

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
أمثال وحِكَم بتاح حتب
المؤلف:
سليم حسن
المصدر:
موسوعة مصر القديمة
الجزء والصفحة:
ج17 ص 199 ــ 211
2026-02-01
53
كان المصري عندما يشعر بدنو أجله يكتب وصيته، فيقسِّم أملاكه، وغالبًا ما كان ينقش صورةً من هذه الوصية على جدران مقبرته. على أن الأمر لم يكن يقتصر على ذلك، بل كان أحيانًا يخلف لابنه الأكبر نصائح وتعاليم عن تجاربه في الحياة وفي وظيفته؛ لتكون عونًا له على أداء عمله الحكومي، وعلى الضرب في الحياة على أحسن حال، وسيدرك القارئ أن الحكيم كان دائمًا يشير إلى ما يرمي إليه في تعاليمه في افتتاحها وفي نهايتها.
وأقدَمُ مَن خلف لابنه نصائح من هذا النوع هو «بتاح حتب».
وقد ذكر لنا أنه كان وزيرًا للملك «إسيسي» (2670ق.م تقريبًا)، وتدل النقوش على أنه كان لهذا الملك وزير يحمل هذا الاسم، ولا يزال قبره معروفًا لنا في سقارة حتى الآن. وبالرغم مما يحوم من شكوك حول نسبة هذه الوثيقة إلى هذا الوزير، فإنه من المؤكد أنها قديمة جدًّا، قد وصلت إلينا منها ثلاث نُسَخ يرجع عهد اثنتين منها إلى الدولة الوسطى، والثالثة كُتِبت في الدولة الحديثة. ومن الجائز أن بعض هذه النصائح قد فَاهَ بها هذا الوزير العظيم، كما يحتمل أن بعض أمثال التوراة التي تُنسَب إلى سليمان قد فَاهَ بها حكيمنا فعلًا.
ومهما يكن من أمر هذه التعاليم، فإن الغرض منها إرشاد التلميذ وغيره إلى السير الحكيم والأخلاق الحسنة، ثم ليكون أسلوبها هدفًا مثاليًّا يحتذيه التلميذ في تعبيره؛ ليصبح ذا بصر بفنون الكلام، وليعبِّر عمَّا في نفسه بلغة مختارة جديرة بموظف محترم، وهذا هو السر في ذيوعها في عهد الدولة الوسطى، ثم في الدولة الحديثة.
ونجد في النسخة التي من عصر الدولة الحديثة السبب الذي من أجله ألَّفَ «بتاح حتب» تعاليمه هذه، فيقول لجلالة الملك «إسيسي»:
قد حلت الشيخوخة، وبدا خرفها، وامتلأت الأعضاء آلامًا، وظهر الكبر كأنه شيء جديد، وأضحت القوة أمام الهزال، وأصبح الفم صامتًا لا يتحدث، وغارت العينان، وصُمَّتِ الأُذُنان … وأضحى القلب كثير النسيان غير ذاكر أمسه، والعظام تتألم من تقدُّم السن، والأنف كتم فلا يتنفس، وأصبح القيام والقعود كلاهما مؤلمًا، والطيب أصبح خبيثًا، وكل ذوق قد ولَّى، فتقدُّم السن يجعل حال المرء سيئًا في كل شيء.
فمرني أصنع لي سندًا (عكازة) (1) لكبر سني، ودَعِ ابني يحتل مكاني، فأعلمه أحاديث مَن يسمعون، وأفكار مَن سلفوا، وهم الذين حرموا السلف في الأزمان الخالية، ولَيْتَهم يعملون لك بالمثل؛ حتى يُتَّقَى الشجار بين الناس، وتخدمك مصر.
فأجاب جلالته: «علِّمْه أولًا الحديث … وإني أرجو أن يكون مثالًا لأولاد العظماء، وليت الطاعة تكون رائِدَهُ، ويدرك كل فكرة صائبة ممَّن يتحدث إليه، فليس هناك ولد يحرز الفهم من تلقاء نفسه.
ولا أشك في أن القارئ يرى في هذا الوصف البديع للشيخوخة، وفيما يهدف الناصح إليه من وراء تعليم ابنه، صورةً مدهشةً من حيث الدقة في التعبير ونفاذ البصيرة وضعها كاتب منذ آلاف السنين.
أما النسخة القديمة فمقدمتها تختلف عن هذه؛ فقد جاء فيها:
الكلام الحسن التعبير الذي نطق به الأمير العظيم … الوزير «بتاح حتب» عندما كان يعلم الجاهل العلم وقواعد الكلام المنسجم، فيا فَلَاح مَن يصغي إليها، ويا شقاء مَن يحيد عنها.
ويبدو من هذا العنوان الذي كُتِب في نسخة الدولة الوسطى أن الاهتمام بصياغة الكلام والأسلوب الحَسَن من أهم ما يعنى به الكاتب في هذا العهد — كما نوَّهنا عن ذلك من قبلُ.
ولقد وافَقَ الملك وزيره «بتاح حتب» على تعليم ابنه (ابن الوزير)؛ ليعده للقيام بأعباء الواجبات الحكومية وللحياة، حتى يكون مساعدًا وخلفًا له، فأخذ الوزير المذكور يسدي النصح لابنه بألَّا يسيء استعمال الحكمة التي سيلقَّنُها، بل عليه أن ينهج سبيل التواضع، فنراه يقول:
لا تكونن متكبرًا بسبب معرفتك، ولا تكونن منتفخ الأوداج لأنك رجل عالم، فشاوِر الجاهل والعاقل؛ لأن نهاية العلم لا يمكن الوصول إليها، وليس هناك عالم مسيطر على فنه تمامًا، وإن الكلام الحَسَن أكثر اختفاءً من الحجر الأخضر الكريم، ومع ذلك فإنه يوجد مع الإماء اللائي يعملن في إدارة أحجار «الطواحين» (2).
ثم يعقب ذلك اثنتان وأربعون فقرة تنتظم نصائح مختلفة، ولكن المؤلف لم يبذل أي جهد في ترتيبها أو تنظيمها، بل كتب كل فقرة منها عفو الخاطر حسبما كان يجول في ذهن رجل مُسِن قد حنكته تجارب الحياة ومسئولياتها، وأراد أن يطرحها عن كاهله إلى كاهل ابنه. ونرى في حِكَمه الاهتمام القوي وحسن الذوق واستعمال الذهن الذي اعتاد أن يطلق عليه القلب.
وقد كان أبرز الصفات القيمة التي يجدر بالشاب أن يتَّصِف بها عنده هي أن يكون قادرًا على الإصغاء والطاعة، فنجده يقول:
إن الاستماع مفيد للابن الذي يصغي (يطيع)، وإن المستمع يدخل مثل إنسان قد استمع، ومَن يستمع يصبح مستمعًا، فيكون حَسَنَ الإصغاء وحسَنَ الكلام، وإنَّ مَن يستمع يكون مالكًا للفائدة؛ لأن الإصغاء مفيد للسامع. والإصغاء أحسن من أي شيء؛ لأن من نتائجه الحب الجميل.
أجمل بالابن الذي يصغي عندما يتحدث إليه والده! فإنه سيصل إلى الشيخوخة بسبب (3) ذلك، وإن المستمع يحبه الله، ومَن لا يستمع تبغضه الآلهة، والعقل هو الذي يشكِّل صاحبه فيكون مستمعًا أو غير مستمع، وعقل الإنسان هو حياته وسعادته وصحته، أجمل بالولد الذي يرى الواجب في أن يصغي إلى والده! وما أعظم فرح الإنسان الذي يقول له الناس «إنه ابن فضيلة كفضيلة سيد يستمع!»
أما المستمع الذي يقال له ذلك، فإنه يكون فاضلًا منذ الولادة، ومحترمًا في نظر والده، وذكراه تكون في أفواه الأحياء الذين على الأرض ما داموا أحياءً. أما الغبي الذي لا يستمع فلن ينال نجاحًا؛ إذ إنه يعتبر العلم جهلًا والطيب خبيثًا، ويعرِّض نفسه كل يوم للوم؛ لما يأتيه من كل شيء مكروه، ويعيش على ما يموت الناس فيه، والقول الخبيث غذاء فمه، وأخلاقه إذن تكون معروفة للحكَّام، ويموت حيًّا كل يوم، ولن يعامله الناس مطلقًا بسبب السيئات الكثيرة التي يرتكبها كل يوم.
فمن ذلك يتضح أنه منذ القرن السابع والعشرين كان السلوك أمرًا يُقوَّم، وحكمة ذات معيار، يرثها الابن عن والده، وكان للنجاح في الحياة المكانة السامية، وكانت السُّبُل التي تحقِّق الوصول إليه عظيمةَ الأهمية، ولذلك استغرقت هذه الأمور نحو ثلث نصائح «بتاح حتب»، فبعض هذه النصائح يوحي بالتخلُّق بالحذر في حضرة العظماء، وبعضها يعرفنا آداب المائدة في حضرة الرئيس، فيقول:
إذا اتفق أنك كنتَ من بين الجالسين (4) على مائدة أكبر منك (مقامًا)، فخذ ما يقدم لك حينما يُوضَع أمامك، ولا تنظرنَّ إلَّا إلى ما وُضِع أمامك، ولا تصوبن لحظات كثيرة إليه؛ لأن ذلك مما تشمئز منه النفس (كا) (5) إذا أحفظها الإنسان. وانظر بمحياك إلى أسفل إلى أن يحييك، وتكلَّمْ فقط بعد أن يرحب بك، واضحك حينما يضحك، فإن ذلك سيكون سارًّا لقلبه، وما تفعله يكون مقبولًا؛ لأن الإنسان لا يعلم ما في القلب (6). والرجل العظيم يتوقف عزمه على أوامر نفسه، حينما يجلس أمام الطعام، والرجل العظيم يعطي مَن بجواره.
وقد خصَّصَ الناصح جزءًا كبيرًا من حِكَمه لبيان الطرق السديدة الموصلة إلى حسن سير الأعمال الرسمية، فقال:
إذا كان رئيسك فيما مضى من أصل وضيع، فعليك أن تتجاهل وضاعته السابقة، واحترمه حسبما وصل إليه؛ لأن الثمرة لا تأتي عفوًا، ولا تعيدن قطُّ كلمات حمقاء خرجت من غيرك في ساعة غضب. التزم الصمت؛ فإن هذا أحسن من أزهار (تفتف)، وتكلَّمْ فقط إذا كنتَ تعلم بأنك ستحل المعضلات، وإن الذي يتكلم في المحفل لمفتن (يعني في الكلام)، وصناعة الكلام أصعب من أي حرفة أخرى.
وعليك أن تقدِّم للأمير نصيحة تساعده؛ لأن قوتك تتوقف على مزاجه، وبطن الرجل المحبوب يُملَأ، وظهره يُكسَى تبعًا لذلك …
كُنْ عميقَ القلب نزر الكلام … وكن ثبت الجنان طالما تتكلم، فعسى أن يقول الأمير الذي يسمع كلامك: ما أسد الكلام الذي يخرج من فمه!
ولا نزاع في أن الدافع لمثل تلك النصيحة هو اتباع سياسة دنيوية مبنية على اليقظة والتفطن.
ونرى أن ذلك السياسي المحنك كان ذا نظرة ثاقبة في انتهاز الفرصة لمصلحته، مع أنه لم يُحرَم في الوقت نفسه حاسة الإدراك لما هو أثمن من ذلك؛ إذ إن عِلْمَه بتقلبات الدهر قد علَّمَه التواضعَ، ولذلك قال ينصح ابنه:
إذا أصبحت عظيمًا بعد أن كنتَ صغيرَ القدر، وصرتَ صاحبَ ثروةٍ بعد أن كنتَ محتاجًا … فلا تنسينَّ كيف كانت حالك في الزمن الماضي، ولا تتغنَّ بثروتك التي أتت إليك منحةً من الإله (الملك)، فإنك لستَ بأحسن من أقرانك الذين حلَّ بهم ذلك (أي الفقر).
وفضلًا عما تقدَّمَ، فقد رأى أن حياة الموظف المدنية محفوفة بالمخاطر؛ ولذلك يقول ناصحًا:
احترس من الأيام التي يمكن أن يأتي بها المستقبل.
وإذن يكون من أصالة الرأي أن يمنح غيره أموالًا كثيرة بحسن نية لما يخبئه المستقبل، كما يقول:
أشبع أصدقاءك بما جدَّ لك بسبب نيلك الحظوة عند الإله (أي الملك)؛ إذ لا يوجد إنسان يعرف مصيره إذا فكَّرَ في الغد، وإذا اعترى حظوته لدى الملك شيء، فإن الأصدقاء هم الذين لا يفتئون يقولون مرحبًا … فعليك أن تستبقي ودَّهم لوقت السخط الذي يهدِّد الإنسان، ولكن سترى فيما بعدُ، أنه حينما تسوء حظوتك فإن فضيلتك ستكون فوق أصدقائك.
وتراه هنا ينصح الإنسان بأن يتحرَّى أخلاق أصدقائه، فيقول:
إذا كنتَ تبحث عن أخلاق مَن تريد مصاحبته فلا تسألنه، ولكن اقترب منه وكُنْ معه وامتحن قلبه بالمحادثة، فإذا أفشى شيئًا قد رآه، أو أتى أمرًا يجعلك تخجل له؛ فاحذر عندئذٍ حتى من أن تجيبه.
ولقد كانت مسئوليات الأسرة في نظره أهم من الأصدقاء، فتراه يتحدث عنها قائلًا:
إذا كنتَ رجلًا ناجحًا، فوطِّدْ حياتك المنزلية، وأحبب زوجتك في البيت كما يجب.
وفي نسخة حديثة يقول:
إذا كنتَ رجلًا ناجحًا فأسِّسْ لنفسك بيتًا، واتخذ لنفسك زوجةً تكون سيدة قلبك.
فنرى في المتن القديم أنه يجعل الحب أساسًا لبناء عش الزوجية، ولكنه الحب العملي الذي يجب على الزوج لزوجته، ولذلك يستمر قائلًا:
أشبع جوفها، واستر ظهرها.
ومطالب المرأة كثيرة لا تقف عند حد، ولكن ما تعتزُّ به المرأة الحديثة وتشاركها فيه أختها القديمة في مصرنا من التطور، ينحصر فيما غلا من الروائح والدهان. ولم يَنْسَ حكيمنا أن يذكِّر بها ابنه، إذ قال:
إن علاج أعضائها هو الدهان.
وبذلك يرى ذلك الوزير المحنك أن الزوج الكيس هو الذي يجعل زوجته سعيدة أولًا بالمحبة التي يلزمه أن يُفسِح لها في قلبه المكانَ الأولَ، ثم يتبع ذلك بقضاء حاجتها من غذاء وملابس، ثم الكماليات كالعطور، ونراه يقول:
اجعل قلبها فَرِحًا ما دمتَ حيًّا، فهي حقل مثمر لسيدها.
وهذا التشبيه الأخير جاء في القرآن بعد مضي خمسة وثلاثين قرنًا في قوله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ (سورة البقرة آية 222).
أما عن الأبوة فقد كان «لبتاح حتب» آراء خاصة فيها، إذ يقول:
إذا كنتَ رجلًا ناجحًا وكان لك بيت، ووُلِد لك ابن اكتسب رضاء الإله (الملك)، فإذا عمل صالحًا ومالَ إلى طبعك، وسمع نصائحك وكانت خططه ذات نتائج حسنة في بيتك، وكان معتنيًا بمالك كما يجب، فابحث له عن كل شيء حسَنٍ، فهو ابنك الذي ولدته لك نفسك (كا)، ولا ينفرنَّ قلبك منه. ولكن إذا عمل سوءًا وأعرض عن خططك (أي أوامرك) ولم يعمل حسب نصائحك، وصارت خططه لا قيمة لها، وتحدَّى كل ما تقوله … عندئذٍ أَقْصِهِ؛ لأنه ليس ابنك ولم يُولَد لك …
ومع أن ذلك الوزير كان يفقه جيدًا الرغبة في النجاح الدنيوي، وإحراز الثروة، إلا أنه كان يرى ألَّا تطغى المادة على الروابط الأسرية، فتراه يقول:
لا تكونن شَرِهًا في القسمة، ولا تكونن ملحًا في الحق، ولا تطمعن في مال أقاربك؛ فإن الالتماس باللين يجدي أكثر من القوة، فإن القليل الذي يُختلَس يُولد العداوة (حتى) عند صاحب الطبع اللين (يعني الحليم).
ولما كان الطمع من أهم الصفات الذميمة الداعية لتفكُّك روابط الأسرة المتماسكة، قال يحذر منه:
إذا أردت أن يكون خلقك محمودًا، وأن تحرِّر نفسك من كل قبيح، فاحذر الشراهة فإنها مرض عضال، والصداقة معها مستحيلة؛ لأنها تجعل الصديق العذب مرًّا، وتقصي ذا الثقة عن سيده، وتجعل كلا الأبوين قبيحًا، وكذلك الأخوان، وتفرِّق بين الزوج وزوجه، وهي حزمة فيها كل أنواع الشر، وعيبة بها كل شيء مرذول، وإن الرجل الذي يتبع طريقة حقة في سلوكه، ويسير على صراط سوي يعيش طويلًا، ويكسب الغنى بذلك، ولكن الشره لا قبر له.
وقد شفع «بتاح حتب» هذا البحث الذي يدل على ما للروابط الأسرية عنده من القيمة العظيمة في بيت الإنسان، بوجوب احترام أهل بيت غيره، ولو كان من غير ذوي قُرْبَاه، فنجده يحذر الزائر تحذيرًا شديدًا من محاولة الاقتراب من النساء، بل يحتم عليه أن يتباعَدَ عنهن بقدر المستطاع، فيقول:
إذا أردتَ أن تحافظ على الصداقة في بيت تدخله، سيدًا كنتَ أم خادمًا أم صاحبًا، فاحذر القرب من النساء، فإن المكان الذي يَكُنَّ فيه ليس بالحسن، ومن الحكمة إذن ألَّا تحشر نفسك معهن، ومن أجل ذلك يذهب ألف رجل إلى الهلاك بسبب متعة قصيرة تضيع كالحلم، ولا يجني الإنسان من معرفتهن غير الموت.
وقال في هذا المعنى أيضًا:
وعندما يفتتن الإنسان بأعضائهن البرَّاقة (حرفيًّا: أعضاء من الزجاج)، فإنها تصير بعد ذلك مثل حجر «هرست» (أي شيئًا تافهًا مثل الحلم)، والموت يأتي في النهاية.
وتسود حكمةَ «بتاح حتب» روحُ الشفقة الكريمة، ولم يجعلها تنحصر في أسرته، بل جعلها تمتد إلى مَن حوله؛ ولذلك يأمر ابنه بأن يسلك مسلكه في ذلك، إذ يقول له:
كُنْ طلق الوجه ما دمتَ حيًّا.
ثم يستمر في كلامه بحالة تُشعِر بأنها كانت أصلًا للمثل المشهور: لا فائدة من النحيب على لبن مهراق (وهذا يشبه المثل: العايط في الفايت نقصان من العقل).
وهذا المرح العظيم الذي نراه فيما يأتي من قول الوزير، يتفق وما ينشده من طلب الراحة والفراغ؛ إذ يقول:
اتبع لبك ما دمتَ حيًّا، ولا تفعلن أكثر مما قيل لك، ولا تنقصن من الوقت الذي تتبع فيه قلبك؛ لأنه مكروه عند النفس (كا) أن ينتقص من وقتها، ولا تشغلن نفسك يوميًّا بخلاف ما يتطلبه بيتك، وعندما يواتيك الثراء مَتِّعْ نفسَك؛ لأن الثراء لا تتم (فائدته) إذا كان معذبًا.
ولا شك في أن مَن كانت روحه مَرِحة بهذا الوصف، ينبغي أن تكون الشفقة عنده من الأمور المألوفة. واستمع إلى قوله في ذلك:
إذا كنتَ حاكمًا فكُنْ شفيقًا حينما تسمع كلام المتظلم، ولا تُسِئْ معاملته إلى أن يغسل (7) بطنه، وإلى أن يقول ما جاء من أجله … وإنها لفضيلة للقلب أن يستمع مشفقًا.
ولا نزاع في أن تكون هذه الشفقة ذات علاقة وطيدة بالمعامَلة الحسنة القائمة على الحق، ولا غرابة إذن إذا وجدنا أن الحق والعدالة قد اتَّخَذَا لهما مكانةً في حلمه تسمو على كل مكانة، فيقول:
إذا كنتَ حاكمًا تصدر الأوامر للشعب، فابحث لنفسك عن كل سابقة حسنة حتى تستمر أوامرك ثابتة لا غبار عليها. إن الصدق جميل وقيمته خالدة، ولم يتزحزح عن مكانه منذ خُلِق؛ لأن العقاب يحل بمَن يعبث بقوانينه … وقد تذهب المصائب بالثروة، ولكن الصدق لا يذهب بل يمكث ويبقى، والرجل المستقيم يقول عنه: (إنه متاع والدي قد ورثته عنه.)
لذلك كان لزامًا على الشاب أيضًا أن يبلغ رئيسه الحقائق، ولو كانت مرَّة على نفسه، ولا شك في أن هذه السبل كانت تتطلب قوة خلق عظيمة؛ وهذا ما كان يرجوه ذلك الحكيم من ابنه إذ يقول:
حصِّل الأخلاق … واعمل على نشر العدالة، وبذلك تحيا ذريتك.
وكذلك يذكِّر ابنه:
بأن الفضيلة التي يتحلَّى بها الابن لها قيمتها عند الأب، والخلق الحسن يبقى شيئًا مذكورًا.
ويقول أيضًا:
وإذا استمعتَ ووعيتَ ما ألقيتُه عليك، فإن كل صنيع لك سيكون على غرار عمل الأجداد، أما صحة هذه الأشياء فالفضل فيها يرجع إليهم (أي الأجداد)، وذكراها لن تُمحَى من أفواه الناس؛ لأن نصائحهم جديرة بالتقدير، وكل كلمة ستنقل ولن تُمحَى من هذه الأرض أبدًا، وسيكون للكلام قيمة حسبما ينطق به الأمراء … وعندما يصيب رئيسك شهرة جديرة بالتقدير فإنها ستبقى حسنة أبدًا، وستخلد كل مزاياها، أما الرجل الحكيم فإن روحه تنعم باستمرار بقاء فضيلته على الأرض، والرجل العاقل يُعرَف بعمله، وقلبه ميزان لسانه، وشفتاه تصيبان القول عندما يتكلم، وعيناه تبصران عندما ينظر، وأذناه تسمعان ما يفيد ابنه الذي يقيم العدل ويبرأ من الكذب.
وقد يجوز أن ذلك الوزير المسن قد عبَّرَ عن روحه الخلقية بأوجز عبارة حينما حذَّرَ من الطمع فيما سلف، وأننا نجده الآن في صورة الظافر المنتصر؛ إذ يقول في غير مناسبة تربط بين قوله هذا وبين ما تقدَّمَ:
إن الرجل الذي اتَّخَذَ العدالة معيارًا له، وسار وفقًا لجادتها يكون ثابت المكانة.
وختم «بتاح حتب» نصائحه لابنه بعبارة تحبِّب إلى نفسه العدالة، إذ يقول له في منتهاها:
تأمل! إن الولد النجيب الذي يهبه الإله، يقوم بأداء أكثر مما يأمره به والده، فهو يقيم الحق، وقلبه يسير على صراطه، وبقدر ما تصل إلى ما وصل إليه الناس، سيكون جسمك سليمًا وسيكون الملك مرتاحًا لك في كل ما يجري، وكذلك ستصل إلى السن التي وصلتُ إليها، والسنين التي عشتها على الأرض وليست بالقليلة؛ فقد بلغت العاشرة بعد المائة، وحباني الملك بمكافأة تفوق كل مكافآت الأجداد؛ لأني أقمتُ العدلَ للملك حتى ضمَّنِي القبر.
ومما سبق يتضح أن حِكَم «بتاح حتب» كانت ذات مكانة راجحة في الجهات العليا من وادي النيل، وبخاصة إذا علمنا أن أحد ألقاب الملك «وسركاف» الذي عاش في عهده هذا الوزير «مقيم العدل»، وقد أفاض وزيرنا في العدل وفضائله.
ويتناول أكثر من نصف حِكَم هذا الرجل العظيم أخلاق الإنسان وسلوكه، وما بقي يختص بالبحث في الإدارة وسلوك الإنسان الرسمي، ويلاحظ بوجه عام أن تلك الحِكَم ترشد إلى اللطف والاعتدال والحزم الذي يصحبه التثبُّت، فهي بذلك في الواقع تنمُّ عن منتهى ما كان عليه الوزير من حسن الذوق، وسلامته في تقدير الأمور ووزنها بالميزان الصحيح عندما وصَّى ابنه باتباعها والسير على نهجها، فيجب أن يعرف بأن الحياة العظيمة القيمة هي التي يحظى فيها الإنسان بقسط وافر من المتعة، وعليه أن يحافظ على ساعات الراحة والدعة حتى لا يتسرب منها شيء إلى أعباء الوظيفة أو غيرها، ذلك إلى أنه يجب على المرء أن يكون بادي البشاشة والطلاقة؛ لأنه لا فائدة من النحيب على ما فاته.
وبالجملة فإن النغمة التي تغلَّبَتْ على فلسفة نصائح ذلك الوزير السهلة التناول هي الوازع الخلقي الحقيقي، وأبرز الواجبات التي تظهر فيها ما عبَّرَ عنه بقوله:
أقِمَ العدل، وعامِلَ الجميعَ بالعدالة.
على أنه ليس من باب المصادفة أن تُذكَر مثل تلك الحقائق المقنعة في إضمامة من البردي القديم، تبعث فينا جوًّا مشبعًا بالرحمة والمحبة واحترام الوالدين والبر بهما، مما يوطد دعائم الأسرة ويوثق العلائق بين أعضائها، وتنأى بنا في الوقت نفسه عن الشره الذي يقضي على الوئام ويفكِّك الروابط، بل إن تلك العواطف دروس قصد إليها ذلك العالم الاجتماعي، فانتقلت إلى البيئة المحيطة به وانتشرت فيها، وسعادة الأسرة وسلامة العلاقات بين أفرادها هي الثمرة الظاهرة لهذه التعاليم.
وعلى ذلك نجد في حِكَم «بتاح حتب» برهانًا قاطعًا للحقائق التي وُجِدت في نقوش المقابر والمعابد التي رسمت فوق جدرانها، والتي تدل على أن حياة الأسرة هي التي هيَّأَتْ للإنسان في بادئ الأمر الشعور بالمسئوليات الخلقية.
من أجل كل ما ذكرنا بقيت أمثال «بتاح حتب» منارة يُستضَاء بها في معايير الأخلاق وفي الأسلوب الكتابي.
ولا أدل على ذلك من أن جُمَلًا مفردة من نصائحه كانت تعيش بعد مئات السنين من وضعها، مثال ذلك أن رجلًا اسمه «أمنمحات» عاش في عهد الأسرة الثامنة عشرة يقول متحدِّثًا عن نفسه وعن رئيسه:
لم أصوب إليه لحظات عدة، بل ألقيت بوجهي إلى الأرض عندما تحدَّثَ إليَّ.
وكذلك نقرأ على أثر يمجِّد فتح الملك «سنوسرت الثالث» لبلاد النوبة:
إنه ليس ابنك، إنه لم يُولَد لك.
(أ) المصادر
أهم مَن كتَبَ عن هذه التعاليم ما يأتي:
(1) Pieper “Die Agyptische Literatur” PP. 19 ff.
(2) Peet, “A comparative Study of the Literatures of Egypt, Palestine and Mesopotamia” P.P. 100 ff.
(3) Breasted, “The Dawn of Conscience” P.P. 129 ff.
(4) Erman, “The Literature of the Ancient Egyptians” P.P. 54–65.
(5) Griffith. “The World’s Best Literature”.
(6) Petrie, “Religion and Conscience in Ancient Egypt” (translation by Griffith).
(7) Dévaud, “Les Maximes de Ptahhotep”. (Fribourg, 1916)
(8) Mover, (“The Oldest Books in the World” New york, 1900).
........................................................
1- يقصد ابنه.
2- يعني أفقر الفقراء.
3- يطول عمره؛ أي يُبارَك له فيه لكثرة ما أفاد.
4-كان المصريون يجلسون عند الأكل على موائد منخفضة، ونظن أن المضيف الممجد كان يجلس على مائدة في الوسط، والضيوف حوله على موائدهم.
5-(كا) هي تلك القوة الكامنة في الإنسان التي يتوقف عليها سلوكه كما تتبين ذلك هنا؛ ولذلك يجب على الإنسان أثناء المحادثات الاجتماعية أن يتلافَى كلَّ ما يضايق نفس (كا) الآخَر.
6- يجب أن تكون متحفظًا في حضرة الرجل العظيم؛ لأنك لا تعرف طبائعه.
7- يبوح بكل ما في صدره.
الاكثر قراءة في العصور القديمة في مصر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)