هذه أحداث نقلتها لنا كتب التأريخ، ويا ليتها كانت مثبّتة في تأريخ الشيعة وحدها حتّى يتسنّى إزالة وصمة العار من جبين جناتها إلى حدّ ما، فتواريخ العامّة مشحونة بها، وكلّ من نظر في «تاريخ الطبريّ» وابن الأثير، و«الإمامة والسياسة» لابن قتيبة، و«شرح النهج» لابن أبي الحديد، وغيرها، يجدها حافلة بهذه المصائب التي حلّت بالإسلام.
ولمّا كان واضحاً كالشمس في كبد النهار أنَّ العامّة ألّفوا كلّ هذه الكتب وتمسّكوا بالآراء الفاسدة والأهواء الكاسدة في الاصول والفروع، حفظاً للحكومات الاستبداديّة التي انتهت بالحكومة الأمويّة والعبّاسيّة، واستعبدت الناس وأخضعتهم لقبضتها الحديديّة، وبسطت نفوذها الفرعونيّ بأعنف الأساليب السلطويّة طيلة ستّة قرون باسم الإسلام والقرآن وتحت غطاء الخلافة الإسلاميّة. واليوم حيث اطيح بالحكومات الاستبداديّة القائمة على مثل تلك الدعامة الفرعونيّة التي أرساها الأوّلون، فمن المناسب أن يغيّروا خطّهم بالرجوع إلى التأريخ الصحيح، ولا يغالطوا أكثر من ذلك، ويتركوا التعسّف في تبرير وتأويل الأحاديث الصحيحة التي زخرت بها كتبهم كحديث الثقلين، والغدير، والعشيرة، والولاية، والمنزلة، وكثير من الأحاديث الاخرى، ويرفعوا الستار عن الحقائق، ويجمعوا على عدم فصل سبيل الشريعة عن سبيل الولاية في ضوء القرآن الكريم والسنّة النبويّة، ويختاروا المذهب الجعفريّ المقدّس.
وإنّي اشهد الله أنَّ نصيحتي هذه هي نصيحة الشفيق المخلص الذي سبر غور الكتب سنيناً من عمره، وبحث ونقّب وحقّق ودقّق حتّى ظفر باللباب، وها هو يسعى بإخلاص لتقديم ما ظفر به إلى الإخوة الأعزّاء من شباب العامّة الذين ليس لهم علم بهذه الامور، حتّى يتألّق نور الحقيقة في قلوبهم بحول الله وقوّته، وأن يتّبعوا مذهب أهل البيت، ذلك المذهب الحنيف الحقّ والسبيل القويم للولاية العلويّة بمجرّد قراءة هذه السطور. وَفَّقَهُمُ اللهُ جَمِيعَاً وهَدَاهُمْ إلى صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ ومَنْهَجِهِ القَوِيمِ، آمِينَ يا رَبَّ العَالَمِينَ.
قال سيّدنا أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الثانية من خطب «نهج البلاغة»: زَرَعُوا الفُجُورَ، وسَقَوْهُ الغُرُورَ، وحَصَدُوا الثُّبُورَ. لَا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الامَّةِ أحَدٌ، ولَا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نَعْمَتُهمْ عَلَيْهِ أبَدَاً. هُمْ أسَاسُ الدِّينِ، وعِمَادُ اليَقِينِ؛ إلَيْهِمْ يَفِيءُ الغالِي، وبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي، ولَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الوِلَايَةِ، وفِيهِمُ الوَصِيَّةُ والوِرَاثَةُ. الآنَ إذْ رَجَعَ الحَقُّ إلَى أهْلِهِ، ونُقِلَ إلَى مُنْتَقَلِهِ.[1]
نرى في هذه الخطبة التي خطبها أمير المؤمنين عليه السلام في أوّل خلافته، أنه يؤكّد على أنَّ أيّ فرد من أفراد الامّة المسلمة لا يمكن أن يوازَن بأهل البيت النبويّ الكريم. وبعد أن يسرد صفاتهم وآثارهم، يركّز على أنَّ الحقّ قد آبَ إلى أهله، وعاد إلى نصابه.
ألم تصرّح هذه الفقرات بلزوم اجتماع النبوّة والخلافة في بيت بني هاشم؟ ثمَّ ألم تنصّ على فساد الأوضاع في عصر من سبقه من الحكّام، وقد تحسّنت في عهده ووقرت على أساس صحيح؟
أولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام جامعاً لبيت النبوّة والخلافة؟
وقال عليه السلام في الخطبة السادسة من خطب «نهج البلاغة»: واللهِ لَا أكُونُ كَالضَّبُعِ تَنَامُ عَلى طُولِ اللَّدْمِ، حتّى يَصِلَ إلَيْهَا طَالِبُهَا، ويَخْتِلُهَا رَاصِدُهَا، ولَكِنِّي أضْرِبُ بِالمُقْبِلِ إلَى الحَقِّ المُدْبِرَ عَنْهُ، وبِالسَّامِعِ المُطِيعِ العَاصِيَ المُرِيبَ أبَدَاً حتّى يَأتِيَ عَلَيّ يَوْمِي. فَوَ اللهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعَاً عَنْ حَقِّي مُسْتَأثَراً عَلَيّ مُنْذُ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ حتّى يَؤُمَّ النَّاسَ هَذَا.[2]
ينصّ الإمام صلوات الله عليه في هذه الخطبة على أنَّ الخلافة كانت حقّه منذ وفاة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله.
وقال رونالدسن في كتاب له نُقل إلى العربيّة: ويَرْوِي أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أنهُ بَعْدَ مَقْتَلِ عَلِيّ، خَطَبَ الحَسَنُ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: لَقَدْ قُبِضَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ الأوَّلُونَ بِعَمَلٍ، ولَا يُدْرِكُهُ الآخِرُونَ بِعَمَلٍ، وقَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللهِ.[3]
ثمّ قال: وقَدْ نَاقَشْنَا صِحَّةَ هَذِهِ القَضِيَّةِ آنِفاً. بَيْدَ أنَّ هذه المناقشة لا تضرّ بقصدنا المتمثّل بنقل رواية أحمد بن حنبل وكلام الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، لأنها تعكس رأيه الخاصّ ولا تمت بصلة إلى الرواية.
فهذا عدد من الأحاديث التي تدلّ على اجتماع النبوّة والخلافة في بيت بني هاشم. وكلّ من نظر في كتب التأريخ والحديث الموثوقة، فسيجدها زاخرة بمسائل تعضد هذا الموضوع.
[1] «نهج البلاغة» ص 30، الخطبة الثانية، محمّد عبده، مصر.
[2] «نهج البلاغة» ص 41 و42، الخطبة السادسة، نسخة محمّد عبده، مصر. وجاء في شرح محمّد عبده: حَتَّى يَؤُمَّ النَّاسَ هَذَا. أمّا في «شرح ابن أبي الحديد»، و«شرح الملّا فتح الله الكاشانيّ»، فقد جاء حَتَّى يَومِ النَّاسَ هَذَا.
[3] كتاب «عقيدة الشيعة» ص 84، طبعة مطبعة السعادة، مصر، سنة 1365 هـ.