قال الله الحكيم في كتابه الكريم: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً.[1]
يخبرنا صدر الآية أنّ الله تعالى وحده عالم الغيب، بل عالم بجميع أنواع الغيب. وخاصّة أنّه جعل الاسم الظاهر الغيب مكان الضمير، فلم يقل: فَلَا يُظْهِرُ عَلَيْهِ، بل قال: فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ. وهذا المعنى ملحوظ في الآية المذكورة. ثمّ قال: إنّه يُطْلع على غيبه كلّ من ارتضاه من أنبيائه ورسله إلى خلقه، ويمكّنه من عالم الغيب ويرفع الحجاب عن بصره. فهو تعالى يلهمه من غيبه شيئاً.
وعند ما يرفع الله عنهم الحجاب ويظهر رسله على الغيب، فإنّه يجعل عليهم فريقين من الرصد والمراقبين:
الأوّل: فريق من الملائكة يجعلهم بين أيديهم بعد الوقوف على الغيب كي لا توسوس لهم الشياطين في أداء تلك المهمّة وإبلاغ ذلك العلم للناس، ولا تكدّر ذلك العلم الصافي الخالص بالهواجس النفسانيّة والأهواء الشيطانيّة.
الثاني: فريق من الرصد المحافظين يجعلهم بين مصدر الوحي والتنزيل وبينهم من خلفهم قبل الوقوف على الغيب ليظلّ الوحي مصوناً من تدخّل مخلوقات العالم العلويّ خلال سيره النزوليّ في عوالمه إلى أن يصل إلى قلب الرسول. ويتكوّن هذا الفريق من ملائكة هم شركاء في إنزال الوحي وسيره في مراتبه ودرجاته حتى يُبَلّغ به الرسول.
أنّ الهدف من جميع هذا المراقبات والمراقبين هو أن يتحقّق إبلاغ رسالات اولئك الرسل بنحو صائب صحيح، إذ إنّ من الواضح أنّ قوله: لِيَعْلَمَ أن قَدْ أبْلَغُوا يُشعِر بعلم الله الفعليّ لا علمه الذاتيّ. والعلم الفعليّ هو نفس تحقّق الامور الخارجيّة، وعين الواقعيّة والحقيقة في الخارج، وليس منفصلًا عن نفس التحقّق الخارجيّ، لأنّ علم الله بالموجودات ليس حصوليّاً، بل حضوريّاً محضاً. ومعنى العلم الحضوريّ هو وجود المعلوم وتحقّقه عند العالم به. وعلى هذا، فمعنى لِيَعْلَمَ: لِيَتَحقَّقَ. أي: أنّ حضور هذين الفريقين من الملائكة أمام الرسل وخلفهم هو للاطمئنان على تحقّق إبلاغهم، إذ يبلّغون الناس ما يتلقّونه من الوحي.[2]
إن هذا الاسلوب من الإرسال يشبه اسلوب السلاطين والحكّام في بعث الرسائل إلى ممثّليهم ورسلهم كي يبلّغونها الناس. فهم أوّلًا: يحافظون على رسالتهم بواسطة عدد من الحرّاس حتى تصل إلى ذوي العلاقة. وثانياً: يجعلون الحرّاس في هذا المسير لأداء هذه المهمّة كي لا تمتدّ إليها يد التغيير والتبديل بعد وصولها، وقبل إبلاغها للناس.
وحيث ينبغي في القسم الأوّل، أعني: إرسال الله علم الغيب إلى رسله، أن لا يظهر فيه أي تصرّف وتبدّل، وكذلك الأمر في القسم الثاني المتجسّد في إبلاغ الناس علم الرسل، إذ يجب أن لا يطرأ عليه أي تغيير أيضاً. فإنّ هذا يتوقّف أوّلًا: على تلقّي الرسول الوحي والغيب كما هو على حقيقته. ثانياً: على حفظه جيّداً بعد التلقّي الصحيح. ثالثاً: تبليغه الناس بلا زيادة ولا نقصان بعد التلقّي الصحيح والحفظ الجيّد. ولا بدّ من توفّر هذه المراحل الثلاث من العصمة في الرسل. هذا في المرحلة الأماميّة، أو بتعبير القرآن الكريم: مِن بيْنِ يَدَيْهِ، مضافاً إلى العصمة السابقة ومرحلة الخلف، أو بتعبير القرآن: مِنْ خَلْفِهِ.
يضاف إلى ذلك، أنّ الآية تخبرنا أنّ الله قد أحصى كلّ شيء من صغير وكبير، ومُلكيّ وملكوتيّ، ومادّيّ ومعنويّ، وطبعيّ وطبيعيّ ومثاليّ. وهو عليم بمقدار ذرّاتها وهويّتها. وهو خبير مطّلع على ما عند الرسل من الامور النفسيّة والاعتقاديّة، والمنهاج والسنّة، والمعارف اليقينيّة والعلوم الغيبيّة، وما عند المرسَل إليهم -الناس- من قابليّات وإمكانيّات، ومواقع اجتماعيّة، واستعدادات، أنّه خبير مطّلع على ذلك كلّه. وعلى هذا الأساس جعل وجودهم مرضيّاً عنده، وأظهرهم على عوالم غيبه بمقدار رضاه عنهم. وينبغي التذكير هنا بعدّة من امور:
الأوّل: أنّ جميع العلوم - ومنها علم الغيب- مقصورة على الله تعالى ولا سبيل لأحد إليها، بالاستقلال والأصالة. وأنّ كافّة العلوم التي تفضّل بها الله علی غیره إفاضة منه جلّ شأنه. وأن لکلّ کائن من الکائنات بحسب مستواه علماً معيّناً، لكنّه بالتبعيّة وبإفاضة الله وإعطائه. وحينئذٍ لا منافاة ولا تضارب بين الآيات الكريمة التي تحصر علم الغيب بالله كالآية: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ويَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.[3]
والآية: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.[4]
والآية: ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والْأَرْضِ وما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.[5] وبين الآية الكريمة، مطلع البحث، التي ترى أنّ الرسل يعلمون الغيب، وتفتح لهم الطريق إلى الغيب.
وقد ورد مثل هذا الاستقلال والتبعيّة، إمّا ذاتيّ وعرضيّ، أو أصليّ وظلّيّ، كثيراً في القرآن الكريم كالآية: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ[6] الدالّة على الحصر، مع الآية: حتى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا.[7] وكالآية: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً،[8] مع الآية: ولِلَّهِ الْعِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ.[9]
وهذه الآية تجعل العزّة لرسول الله وللمؤمنين، مضافاً إلى الله تعالى.
وعلى ضوء ذلك، نجد أنّ علم الغيب أمر ضروريّ وحتميّ لرسل الله، ولا يغاير اختصاصه تعالى به.
الثاني: نلحظ في كثير من الآيات القرآنيّة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ينفي علمه بالغيب كما نقرأ في الآية: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى والْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ[10].
والآية: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.[11]
والآية: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ.[12]
هذه الآيات كلّها وما يماثلها تخبرنا أنّ رسول الله ينفي علمه بالغيب استقلالًا لا تبعيّةً. أي: أنّ العلم للّه وحده، وأنا لم آت به مستقلًّا من عندي كما لم يمنحنيه الله تفويضاً. أنا مرآة وآية من علم الله. وعلمه الاستقلاليّ تقدّس ذكره ينحصر فيه، ويتجلّى في أنا المرآة، ولذلك لا أعلم الغيب، بل لا أعلم شيئاً. فجميع علومي من الله، وتجلّت في بالمقدار الذي أراده، وفي الزمان الذي شاءه. وإذا ما انطوى زمانه، فهو يعود إليه. فالمصدر هو نفسه، والمبدأ هو عينه، والمنتهى هو ذاته. وعلى هذا فإنّي لا أملك علماً من عندي، كما لا أملك قدرة، ولا نفعاً، ولا ضرّاً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً. فكلّ هذه الصفات للّه وحده لا يشاركه فيها أحد، ومرجعها إلى الله. والعارية في هذه الحياة تُعطَى كعارية، ثمّ تعود إلى أصلها.
جاء في سورة الأعراف: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.[13]
وورد في سورة يونس: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.[14]
الثالث: لمّا كان عموم الآية موضع بحثنا المذكورة في مطلع الكلام: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، قد تخصّصت في الرسل المرضيّين عند الله، وقد استُثنى هؤلاء الرسل من مفاد قوله: فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ بأداة الاستثناء إلَّا في قوله: إلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ، فلا مانع حينئذٍ من تخصيص سائر الأنبياء الذين هم أنبياء فحسب، وليسوا رسلًا. ونرى في هذه الحالة أنّ الله -وفقاً للآيات القرآنيّة- أوحي إلى الأنبياء الذين هم في قبال الرسل، وأطلعهم على الغيب: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ.[15]
ومن الطبيعيّ أنّ هذا يتحقّق عند ما يتخصّص لفظ الرسول في قوله: مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ بالأنبياء المرسلين، وإلّا لو كان أعمّ منهم ومن الأنبياء غير المرسلين، فلا حاجة إلى الاستثناء وإلى تخصيص آخر، وقوله: إلَّا مَنِ ارْتَضَى وحده يخرج جميع الأنبياء والمرسلين من قوله: لَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، ويذيق الجميع حلاوة علم الغيب.
وأمّا الإمام بالمعنى الذي استعمله القرآن الكريم للفظ الإمام، فإنّنا نرى من جهة أنّ الله يصف الأئمّة بالصبر واليقين: وجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ.[16]
ومن جهة اخرى يجعل انكشاف غطاء الغيب ورؤية ملكوت السماوات والأرض مقدّمة لبلوغ مقام اليقين: وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والْأَرْضِ. (ليقرّ بوحدانيّة الله وصفاته، ويسلّم لربّ العالمين، وينظر إلى آزر وقومه الذين يعبدون الأصنام وهم في غيّهم وضلالهم.) ولِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.[17]
ويؤكّد أيضاً في سورة التكاثر أنّ رؤية الجحيم ومشاهدة ملكوت جهنّم يلازمان علم اليقين، ولذلك فإنّ شروط علم اليقين كشف حجاب الغيب، وطيّ بساط الاعتبار والكثرة، والدخول في عالم التوحيد ووحدة ذات الحقّ. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ.[18]
وعلى هذا، فقد اجتاز جميع الأئمّة وسالكي سبيل معرفة الذات الأحديّة المتأسّين بهم مراحل عالم المادّة والطبع، وقطعوا شوطاً في المنهاج القويم والصراط المستقيم لتزكية النفس، فكان كشف الحجب الظلمانيّة والنورانيّة أمراً ضروريّاً لهم، وتحقّق لهم معنى ومفهوم قوله تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.[19] وتيسّر لهم ما عسر أو استحال على الناس العاديّين.
الرابع: انّ المراد من الغيب في هذه الآية الكريمة هو الغيب المخفيّ الذي لا تدركه حواسّنا الظاهرة على البسيطة في هذه الحياة الدنيا، وإن كان لا يخفى على البعض الآخر الذين يدركونه بحواسّهم. مثلًا وقائع الغد غيب لنا ولكنّها شهود لمن يأتون في غضون الغد. والإخبار عن الأشياء المشاهدة في الخارج غيب للأعمى والأصمّ، بَيْدَ أنّه شهود للبصير والسميع.
وأنّ ما تشهده الملائكة وتعلمه في العوالم العِلْويّة غيب للساكنين في نشأة الطبيعة، إذ ينبغي أن يلاحَظَ المشهود والغيب على أساس الظروف والنشآت التي تنال حظّها من البحث. وأنّ عالم القيامة وما يجري على الأموات غيب على ضوء النصّ القرآنيّ، وعدّ القرآن الإيمان بالمعاد إيماناً بالغيب، مع أنّ ما يجري على الأموات من حوادث هو عين الشهود: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.[20]
الخامس: أنّ جميع الكائنات في ضوء الاصول الاعتقاديّة للإسلام ومنطق القرآن هي أسماء الحقّ جلّ وعلا وصفاته. وأنّ الخلقة - بمعنى إيجاد الشيء - غير منفصلة عن نطاق الذات الأحديّة واسمها وصفتها وفعلها، وهي تعني ظهور الذات المنزّهة الظاهرة الجليّة وتجلّيها وآيتها ودلالتها. وكلّ كائن يوجد ويرتدي خلعة الوجود اسم من أسمائه تعالى. فهو الحيّ من حيث الوجود والحياة، وهو القادر من حيث قدرة الحقّ بالحجم الذي يتّسم فيه بالقدرة. وهو العالم من حيث علم الحقّ بالقدر الذي يستوعبه من العلم، وهكذا بالنسبة إلى سائر أسماء الباري تعالى شأنه العزيز وصفاته. فهو يكون تحت الأسماء الكثيرة ويطلق عليه السميع، والبصير، والحكيم، والمريد، والمختار، وغيرها.
إنّ علم الأشخاص بالغيب الإلهيّ بإذنه تعالى لا يعني أنّهم أنفسهم صاروا عالمين بالغيب في مقابل ذات الحقّ، فيكون ذلك مغايراً للتوحيد، بل يعني أنّه عين علمه الذي ظهر فيهم حقيقةً. وهذا هو عين التوحيد. وأنّ الله لا يعطي الغير مستقلًّا مثقال حبّة من خردل من علمه اللامتناهي، ولا يمكن أن يعطيه، لأنّ هذا العطاء يستلزم نقصان علمه اللامتناهي، بل نقصان ذاته، تعالى اللهُ عَنْ ذَلِكَ. أمّا العطاء غير المستقل، فلا ينافي التوحيد، بل هو التوحيد نفسه.
إن العطاء غير المستقلّ يعني الظهور والتجليّ والإشعاع والتألّق كالشمس التي تبسط نورها وأشعّتها في العالم، وتنشر ضوءها في كلّ مكان وعلى كلّ كائن اعتباراً من الذرّة حتى الدُّرّة، ومن البسيطة إلى الأفلاك والمجرّات. وكلٌّ يأخذ منها النور والحرارة فينشأ وينمو بمقدار سعته وحجم ما يستوعبه وجوده، بَيْدَ أنّ النور لا ينفصل عن الشمس، كما أنّها لا تظلّ مشعّة إلى الأبد على الموجودات والكائنات التي تعطيها ضوءها. فما دامت الشمس في كبد السماء، فإنّها تضيء الأشياء، ولا تهب الأشياء النور، بل لها إشعاع ذو طابع إعاريّ مؤقّت. وإذا ما حان الليل، وغاب منبع النور تحت الافق، فإنّه يأخذ معه التألّق والنور والظهور، ويترك الأشياء خالية من نوره.
وما ضرّ هذه الشمس التي لا تفصل النور عن نفسها، ولا ينقص نورها في نطاق ذاتها وفعلها أنّ تمنح النور بمقدار ذرّة، أو تمنحه فيشمل جميع عوالم الطبيعة والفضاء غير المرئيّ والكواكب التي لا حدّ ولا حصر لها؟ فالشمس ليست بخيلة، وهي تمنح الجميع نورها، وتلقي شعاعها، وتبسطه بكلّ سخاء. بَيْدَ أنّ كلّ شيء من الأشياء يأخذ نصيبه منها حسب استعداده، فالذرّة تنال حظّها بمقدار صغرها، وهكذا بقيّة الأشياء كالجبل، والصحراء، والسهل، والبحر، والمحيط، والفضاء الواسع، فكلّ واحد من هذه الأشياء يأخذ نصيبه بما يتمتّع به من استيعاب، وقابليّة، واستعداد.
ويجري علم الله جلّ شأنه على هذا النسق. فالكائنات مرايا وأوعية لتجلّي علم ذاته وتألّقه. وهو تعالى غير ضنين أن يمنّ على الآخرين بعلومه في طابع الظهور واللمعان، سواء كان شعوريّاً، بأن يمنّ بها على ذبابة، أم علميّاً بأن يمنّ بها على الناس العاديّين، والجنّ، والملائكة، والحيوانات، أم علميّاً أيضاً فيفيض بها من خزانته الخاصّة على الإمام والرسول. وإذا ما أطلع اولئك على علم الغيب، وغيب الغيب، والسرّ، والسرّ المستور، والسرّ المستسرّ، والخزائن المخفيّة التي لا تصل إليها يد البشر والملائكة، فهو أمر اعتياديّ، ولا ينقص من كبريائه وعظمته حتى بمقدار سمّ الخياط، بل إنّ ذلك هو عين كبريائه وعظمته وجماله المطلق، إذ يجعل كائناً من الكائنات في عوالم الإمكان مرآة لظهور جميع صفاته.
الإمام مرآة، وآية، واسم. غاية الأمر أنّه مرآة تامّة لظهور صفات الباري، ومن مفردات هذه المرآة التامّة علم الباري. ولِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.[21]
السادس: أنّ جميع الكائنات في عالم الطبيعة سواء كانت جماداً أم حيواناً أم إنساناً تتّصف بالوحدة على الرغم من الاختلاف الملحوظ بين أفرادها. وبغضّ النظر عن خصوصيّات الزمان والمكان وسائر العوارض والأعراض المؤدّية إلى تميّزها وتفرّدها وتحقّقها الخارجيّ، فإنّ ذلك الأمر الوحدانيّ موجود. وأنّ كافّة هؤلاء الأشخاص المختلفين يوجدون، وينمون ويقطعون الطريق في مسير تكاملهم بواسطة ذلك الأمر الوحدانيّ المشترك بين الجميع.
وذلك الأمر الوحدانيّ المنبعث من عالم الأمر والملكوت هو الذي عبّر عنه الشرع المقدّس بمَلَك التدبير، وعبّرت عنه الفلسفة بالمُثُلِ الأفلَاطُونِيَّةِ. وبرهن عليه المرحوم الملّا صدرا الشيرازيّ أعلى الله مقامه الشريف في أسفاره الأربعة، وذكرناه نحن أيضاً في المجلس السابع عشر الوارد في الجزء الثالث من كتاب «معرفة المعاد» الصادر ضمن سلسلة دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة، وأثبتنا هناك أنّ العلوم التي يظفر بها البشر -في ضوء النظريّة الإسلاميّة- إنّما تتحقّق بواسطة ملائكة العلم. وكلّ من كان له علم، فهو يُفاض عليه عبر مَلَكِ العلم، حتى يبلغ العلم الكلّيّ للحقّ تعالى الذي يُمنَح بواسطة جبرائيل والروح.
وكلّ إنسان يزيد علمه، يخضع لملك أقوى وأعلى حتى يبلغ درجة يُوكَّل فيها جبرائيل على علومه، والأعلى من ذلك أنّ الروح الأمين، ومقامه واحد، ودرجته أعلى من درجة جميع الملائكة المقرّبين يمسك زمام اموره. وأنّ الرسل والأئمّة الذين يعلمون الغيب يزوَّدُونَ من قبل جبرائيل الأمين، وبعضهم يُزَوَّدُ من قبل الروح الأمين.
السابع: انّ الاستثناء الوارد في الآية التي هي مثار بحثنا: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يشمل كافّة الأقسام الخاصّة بتبليغ رسالة الرسول. أي: أنّ الله يربط قلب رسوله المرضيّ عنده بالغيب في كلّ ما يتوقّف عليه إبلاغ رسالته، سواء كان ذلك متن رسالته، كالمعارف الاعتقاديّة والشريعة والأحكام والقصص والاعتبارات والمواعظ والحكم، أم كان من آيات رسالته وأشراطها، أم من المعجزات الدالّة على صدقه.
كما نقرأ في القرآن الكريم أنّ الله تعالى يصف الكلام الغيبيّ الذي قاله نبيّه صالح لقومه بقوله: فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ.[22]
ونقرأ كلام عيسى ابن مريم على نبيّنا وآله وعليهما الصلاة والسلام الذي قاله لليهود وبني إسرائيل: وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ.[23] (لا يعلم أحد بما تأكلون وما تدّخرون غيركم).
وما ورد في القرآن الكريم من مواعيد الأنبياء بالملاحم والإخبار بالغيب، وقد وقع ذلك كلّه، كوعيد نوح بحدوث الطوفان، وإنذار هود، وشعيب، ولوط بوقوع العذاب.
[1] الآيات 26 إلى 28، من السورة 72: الجنّ.
[2] إنّ مثل هذا المعنى من العلم القائل بأنّ التحقّق الخارجيّ في التعبير العلميّ هو العلم الفعليّ كثير في القرآن الكريم كالآية 3، من السورة 29: العنكبوت: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ. أي: يتحقّق ظهور الصادقين والكاذبين في الخارج، وهو ما يستوعبه العلم الفعليّ للحقّ تعالى. وكالآية 25، من السورة 57: الحديد: ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ. أي: ليتحقّق علم الله الفعليّ بوجود ناصري الله ورسله.
[3] الآية 59، من السورة 6: الأنعام.
[4] الآية 65، من السورة 27: النمل.
[5] الآية 77، من السورة 16: النحل.
[6] الآية 42، من السورة 39: الزمر.
[7] الآية 61، من السورة 6: الأنعام.
[8] الآية 139، من السورة 4: النساء: أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً.
[9] الآية 8، من السورة 63: المنافقون.
[10] الآية 50، من السورة 6: الأنعام.
[11] الآية 188، من السورة 7: الأعراف.
[12] الآية 9، من السورة 46: الأحقاف.
[13] الآية 188، من السورة 7: الأعراف.
[14] الآية 49، من السورة 10: يونس.
[15] الآية 163، من السورة 4: النساء.
[16] الآية 24، من السورة 32: السجدة.
[17] الآية 75، من السورة 6: الأنعام.
[18] الآيتان 5 و6، من السورة 102: التكاثر.
[19] الآية 22، من السورة 50: ق.
[20] الآية 103، من السورة 11: هود: إنَّ في ذَلِكَ لأيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مشْهُودٌ.
[21] الآية 180، من السورة 7: الأعراف.
[22] الآية 65، من السورة 11: هود.
[23] الآية 49، من السورة 3: آل عمران.