نستطيع أن نحصل على معنى اليوم في الآية من الآية نفسها. ولتحقّق هذا المعنى نقول مستهلّين: إنَّ ما يستفاد من الآيات القرآنيّة هو أنَّ الكافرين كانوا يكيدون للإسلام منذ بزوغ شمسه، وكانوا يعتزمون اجتثاث جذوره، ويتمنّون زواله منذ أيّامه الاولى. وأمرهم هذا هو الذي كان يسبّب القلق والمشاكل للمسلمين بأشكال متنوّعة، ويظهر في كلّ يوم بشكل أو بآخر. وكان من حقّ المؤمنين أن يحذروا منه ويخشوه.
قال تعالى: {وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ}.[1]
وقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا واصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.[2]
والكفّار لم يكونوا يتربّصون الدوائر بالمسلمين إلّا لدينهم، ولم تكن تضيق صدورهم وتنصدع قلوبهم إلّا من جهة أنَّ الدين كان يذهب بسؤددهم وشرفهم، واستر سالهم في اقتراف كلّ ما تهواه طباعهم، وتألفه وتعتاد به نفوسهم، ويختم على تمتّعهم بكلّ ما يشتهون بلا قيد ولا شرط.
لم يكن عداء الكفار للمسلمين إلّا لأجل دينهم، فإن عداؤهم كان للدين الإسلامي الحق. ولم يكن في قصدهم إبادة المسلمين وإفناء جمعهم بل إطفاء نور الله وإعادة تحكيم أركان الشرك والكفر، بعد ما زلزلها الإسلام بآياته الإلهية، ورد المؤمنين كفاراً كما قال تعالى: {وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا}.[3]
وقال تعالى: {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ}.[4]
وقال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.[5]
وقال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ}.[6]
ولذلك لم يكن للكفّار هَمٌّ إلّا أن يقطعوا هذه الشجرة الطيّبة من أصلها، ويهدموا هذا البيان الرفيع من اسّه بفتن المؤمنين وبثّ النفاق في جماعتهم، ونشر الشبهات والخرافات بينهم لإفساد دينهم.
وقد كانوا يأخذون بادئ الأمر يُثبّطون عزيمة النبيّ صلّى الله عليه وآله ويضعّفون همّته في الدعوة الدينيّة بالمال والجاه، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ}.[7] أو بمخالطة أو مداهنة، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}.[8]
وقوله تعالى: {وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا}.[9]
وكان آخر ما يرجونه في زوال الدين، وموت الدعوة المحقّة، أنه سيموت بموت هذا القائم بأمره ولا عقب له. فإنَّ المشركين كانوا يرون النبوّة حكومة ورئاسة في صورة النبوّة، وسلطنة في لباس الدعوة والرسالة. وكانوا يقولون: لو مات لانقطع أثره، ومات ذكره، وذكر دينه على ما هو المشهود عادة من حال السلاطين والجبابرة الذين مهما بلغ أمرهم من التعالي والتجبّر وركوب رقاب الناس، فإنَّ ذكرهم يموت بموتهم، وسننهم وقوانينهم الحاكمة بين الناس تدفن معهم في قبورهم إلّا أن يكون لهم ولد يحفظ من بعدهم الحكم والسلطنة والسنن. ومحمّد الذي لا عقب له على هذه السيرة، سيموت دينه بموته أو قتله. ويشير إلى رجائهم هذا قوله تعالى: {إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}.[10]
فقد كانت هذه الأشياء وأمثالها أماني تمكّن الرجاء من نفوسهم، وتطمعهم في إطفاء نور الدين، وتزيّن لأوهامهم أنَّ هذه الدعوة ليست إلّا احدوثة ستقضى عليها المقادير ويعفو أثرها مرور الليالي والأيّام.
لكنَّ ظهور الإسلام تدريجيّاً، وانتشار صيته، واعتلاء كلمته بالشوكة والقوّة قضي على هذه الأماني. ذلك أنهم لم يستطيعوا أن يزعزعوا عزيمة النبيّ، ويوقفوا همّته بالمال والجاه اللذين كانا يعرضانهما عليه.
قوّة الإسلام وشوكته أيأستهم من جميع تلك الأسباب، إلّا واحداً، وهو أنَّ محمّداً صلّى الله عليه وآله مقطوع العقب، لا ولد له يخلفه في أمره، ويقوم على ما قام عليه من الدعوة الدينيّة، فستموت دعوته بموته.
لأنه من البديهيّ أنَّ كمال الدين من جهة أحكامه ومعارفه، وإن بلغ ما بلغ، لا يقوى بنفسه على حفظ نفسه، وأنَّ أيّة سنّة من السنن الإلهيّة والأديان المتّبعة لا تبقى على نضارتها وصفائها، لا بنفسها ولا بانتشار صيتها، ولا بكثرة المنتحلين والأتباع، كما أنها لا تنمحي ولا تنطمس بقهر أو جبر أو تهديد أو فتنة أو عذاب إلّا بموت حملتها وحفظتها والقائمين بتدبير أمرها.
ومن جميع ما تقدّم، يظهر أنَّ تمام يأس الكفّار إنّما يتحقّق عند ما ينصّب الله لهذا الدين من يقوم مقام النبيّ في حفظه وتدبير أمره، وإرشاد الامّة القائمة به.
وفي هذه الحالة التي شاهد فيها الكفّار انتقال الدين من مرحلة القيام بالحامل الشخصيّ إلى مرحلة القيام بالحامل النوعيّ، وتحوّله من صفة الحدوث إلى صفة البقاء في مراحل كماله، سيطر الياس على وجودهم كلّه. وهذا هو إكمال الدين وإتمام النعمة.
وليس ببعيد أن يكون قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا واصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، باشتماله على قوله حتّى {يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} إشارة إلى هذا المعنى. أي: أنَّ أمر الله الذي ينبغي أن يأتي، ويُخرج المؤمنون من طمع الكفّار، هو ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب التي سيثبت الدين بواسطتها.
وهذا يؤيّد ما ورد من الروايات أنَّ الآية نزلت يوم غدير خمّ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة سنة عشر من الهجرة في ولاية عليّ بن أبي طالب. ولذلك ترتبط الفقرتان {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ والْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أوضح الارتباط، ولا يرد على هذا الوجه شيء من الإشكالات المتقدّمة.
ولمّا عُلِمَ معنى اليأس في الآية، يتسنّي لنا أن نعرف أنَ {الْيَوْمَ} ظرف متعلّق بقوله: {يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا}. وأنَّ التقديم للدلالة على تفخيم أمر اليوم وتعظيم شأنه، لما فيه من خروج الدين من مرحلة القيام بالقيّم الشخصيّ إلى مرحلة القيام بالقيّم النوعيّ؛ ومن صفة الظهور والحدوث إلى صفة البقاء والدوام.
الآية الكريمة {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} تبيّن حكماً خارجيّاً وتكوينيّاً يشتمل على البشرى من وجه، والتحذير من وجه آخر، ويدلّ على تعظيم أمر اليوم لاشتماله على خير عظيم الجدوى، وهو يأس الذين كفروا من دين المؤمنين. والمراد بالذين كفروا مطلق الكفّار من يهود ونصارى ووثنيّين ومجوس، لإطلاق اللفظ.
[1] الآية 69، من السورة 3: آل عمران.
[2] الآية 109، من السورة 2: البقرة.
[3] الآية 217، من السورة 2: البقرة.
[4] الآية 100، من السورة 3: آل عمران.
[5] الآيتان 8 و9، من السورة 61: الصفّ.
[6] الآية 14، من السورة 40: غافر.
[7] الآية 6، من السورة 38: ص.
[8] الآية 9، من السورة 68: القلم.
[9] الآية 74، من السورة 17: الإسراء.
[10] الآية 3، من السورة 108: الكوثر.