نقل الملّا عليّ المتّقي عن محمّد بن جُبَير، عن أبيه أنَّ عُمَرَ قَالَ: «إنْ ضَرَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إحدى يَدَيْهِ على الاخْرَى فَبَايِعُوهُ». وعَنْ أسْلَمٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ: «بَايِعُوا لِمَنْ بَايَعَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فَمَنْ أبَى فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ».[1]
لنا أن نسأل هنا: هل كان عبد الرحمن بن عوف ثقة في دينه ورأيه، ومأموناً للاختيار على المسلمين، ولم يكن عليّ بن أبي طالب كذلك؟ لما ذا لم يُخَوَّل هذا الحقّ؟ أو أنَّ المراد بالأمانة للاختيار على المسلمين، والثقة في الدين والرأي ما يرضاه عمر ويستصوبه، لا ما يقتضيه العموم والإطلاق؟ فيصبح مفاده ومؤدّاه: أنى اؤيّد رأي ابن عوف، وفكره ودينه.
ثانياً: لما ذا لم يُدْخِل عمر في الشورى وجوه المهاجرين من خاصّة الصحابة مثل عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وسَلْمَان الفَارِسِيّ، والمِقْدَادِ بْنِ الكِنْدِيّ، وحُذَيْفَة ذِي الشَّهَادَتَيْنِ، وابْنِ الخَيْثَمِ التَّيِّهَانِ، وأمثالهم؟ هؤلاء كانوا أنصار أمير المؤمنين عليه السلام والمضحّين من أجله والمخلصين له، ونقل عنهم التأريخ وكتب السير حكايات تثنى على عقلهم وتدبيرهم ودرايتهم ودينهم وأمانتهم.
ثالثاً: لماذا عيّن عمر هذه الشورى؟ هو فرد كسائر المسلمين، وتشكيل الشورى ينبغي أن يكون حرّاً وتحت إشراف جميع المسلمين بواسطة أهل الحلّ والعقد منهم، لا أن يكون تشكيلها من قبل شخص معيّن. وهل لهذا النمط من تشكيل الشورى الذي رتّبه عمر بنفسه أثر أكبر من تعيين شخص خاصّ للإمارة؟ ما هو الفرق إذَن بين أن يعيّن عثمان مباشرة منذ البداية، وبين أن يعيّنه بواسطة الشورى؟ ولو تغاضينا عن ذلك وافترضنا عدم وصول عثمان إلى الخلافة في هذه الشورى، بل وصول شخص آخر غيره كأمير المؤمنين عليه السلام مثلًا، فهل تكون الشورى صحيحة وحرّة؟ تلك الشورى المقيّدة والمحدودة برأيه وتعيينه. وما هو حقّ عمر في تشكيل مثل هذه الشورى؟ وهل هناك فرق بين هذه الشورى وبين مجلس الشيوخ الذي كان يعيّن الشاه محمّد رضا بهلوي نصف أعضائه؟
رابعاً: أني لعمر مثل هذه الشورى؟ ولو كان قد أخذها من السنّة النبويّة، فإنَّه يصرّ أنَّ رسول الله لم يعيّن أحداً، ولم ينصّب عليّ بن أبي طالب، بل ترك للُامّة اختيارها في نصب الخليفة. فكان لعمر أن يتأسّي بهذه السنّة المزعومة ويترك الامّة حرّة في تعيين خليفتها حتّى تختار أمير المؤمنين عليه السلام! فلما ذا سلب من الامّة اختيارها، وعزل أمير المؤمنين عليه السلام من خلال وصيّته بتشكيل مثل هذه الشورى؟
ومن الواضح- إذَن- أنَّ إقحام أمير المؤمنين عليه السلام في الشورى لم يكن حبّاً له باحتمال تعيينه، بل كان ذلك لإلزامه وإجباره على الرضوخ لخلافة الشخص المنتخب. وما قصد عمر من قتل المعارض إلّا شخص الإمام نفسه، لأنَّ المعارضين- في ضوء خطّة عمر- وهم أشخاص آخرون لا يمكن أن يكونوا في الشورى فيقتلوا؛ وبناءً على هذا، جعل أمير المؤمنين عليه السلام بين أمرين لا غير: إمَّا التسليم لحكم عبد الرحمن بن عوف، وإمَّا القتل فيتحقّق الخروج من حلبة الصراع بموته. وكانت هذه الخطّة قد دبّرت ورسمت بشكل عجيب.
[1] «كنز العمّال» ج 3، ص 160.