علينا أن نعرف معنى الكمال والتمام. قال الراغب الإصفهانيّ في «مفردات القرآن»: كَمَالُ الشَّيءِ حُصُولُ مَا هُوَ الغَرَضُ مِنهُ- انتهي. وقال: وتَمَامُ الشَّيءِ انْتِهَاؤُهُ إلَى حَدٍّ لَا يَحْتَاجُ إلى شَيءٍ خَارِجٍ عَنهُ. والنَّاقِصُ مَا يَحتَاجُ إلَى شَيءٍ خَارِجٍ عَنهُ- انتهى.
ونقول لتوضيح هذا المعنى: آثار الأشياء على ضربين: ضرب منها ما يترتّب على الشيء عند وجود جميع أجزائه بحيث لو فقد شيء من أجزائه أو شرائطه لم يترتّب عليه ذلك الأمر، كالصوم فإنَّه يفسد إذا اخِلَّ بالإمساك في بعض النهار، ويسمّى كون الشيء على هذا الوصف بالتمام. كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ}.[1]
وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا}.[2]
وضرب آخر: الأثر الذي يترتّب على الشيء من غير توقّف على حصول جميع أجزائه، بل أثر المجموع كمجموع آثار الأجزاء. فكلّما وجد جزء ترتّب عليه من الأثر ما هو بحسبه. ولو وجد الجميع ترتّب عليه كلّ الأثر المطلوب منه، كقوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ}.[3]
ذلك أننا نعلم أنَّ أثر الترتّب على بعض هذه الأيّام لا يتوقّف على الأثر المترتّب على المجموع من حيث المجموع، وكلّ يوم وحده موضع ترتّب الأثر وصحّة الصوم.
ومن هنا ينتج أنَّ قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} يفيد أنَّ المراد بالدين هو مجموع المعارف والأحكام المشرّعة، وقد اضيف إلى عددها اليوم شيء؛ وأنَّ النعمة أمر معنويّ واحد كأنه كان ناقصاً غير ذي أثر، فتمّ وترتّب عليه الأثر المتوقّع منه.
[1] الآية 187، من السورة 2: البقرة.
[2] الآية 115، من السورة 6: الأنعام.
[3] الآية 196، من السورة 2: البقرة.