليد أبو قُتادة الحارث بن رِبعي حليف بن سلمة، قال: أنا رأيت وسمعت صلاتهم وأذانهم. فلم يسمع كلامه. فلمّا جنّ الليل وآمنهم خالد وطلب منهم أن يضعوا أسلحتهم لأنّهم مسلمون! وضعوا أسلحتهم على الأرض فضرب خالد أعناقهم، وكان مع مالك بن نويرة عدد من بني ثعلبة بن يربوع، وفيهم عاصم، وعبيد، وعَرين، وجعفر. وجعل رؤوسهم أثافي لقدورهم طبخوا عليها طعامهم. وفي تلك الليلة تزوّج خالد بزوجة مالك، وهي امّ تميم بنت المنهال، وكان قد رآها وفتن بجمالها. وقيل: إنّها كانت من أجمل نساء عصرها. وقال لها مالك عند قتله: أنتِ قتلتيني بعرض نفسك!
و قال أبو قتادة لخالد: قتلت مسلماً بريئاً ونزوت على امرأته في تلك الليلة، والله لا أسير تحت لواء خالد في جيش أبداً. وركب فرسه شادّاً إلى أبي بكر، فقدم المدينة وأخبر أبا بكر بالقصّة، فلم يقبل قوله.
وكان عمر صاحب مالك بن نويرة وحليفه في الجاهليّة فغضب لما فعل خالد، ومضى إلى أبي بكر وحرّضه على قتل خالد ورجمه، لأنّه قتل مسلماً وزنى بزوجته. فقال أبو بكر: هِيهِ يَا عُمَرُ! تَأوَّلَ وأخْطَأ، فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْ خَالِدٍ. فقال عمر: إن لم تقتله، فاعزله من إمارة الجيش! فقال أبو بكر: لَا، يَا عُمَرُ! لَمْ أكُنْ لأشِيمَ سَيْفَاً سَلَّمهُ اللهُ عَلَى الكَافِرِينَ.
ولمّا رجع خالد، دخل المسجد وعليه قباء غشاه صدأ الحديد وقد غرز في عمامته أسهماً، فقام إليه عمر فانتزعها، فحطّمها وقال له: أ رِيَاءٌ؟ قَتَلْتَ امْرِءَاً مُسْلِماً ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأتِهِ! واللهِ لأرْجُمَنَّكَ بِأحْجَارِكَ. وخالد لا يكلّمه، يظنّ أنّ رأى أبي بكر مثله. ودخل على أبي بكر، فعذره أبو بكر وتجاوز عنه. ولمّا خرج خالد من عنده، التفت إلى عمر وقال: هَلُمَّ إلَيّ يَا بْنَ امَّ شَمْلَةَ. يُعرّض بذلك بعمر.
وجملة القول أنّ أبا بكر أعطى دية مالك بن نويرة من بيت المال. ويرى أصحابنا رضوان الله عليهم أنّ هذه الحادثة من مطاعن أبي بكر. وقدحوا فيها من عدّة جهات. منها: لو فرضنا أنّ مالكاً وجب قتله بمنع الزكاة، فلا ريب في إسلام النساء والذراري. وليس ارتداد الرجال بمنعهم الزكاة موجباً لكفر النساء والذراري. ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.[7] ولو فرضنا أنّ أبا بكر عذر خالداً لقتله مالكاً، فما عذر خالد في سبي النساء والذراري؟ وما عذر المدافع عنه أبي بكر؟ هل يجوز غصب الفروج، والزنا بامرأة مسلمة، ونهب أموال القوم؟
فلهذا مضافاً إلى أنّ عمر قد أقسم أن يقتصّ من خالد ويقتله إذا تقلّد أمر الحكومة، فإنّه أقسم أيضاً أن يردّ السبايا مع الأموال المنهوبة إلى أصحابها. وكذلك فعل فيما يخصّ الأموال والسبايا. أوّلًا: لم يتصرّف في حصّته من الأموال. ثانياً: جمعها مع باقي الأموال والسبايا، مع أنّ بعض النساء كنّ حوامل، وكنّ قد اشخصن إلى مناطق بعيدة كنواحي الشام وأطراف الروم، جمعها كلّها وأرجعها إلى بني ثعلبة بن يربوع.
ولكن هل اقتصّ من خالد ورجمه؟ أبداً. ومن هنا نفهم أنّ عتابه أبا بكر ومؤاخذته إيّاه لقتل مالك لم تنطلق من حسّ دينيّ وشعور بالذبّ عن شريعة سيّد المرسلين، بل انطلقت من كونه صديقاً وحليفاً له في الجاهليّة.
ونقول في توضيح هذه المسألة: لمّا امتنع سعد بن عُبادة،[8] رئيس الخزرج، وهم من أنصار المدينة، من بيعة أبي بكر بعد حادثة سقيفة بني ساعدة، وأراد المبايعون لأبي بكر أن يطالبوه بالبيعة، قال لهم ولده قيس:
إنّي ناصح لكم، فاقبلوا منّي. قالوا: وما ذاك؟ قال: إنّ سعداً حلف أن لا يبايعكم. وإذا حلف، فعل. ولن يبايعكم حتى يقتل. ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وأهل بيته. ولن يقتلوا حتى تقتل الخزرج كلّها. ولن يقتلوا حتى تقتل الأوس كلّها (ذلك أنّهما من الأنصار في مقابل المهاجرين). ولن يقتل الأوس والخزرج، حتى تقتل اليمن كلّها. فلا تفسدوا عليكم أمراً قد كمل واستتمّ لكم. فسمعوا نصيحته وقبلوها، ولم يتعرّضوا لسعد.
ثمّ إنّ سعداً خرج من المدينة إلى الشام، فنزل في قرى غسّان من بلاد دمشق. وكان غسّان من عشيرته. وكان خروج سعد مثيراً لأنصار الخلافة، وخاصّة أنّها أقلقت الأجواء من خلال معارضة أمير المؤمنين عليه السلام وعدم بيعته هو وجميع بني هاشم وكثير من الأنصار، والوجهاء من المهاجرين. وكان خالد بن الوليد يومئذٍ بالشام. وكان ممّن يعرف بجودة الرمي، وكان معه رجل من قريش موصوف بجودة الرمي. فاتّفقا على قتل سعد بن عبادة لامتناعه من البيعة لقريش، فاستترا ليلة بين شجر وكرم. فلمّا مرّ بهما، رمياه بسهمين، وأنشدا بيتين من الشعر ونسباهما إلى الجنّ:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْرَجِ *** سَعْدَ بْنَ عُبَادَه
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ *** فَلَمْ نُخْطِ فَؤَادَه
وقرأهما ليلة بالمدينة من داخل بئر فظنّ الناس أنّهما للجنّ، وأنّ الجنّ قتلوه. ولمّا ملك عمر، ورأى خالداً يوماً في بعض بساتين المدينة، قال له: يا خالد! أنت الذي قتلت مالك بن نويرة؟ فقال خالد: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إن كُنتُ قَتَلْتُ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لِهَنَاتٍ كَانَتْ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَقَدْ قَتَلْتُ لَكُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لِهَنَاتٍ كَانَتْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ. فسُرّ عمر بكلامه واعجب به، وقام وضمّه إلى صدره، وقال له: أنتَ سَيْفُ اللهِ وسَيْفَ رَسُولِهِ.
ولم يتعرّض عمر لخالد بعد ذلك لأنّه علم أنّ قاتل سعد بن عبادة هو خالد نفسه، فجعل دم مالك بدم سعد بن عبادة، وتجاوز عن خالد، وهو الذي أقسم في أيّام أبي بكر إنّه لو ملك، لاقتصّ منه: واللهِ لَئِنْ وُلِّيتُ الأمْرَ، لُاقَيِّدَنَّكَ بِهِ! وعلى هذا استبان ممّا ذكرناه أنّ عمر لم يدافع عن مالك بن نويرة، بل كان شريكاً في دمه. إذ لم يقتصّ في أيّام حكومته من خالد لأجل مصالحه الدنيويّة![9]
و كانت مظلوميّة مالك منذ البداية موضع بحث واحتجاج بين علمائنا ومخالفينا. وهي مذكورة في الكتب الكلاميّة والتواريخ، منها: «تاريخ الطبريّ»، و«الكامل» لابن الأثير الجَزَريّ، و«روضة الأحباب» لعطاء الله، و«نهاية العقول» للفخر الرازيّ، و«شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، و«الاستيعاب» لابن عبد البرّ، و«العِقد الفريد» لابن عبد ربّه، و«المغني» للقاضي عبد الجبّار، وكتب التفتازانيّ، والقوشجيّ، والشريف الجرجانيّ، والشريف المرتضى في «الشافي في الإمامة»، وكتب العلّامة الحلّيّ، وكتب العلّامة المجلسيّ رحمه الله وغيرهم. وما نقلناه هنا مختصر من الطعن الخامس للمجلسيّ على أبي بكر، الوارد في «بحار الأنوار»،[10] مع جمل من «تاريخ الطبريّ».[11]
[1] «الخرائج والجرائح» ص 228 و229، في مجموعة مجلّدة مع «الأربعين» للمجلسيّ؛ و«كفاية الأثر» للشيخ عليّ بن محمّد الخزّاز؛ وكذلك رواها المجلسيّ في بحاره عن «الخرائج والجرائح» ج 9، ص 582 طبعة الكمبانيّ.
[2] «مدينة المعاجز» ص 128 و129، الحديث 361.
[3] «المناقب» ج 1، ص 432، الطبعة الحجريّة.
[4] الآية 24، من السورة 81: التكوير.
[5] «المناقب» ج 1، ص 432، الطبعة الحجريّة.
[6] «شرح نهج البلاغة» طبعة مصر واوفسيت بيروت، دار المعرفة، دار الكاتب العربيّ، دار إحياء التراث العربيّ؛ وقد ورد فيه ثَعْلَبَة بدلًا من تَغْلِبَة، وعُبَيْد بدلًا من عبد الله.
[7] وردت هذه الآية المباركة في خمسة مواضع من القرآن الكريم. وفيها كناية عن أنّ ذنوب كلّ امريءٍ وأوزار معصيته تتعلّق به نفسه، ولا يُسأل عنها غيره.
[8] ذكرت ترجمته في كتب التراجم، وجاء نسبه في «الإصابة» و«اسد الغابة» كالآتي: سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن حرام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ، سيّد الخزرج («الإصابة» ج 2، ص 27؛ و«اسد الغابة» ج 2، ص 283).
[9] ذكر الحلبيّ في سيرته، ج 3، ص 220، وابن كثير في تاريخه، ج 7، ص 115: أنّ أصل العداوة بين خالد وعمر على ما حكاه الشعبيّ أنّهما وهما غلامان تصارعا، وكان خالد ابن خال عمر. فكسر خالد ساق عمر فعولجت وجبرت. ولمّا ولى عمر كان أوّل شيء بدأ به عزل خالد لِما تقدّم وقال: لا يلي لي عملًا أبداً. ومن ثمّ أرسل إلى أبي عُبيدة الجرّاح بالشام إن أكذب خالد نفسه،[ إذ كان قد بلغ عمر أنّ خالداً أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف درهم] فهو أمير على ما كان عليه. وإن لم يكذب نفسه، فهو معزول، فانتزع عمامته، وقاسمه ماله نصفين. فلم يكذب نفسه، فقاسمه أبو عبيدة ماله حتى إحدى نعليه وترك له الاخرى. وخالد يقول: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين.
[10] «بحار الأنوار» ج 8، ص 264 إلى 268 تحت عنوان: «مطاعن أبي بكر والاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الأخبار من كتبهم»، طبعة الكمبانيّ.
[11] «تاريخ الامم والملوك» ج 2، ص 502 إلى 504، طبعة مطبعة الاستقامة 1357.
الاكثر قراءة في شبهات وردود
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)