أمر الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين شيعتهم بالفرح والسرور والتهنئة والتبريك والتسليم والصوم والإنفاق في هذا اليوم. وكانوا يتعاملون معه بوصفه عيداً.
وبالأخصّ تجتمع طائفة الإماميّة في هذا اليوم اجتماعاً عظيماً عند مرقد سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام بالنجف الأشرف. وزيارة الغدير من الزيارات المخصوصة للإمام. ويجتمع رجال الشيعة من شتّى القبائل والحواضر حول قبره قادمين من مختلف الأرجاء البعيدة والقريبة، ويقرؤون زيارته المخصوصة المرويّة عن الأئمّة الطاهرين، والحاوية على جميع الكمالات، والمبيّنة لكافّة مقاماته ودرجاته، ويتحدّثون بالحجج الدامغة من الكتاب والسنّة لدفع المناوئين.
ويعتبر يوم الغدير عيداً رسميّا في جميع المدن، وحتّى القرى والقصبات، ويحترم ملايين المسلمين شيعتهم وسنّتهم هذا اليوم، وينشغلون فيه بالآداب العباديّة والامور الحِسبيّة والقُربيّة.
إن سنّة الاحتفال والتعييد في يوم الغدير قد خلّدت هذه القصّة، ورسخّت نصّ الغدير وأرست دعائمه، وسلّمه الأوّلون للأجيال القادمة. وإنّ السهر للعبادة في ليلة الغدير، وصِلَة الأرحام والضعفاء، والتوسيع على العيال، والتزيّن، وارتداء الملابس الجديدة والأثواب النظيفة، والإحسان والبرّ، وتوسيع الخيرات والمبرّات في هذا اليوم، كلّ ذلك يعتبر من البواعث على بقاء هذا الأثر الخالد، ليذهب الناس وراء جذر الغدير ومنبعه، ويتفحّصوا عن أصله، فتنمو أغصان الإيمان في قلوبهم وتقوى يوماً بعد يوم.
وأجْمِلْ بالفُرسِ هذا اليوم إذا تركوا هذه البدعة القبيحة المتمثّلة بتعظيمهم عيد المجوس،[1] وابتهاجهم به، وسرورهم بتهيئة الملابس القشيبة لهم ولُاسرهم في أيّامه متأثّرين بالتقاليد الغربيّة في إحياء الآداب والتقاليد القوميّة القديمة، فما أجملهم إذا فعلوا ذلك، واتّخذوا مكانه يوم الغدير عيداً لهم، وهو عمود الإيمان، وجعلوه عطلة رسميّة تمتدّ أيّاماً للزيارات والأفراح، وارتداء الملابس الجديدة بدل الملابس البالية، فيتنازل شيطان الطبيعة القبيح عن مكانه لملاك الرحمة، ولا يُسْتَغْفَلُ الشيعة فيقعوا في الفخّ بنحو غير مدروس، وهم الذين كانوا ولا يزالون معروفين بممارسة أعمالهم عن تعقّل ورويّة.
إن عيد الغدير يربط ماضي مدرسة التشيّع بحاضرها ومستقبلها في كلّ عام، ويوصل بعض حلقاتها ببعض، ويمنحها الدوام والاستمرار، ويواصل تبكيته الشيطانَ المشئوم وغول الاستكبار وجموع النفس، ويخلّد الكفاح والنضال ضدّ ذلك.
ومن الضروريّ هنا أن نذكر نقطتين:
الاولى: أنّ هذا العيد لا يقتصر على الشيعة فحسب، وإن كانت لهم عناية به وميل خاصّ إليه، وإنّما اشترك معهم سائر المسلمين في احترامه والتعيّد به، ولم يشذّ منهم إلّا النواصب والخوارج. وعلى هذا الأساس قال المَسعوديّ: قال النبيّ الأكرم في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في غدير خُمّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. وذلك في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة، وغدير خمّ بقرب من الماء المعروف بالخرار بناحية الجُحْفَة، ووُلْدُ عَلِيّ وشِيعَتِهِ يُعَظِّمُونَ هَذَا اليَوْمَ.[2]
وقال محمّد بن طلحة الشافعيّ، أخرج الترْمُذِيّ في صحيحة بإسناده عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، أورده بهذا اللفظ ولم يزد عليه شيئاً. ولكن ذكر غير الترمذيّ أيضاً اليوم [الذي قال فيه رسول الله ذلك]، والموضع [الذي بيّنه فيه]، فذكر الزمان وهو عند عود رسول الله من حِجَّة الوَدَاع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، وذكر المكان وهو ما بين مكّة والمدينة يسمّى خمّاً في الغدير الذي تقدّم، هناك. فسمّي ذلك اليوم يوم غدير خُمّ. وذكره أمير المؤمنين عليه السلام نفسه في شعره الذي تقدّم، وصار ذلك اليوم عيداً ومُوسماً [لاجتماع الناس] لكونه كان وقتاً خصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً بهذه المنزلة العلية وشرّفه بها دون الناس كلّهم!
وذكر ابن خَلَّكان في ترجمة المُسْتَعْلى بن المستنصر أنّه بُويِعَ في عيدِ غَديرِ خُمٍّ، وهو الثامن عشر من ذي الحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة.[3]
وقال العلّامة الأميني: قال ابن خَلّكان أيضاً في ترجمة المُسْتَنْصِر بالله العبيديّ: توفي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة سنة 487.
ثمّ قال ابن خَلّكان: هذه الليلة هي ليلة عيد الغدير، أعني: ليلة الثامن عشر من ذي الحجّة، وهو غدير خُمّ (بضمّ الخاء وتشديد الميم). ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت من ذي الحجّة؟ وهذا المكان بين مكّة والمدينة، وفيه غدير ماء، ويقال: إنّه غيضة هناك. ولما رجع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله من مكّة شرّفها الله تعالى عام حجّة الوداع، ووصل إلى هذا المكان، وآخى عليّ بن أبي طالب وقال: عَلِيّ مِني كَهَارُونَ مِنْ موسى، اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.
وللشيعة به تعلّق كبير. وقال الحازميّ: غدير خمّ واد بين مكّة والمدينة عند الجحفة غدير عنده خطب النبيّ. وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة وشدّة الحرّ. إلى آخر كلام ابن خلّكان.
وقال الثعالبيّ في «ثمار القلوب» بعد أن عدّ ليلة الغدير من الليالى المشهورة (و المعروفة) عند الامّة: وهي الليلة التي خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله في غدها بغدير خُمّ على أقتاب الإبل، فقال في خطبته: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَن وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذلْ مَنْ خَذَلَهُ. والشيعة يعظّمون هذه الليلة ويحيونها قياماً.[4]
وممّا يدلّ على هذا العيد، التهنئة لأمير المؤمنين عليه السلام من الشيخين، وامّهات المؤمنين (نساء رسول الله)، وغيرهم من الصحابة بأمر رسول الله، ومعلوم أنّ التهنئة من خواصّ الأعياد والأفراح.
الثانية: أنّ عهد هذا العيد يمتدّ إلى زمن النبيّ، كما تدلّ على ذلك كتب التأريخ، وهو إتصال للدور النبويّ، فكانت البدية يوم الغدير في السنة العاشرة من الهجرة بعد حجّة الوداع، لما أصحر رسول الله بالأمر في تلك المراسم التي اقيمت في ساحة فسيحة، وبحضور الملأ من المسلمين. وأبان فيها مستقرّ إمرته وحكومته من الوجهة الدينيّة والدنيويّة، وحدّد لهم مستوي أمر دينه الشامخ وطريقه الواضح جيلًا بعد جيل ونسلًا بعد نسل، وقال: فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبُ، ويتحدّث عن هذا المشهد العظيم بعد عودته إلى وطنه، وعلى هذا، فإنّ ذلك اليوم كان موسماً عظيماً ويوماً مشهوداً يسرّ كلّ معتنق للإسلام، ويبهجه بهذه الموهبة الكبرى وهو يرى البناء الرصين للإمامة وخلافة المسلمين، ويشهد استمرار طريق الشريعة وديمومة أنوار أحكامها، فلا تلويها الآراء الفاسدة والأهواء الكاسدة عن مسارها، وتتمكّن النفوس المشتاقة والأرواح الشائقة إلى بلوغ المعنويّات من التحرّك في ضوء هذا المنهج حتّى يوم القيامة، فتظفر بالكمال النفساني من القوّة والاستعداد إلى الفعلية.
وأي يوم أعظم وأكبر وأشرف من يوم الغدير؟ إذ اكمل فيه الدين، وتمّت فيه النعمة، ولاح فيه واضح الطريق، وعظم فيه التمسّك بعروة الحقّ الوثقى. فهو العيد الأعظم الذي نوّه به القرآن الكريم بواسطة جبرائيل الحامل الأمين للوحي الإلهيّ، وبلسان رسول الله وإرشاده وخطابته وأمره وإنشائه، وأرسى دعائمه على هذا الأساس المتين.
[1] وهو عيد النوروز القوميّ الذي يطرب له الفُرس كلّ سنة، متزامناً مع حلول فصل الربيع. (م)
[2] «التَّنْبيه والإشراف» ص 221 و222.
[3] «وفيّات الأعيان» ج 1، ص 180، طبعة بيروت.
[4] «الغدير» ج 1، ص 268 و269.